شعر

تـمـثـل


مررت قرب بيتنا القديم
رأيت هيكل الإسمنت وهو يعلو، قلت: بشرى
كان ذهني ينتظر
وكان قلبي في جمود
وكان جفني مشرعاً.. وهدبه موتراً ومطلقا ) فكرت لو رأيت مالك العقار، لقلت هكذا البناء، لكنني أرجأت مدحتي
نقلت بين ما أرى وقدمي البصر، فلم تكن زكائب الإسمنت إلا كي ندوس مزقةً من نسجها المتين
هذه هنا، وغيرها على استقامة الدرج، يشب صامداً وغير آبه لدوسنا فنقرعه
ونستمر مدهشين ذاهلين ثم نعتلي مكان نومنا الحميم
وربما بقية من ضحكة عنيفة (كان جرذ ينزوي بدقة ويرتحل.. لعل قفزة له تمثلت صدورها من فمنا، وربما لذاك السر قد تصدع الجدار، شق فرجةً ترى بها أثاث حجرة مجاوره)

وبينما أُنقل التفكير بين بعض ما أرى وحال بيتي الجديد كنت أمتليء
هناك دمعة كأنها ما أذرفه، على رفات ما يظل في بقاء ما أحس موعداً مع السمو والترف
أضمه لضحكةٍ وليدة، وأحتمي بمعبد الوجود عبر هيكلي المقيم، قلت: ها.. يا هيكلي.. تلوح لامعاً ملألأً، وبعض ما تضم عابقاً ومسدل الستور.. بعضه المطل، والنوافذ النثيرة التي انتشت بخفقها.. تغيب في انغلاقها وتنكشف. وقلتُ أنت ذا تمنعت بك الحيطان، واللحون ترتدي غلالة الحروف، والسقوف أرجت سحائب الأحلام، والغرف.. تحلق الشجون تحت قبة السهر.

وبينما تمر بي الطيوف في عبورها لصم أضلعي، تشدني زيارتي، أدير زرقة التذكر احتوت وجودي، عبأتني من كؤوس سردها، فصرت مترعاً وناضحا.
ألاشتياقي دمعة ستنفجر ؟
أللذهاب والإياب أسطرٌ، أللزقاق.. كراسةٌ تنام بين ساعد وصدر،.. وللقصيد.. أسرةٌ شراشف وشمعة
هل الحروف تغتسل ؟ فتحسر الجسوم، وتهبط المياه كي تخلل الأصابع وما الذي يضم كل هذي الهلوسات، مالذي يتيح أن تقال من وراء الباب..

إنني حلمت بينما أقمت بين هذه الجدر

لعل بعض حرقة الهواء بعض لوعة الشبق
يقيم صدرٌ في غلالة من القميص.. تشده فتوة جموحة وينشدخ
هنا سلقت وهمي اللفيف في شبابي، فوق رغبة تلوب حول صولة الرجاء والوله
تثرثر المسام للمسام والصدى يفر كالغزال في مروج حلمي اللصيق بي.. أموت كي أحاوله.
مشيت- أو صعدت أعني- حتى سامقتْ عيناي مطلع الحديد وهو يستمر في سباقه الحثيث والمتين كي يحيل سطح وجهي المتاح من زمان لانجراح صفحة الهواء، بحاصب يدق حتى يلتقيه جزء لحظة جريحة.. إلى المزاح والطُرف.

فكرت طول الوقت بين طرقتي على الدرج، وبين فجأة انفتاح شقة بسطوة الإزميل أو شراسة المكعب الوجيز أو خلو مقلتي في تواصل مبلل من انحشار كالح الغبار
وقفت في مجال مثل صدرها -العمارة- مفكراً.. أأترك الفؤاد خفيةً هنا.. ولم أطق
وجدت أو لعلني وهمت، بعض عنبر يهس رعشةً ركينة تكتمتها علبة تلوذ من صليل مطرقه، بقدم الجدار، وراءها هدير نَدٍ حازم الصلادة استحال كالطحين، ثم رق تحت ماء الورد، ثم نام منعماً عليه في نقيع المسك، لا يقوم لو تمزقت لروحه مراوح التذكر الطليل، صار مغلقاً على سكون قضمة العبق.

أطل فوق سقف بيتنا أمدد النظر.. لكي أميز القبور.. لكي أرى امتداد شارعي القديم..

يسيل من وراء.. (حديقة النوار).. يقول مر بي أكسوك من قميص (هايتي) الخفيف كي تظل في نضارة الشباب رافلاً في حلة من الوجود والحبور
وهمت أنني أجول قرب شرفتي.. لأنها اختفت
وطالما وقفت فوقها ملوحاً ورامقا.. هناك فوق شارعي لطالما لمحت خضرة الربيع.. بين رفة للجفن واستجابة الخطى.. تذرها الأجساد
والسواعد العربيدة الخيوط راشفت لذاذةً يتيحها خروجها

تظلل الكتوف جسمها.. تفيض باغتفار ثقل ما يحط.. من حمامة الصباح، أو تخافق الأهداب، أو تهيؤ السماء لاقتبال حثوة الشعاع، أو مجرة يتلها الفضول، أو لدونة الخصور
وطالما مددت كفي كي ألملم الربيع.. كي أضمه وألثمه.. لكنني رددته
سأكتفي بما أرى – أقول من رجاء شرفتي –: تبختر الصبايا يزدهين بالكتاب.. يعتلين من سحائب الرموق قولةً:
صباحنا الندى.. تخلجت نضارة الأعناق، طوق النحور.. زركش اكتسابها من طلعتك.. ندواة الغرامْ.. تكلُم الرؤى
لترحل الظلال للظلال.. لتخلق الدنى بلمحة
ليحفل الخيالُ.. إن حسوة بجوفه كمنجم من الذهب
وجوهر الحنين مثل رقصة النهود، أو تضرم الدفوف.. حُمرة شفيفة تنيرها.. وصوت شاد مطلقٍ
كما ترحِل العيون سيرها على تطاول العنقْ
وربما هنا يناطح السَقَف
مكان رأس جدتي
هنا تعجل الذين جاؤا يخرحون نعشها
وددت حينها لو استحلت بعض أضلع الرداء حوله.. وحرت بين واجبي الملح مثلهم.. ودمعتي
ليهبط الجناح بالحنان
يرف من رحابة ومغفره
هنا على العيون حزنها الذريف.. أو هناك عند المقبره
هناك رشقة الدموع، سقت تجاوراً من اللحود

منيذراً وجدتي
وضمة يضيئها شقيقها الوليد.. وطفلة مضت من قبل أن تؤنسها
وصاحباً.. وصبيةً.. وجارة ذوت صغيرة كوردة
وربوة شدت لهم من خضرة نداوة حفية تؤلف التعلق المزاحم الوريق

وفادةً جليلة لكل حرف باسمها تطوف زرقة عطوفةً.. عذوبةً فسيحةًً.. تكرماً ينيخ قطن روحه الوريف.. تهللاً يطيح منه بعض ما يفته افتكاري الوجيع.. رقةً ومعذره

وهل تكرم الهواء
هوائي القديم.. ببيتي القديم
فوفر البقاء للكلام كي ألمه
حسبت أنه في حين فهت أو سمعت كان محض قول.. كان بعضي.. هذا الذي عرفته.. من بعدما غادرت بيتي صحبة الأثاث.. بعد أن ودعت ما لطالما هلعت من فراقه.. أبي.. وكان بعض شيبه حشرجة، وبعضه وميض سمع.. كنت قد أقول ما يهم.. كان بعض ما نقول شعر غيرنا
فهل تكرم الهواء ؟.. إن جل جسمي الآن حُق
خرجت مسرعاً.. ككَرة الأوداج حين تستدير فوق مزلق الصُدف
كقرع أحرفٍ يعن أن تحك وجهها بمس ريشةٍ لقبلةٍ طويلة.. لكنها تكسرها.. وتنحرف
كما يطيح عنه من عُلوه.. فواحَ روحه.. الشرف
كما تلملم الحبيبة الوقور عن حبيبها.. مقال: لا تضمني.. فقلبي اختلف
كما يصيح غافل إلى بعوضةٍ: أوجعتني.. وتستلذ رشفها من دمه في غفلة
تاركةً في جلده مكانة
وفي خياله جناحها يصول في معاقل الرشاقه

مقالات ذات علاقة

رسائل

سراج الدين الورفلي

عـاجــــل !!

عبدالوهاب قرينقو

صديقك العزيز

محمد عبدالله

اترك تعليق