المقالة

تـطـور بنيـة السـلطة في زمن الثــورة

منذ الساعات الأولى لثورة فبراير .. أخذت دولة الطـاغية في التفكك وبسرعة .. مع كل حجر يرميه شاب أو إطلاقة من بندقية ثــائر. النظــام سرعان ما بدأ يتهاوى لأنـه كان فـاقـدا للمصداقية ولثقـة الشارع الليبي ، ولأن كثيرين من أعـوانه أخذوا في التخلي عنه .. معظمهم تحت وطـأة الرعب وطمعا في النجاة لأن ارتباطهم بالنظام كان مصلحيا، وبعضهم تخلى لأنهم هم أنفسهم لم يكونوا مقـتـنعين به .. فقد كان نظاما جـائرا، ولم ينجـو أحد من ظلمـه وبطشـه ونزواتـه..

كثير من أعوان النظام بمن فيهم رجال جيش وشرطة، لم يبدوا حماسا في الدفاع عنه .. فاختار عبد الفتاح يونس مهادنة الثورة ومعالجة المظاهرات بقدر كبير من التعقل، بينما أمر مـدير أمن البيضاء، شــرطته بعدم إطلاق النار على المتظاهرين. وفي معسكر شحات، رفض أحد القادة وكان من قبيلة القذاذفة، أمر جنوده بعدم إطلاق النار على المدنيين، لأنهم جنود وليسوا شرطة. وكان أن أعدم على الفور. وفي ما بعد سـلم أهل شـحات الجثة لأسـرته في سـرت تكريما له. وكان آخر الانشقاقات / التخلي وأكبرها أثرًا، حين أمر البراني اشكال ( آمر كتيبة امحمد المقريف )، بإخـلاء العاصمة طرابلس حـقـنا للدماء، فـدخلـها الثوار دونما معارك.

وهكذا انتزعت تدريجـيــا أقنعة القذافي وصوره ولا فـتاتـه ولغته وأوهامه وإرهابه. واســتعاد الشعب من ذاكرته المقموعـة علمـًـا ونشـيدا .. و تبنـّت الدولة تدريجيا وعبر مخاض عسير وعلى جثث آلاف الموتى، رموزا جديدة ، ووجـوها جديدة ولغة جديدة.

بـدايات ســلـطـة جــديدة

في تلك المرحلة المبكرة، كانت تتخلق في البلاد ســلطات جديدة … في البداية، تصدر الشباب المثقف في بنغازي، الثورة، وقامـوا بتنسيق ما ليس للثوار وقت ولا معرفة لمتابعته : الكهرباء، السلع التموينية، حماية المرافق الحيوية كالمستشفيات والمصارف. وكان دور المحامين هـو الأبرز، لأنهم كانوا مشتبكين أصلا في تلك الفترة مع السلطة القذافية حول قضايا نقابية خاصة. ثم اعتصموا في سـاحة (يوم 17/2) بعد يومين من بــدء المظاهرات منددين باسـتعمال العنف.

وجراء مطاردات الشرطة، احتمت الجماهير بســاحة المحكمة، حيث علقت صور الشـهداء ورفعت راية المملكة، ووضع مكبر صوت لإلقاء الخطب. وهكذا أمست المحكمة ملتقى الوطنيين، وقـبلة الصحفيين الأجانب، وكان دور المحامين في البداية أقرب إلى المضيفين ” أصحاب الحـوش “. أما المعارك الحاسـمة فكانت في المعسكرات خارج المدينة، وبلغت ذروتـها في معركة كوبري / طريق طرابلس يوم 19 / 3 ، التي أوقفت تقدم رتل الموت الذي أرسله القذافي، حتى جاءت طـائرات الناتو وأجهزت عليه .. فأنقذت بنـغــازي، وأنقذت الثـورة.

بـروز قـيــادة

ثـورة فبراير اندلعت بشكل تلقائي ودونما قيادة منظمة أو معروفة حتى بين الثــوار. وكما نعلم بدأت عشـية يوم 15 /2 / 2011 كمظاهرة احتجاجية لأسر ضحايا بوسليم والمتعاطفين معهم، من أمام مديرية الأمن بالهواري، احتجاجا على اعتقال المحامي فتحي تربل. وتطورت الأحداث بسبب عنف النظــام. وسرعان ما انتشرت المظاهرات، بدءًا بمدينة البيضاء و شحات ، ثم درنة والزاوية .. الخ.

السيد مصطفى عبد الجليل كان الرجل المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب. فهو من أهل البيضاء، ووزير عدل نظام القذافي. بل كان أكثر من ذلك. فقد ترأس النادي الرياضي بالمدينة. وكقاضي بالبيضاء، سبق أن لفت الأنظار، بإصدار حكم شــجاع في عام 1990 ، في قضية تعويض فـرج الصالح السـجين السياسي السابق. كما أعلن كوزير للعدل في مؤتمر الشعب العام ( سرت ، يناير ( 2010 بحضور القذافي، وبلهجة الشكوى، عن استمرار اعتقال سـجناء سياسيين حكمت المحاكم ببراءتـهـم.

وبُعـِث الرجل من قبل حكومة البغدادي لتهدئة الأوضاع في البيضاء لكن حين احتدمت الثورة وسـقط أول الشـهداء، أعلن استقالته ، في يوم 21 فبراير 2011 ، فكان أول مسئول كبير يحتج على استعمال العنف ضد المتظاهرين. وكان طبيعيا أن اختاره نشـطاء ورجـال المدينة متحدثا باسمهم، وانضمت إليها شـحات والقبة ودرنة وطبرق. وسرعان ما تبنته بنغازي، واختير رئيسا للمجلس الوطني الانتقالي ( السبت 5/3/2011 )، الذي أيـده ثـوار بقية المدن الليـبــية الطرفية، كنوع من الإجـمـاع الذي أسبـغ عليه صفة المشروعية. وأظهر مصطفى عبد الجليل شــجاعة مثيرة للإعجاب، بإصراره في تلك الظروف الشائكة على رحيل القذافي وأولاده.

طـوق الســلطـة

الأهم ، أن مصطفى عبد الجليل ، بدأ من موقـعـه القيـــادي يجمع حولـه أشخاصا يعـينوه على إدارة دفـة الأمـور. لكنهم كأي طوق إنساني، شكل ســدا في وجـه كل قادم جديد يريد أن يلج دائرة السلطة. وتطوعا أو حرصا أو غيرة، قام الطوق بمهمة بوابة التفتيش، يفرز القادمين، ويصد من يخشى أمرهم ويحتضن المأمون.

وسرعان ما تماسك قوام الطوق، ونشأت سكرتاريا، ومجموعة حماية وحراسـة، ومكتب طباعة، وفريق مراسم لحجز التذاكر والترحيل والاستقبال. وتحول إلى “ديوان رئاسـة” بفضل حماس وتطوع البعض، ومشاركة البعض الآخر طموحا أو بحثا عن دور.

داخل الطوق تشكل المكتب التنفيذي، ونمى المجلس الانتقالي، الذي تم اختياره بعشوائية في البداية، بمعنى غياب معايير واضحة. فهذا عن الشباب، وتلك عن المرأة، وذاك عن السجناء القدماء وهكذا. وتزايد بإدخال مندوبين عن المناطق، المحررة والتي مازالت في قبضة الطاغية.

ومن موقع القيادة والإجماع على شـخصه، كان رأي رئيس المجلس هـو الرأي الحاسم ، تحت ما سمي بالتوافق. مصطفى عبد الجليل رجل يفتقر لكثير من مهارات السياسة. أما المناورة فلعلها كانت جزءا مما اكتسبه في ملاعب كرة القدم ، على الأقل! ولا يمكننا إغفال قدرات الرجل الشخصية في امتصاص الغضب، والانتظار والمماطلة، وهي سمات هامة في العمل السياسي. حتى وإن أقـر هـو نفسه،مرارا، بقلــة خبرته ، بتواضع ذكي يسلب منـتـقـديه من أي مقـدرة على التمادي.

ولم يكن مصطفى عبد الجليل على صلة مباشرة بالحركة الوطنية، رغم أنه كان يكن إعجابا بالمعارضين السابقين، وخاصة السجناء القدامى، وربما يـثـق في آرائهم، إلا أنه حرص على استبعادهم من دائرة السلطة. وكذلك لم يدخل المجلس الانتقالي أي من قـادة الثوار الميدانيـين الذين صنعوا الثورة بإصرارهم وتضحياتهم. ومن الملفت أن مصطفى عبد الجليل، كان ينهي تأشيراته المقتضبة على ما يقدم إليه من اقتراحات، بعبارة “على أن يسند الأمر لشخص ليس له أجـنـدة داخلية أو خارجية”! وكلمة أجندة مرادفة تقريبا تصنيفيا ، لمفردة آيديولوجية التي كانت رائجة، ومبعث حساسية الحكام بل وعدوانيتهم، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

أما كيف اختار وانتقى من بين القادمين المطالبين بكرسي في المجلس الانتقالي؟ فنستطيع أن نقول أن معاييره كانت أولا المعرفة الشخصية، وهكذا جند المكتب التنفيذي بكامله تقريبا من وزراء وسفراء حكومات القذافي. واستند ثانيا على ترشيحات وتزكيات أصدقائه وخاصة القضاة. وكان الانتماء القبلي معياره الثالث. وهناك أخيرا من نجحوا في فرض أنفسهم بشكل أو آخر بمساندة لوبيات داخلية أو جـهـوية أو قبلية أو مهنية، ومن هـؤلاء مجموعة محامين ألحقوا ” كمراقبين ” ثم تم منحهم عضوية المجلس بعد شـهور.

أما كيف اتخذ عبد الجليل قراراته، فالمساحة وراء كلمات الرجل، معتمة، والأرجح أنها مزدحمة بتوصيات ونصائح قادمة من مستشاريه الذين يثق فيهم ومن قوى نافذة ودول، ترشح هذا وتستبعد ذلك. وفي أول هؤلاء، دولة قطـر، الوسيط العربي مع الغرب ، والدولة التي قدمت بحماس المال والعتاد والإعــلام. أما لماذا تحمست قطر فلاشك أن هناك ملابسات ما تزال خافية، لكننا نستطيع أن نخمن أنه السعي وراء الاسـتثمار والبحث عن حليف يقف إلى جانبها في المستقبل، وهذه أمور طبيعية بالنسبة لدولة ثرية وصغيرة جدا وتقع تحت تهديدات أبدية بحكم موقـعـها الجـغـرافي. وربما أخطأت قطر في بعض مواقفها، لكن ذلك لا يبـرر التحامل الذي أظهره البعض.

الآداء

تجربة المجلس الانتقالي، والمكتب التنفيذي ومن بعده الحكومة المؤقـتـة، اتسمت على المستوى الداخلي بالجمود، وغياب الحسم. وكان أهم مظاهر ذلك، القرارات التي سرعان ما تراجع أو تعدل أو تلغى. على الصعيد العملي لم تنجح هذه المؤسسات التنفيذية في إعادة تشغيل أجهزة الدولة، أو إعادة بناء الشرطة والجيش.. ولم تسـتأنف مشاريع الإسكان والبنية التحتية، ناهيك عن البدء في إعادة إعمار المناطق الأكثر دمارا (سرت، مصراته، اجدابيا، الزاوية). ورفضت إعادة تفعيل القضاء. وكان العذر الدائم انتشار السلاح عموما، وعدم السيطرة على الثوار. وقد يبدو ذلك صحيحا نظريا، لكن الواقع لا يسـنده، فرغم وجود السلاح فإن معدل الجريمة لم يرتفع، وما حدث من اختطافات وحتى اغتيالات كانت جرائم سياسية. ونذكـّـر بأنه حينما هاجم بعض الشباب المحسوبين على الفيدرالية، مخازن مفوضية الانتخابات في بنغازي واجدابيا، كان الثوار المسلحون هم من أنقذ بطاقات وسجلات وصناديق الاقتراع. بالمقابل، لم تبد السلطة سعيا جادا نحـو استيعاب الثوار سياسيا، وبقيت العلاقة بين الاثنين مشوبة بالشك والريبة.

انتشار السـلاح

كان للثـورة نتائج ثانـوية عديدة ، أهمها انتشار السـلاح وظهور تشـكيلات مسلحة بعضها من الثوار الحقيقيين، وأخرى تتفاوت دواعيها من الانتماء الجهوي والقبلي إلى الإجرامي والتهريبي. انعكس انتشار السلاح، المنظم وغير المنظم على الدولة، محليا ووطنيا. فهناك خوف لدي المسئول المحلي والقاضي ورجل الشرطة، من اتخاذ قرارات خشية أن تقود إلى ردود انتقامية. وفي وضع كهذا تداخـلت الصلاحيات والسلطات، وافتقدت روح المبادرة، وعمليا تجمد دور الدولة وبالتالي مشاريعها التسـيـيرية والتنموية.

كما أن الرصيد النضالي لبعض المناطق إبان حرب التحرير .. منحها وضعا يسمح لها بالمطالبة وإملاء الشروط أو مجـرد عـدم التعاون مع السلطة المركزية. وهكذا نشأت داخل الدولة الليبية مراكـز قـوى داخل الدولة، تنعم باسـتـقلال نسبي ولها بالتالي قرارها العسكري والسياسي شبه المستقل (مصراته والزنتــان وبن وليد والطوارق والتبو).

أحد مراكز القوى يتجسد في ثـوار المنطقة الشرقية، مسلحين، ذوي رصيد بطولي في مقاتلة كتائب القذافي، جذورهم تمتد إلى تشكيلات الجماعة الليبية المقاتلة والجـهـادية.. موزعين الآن على كتائب وسـرايا، يتعاونون مع الدولة دون أن يكونوا منها، يفتقدون للتنظيم السياسي الحزبي، لكن تشـدهم ولاءات فكرية وارتباط بقيادات ذات تاريخ ناصع من الصدق والشجاعة. ويتميزون بكونـهـم وطنيـين، ومرجعيتهم ليبية.

أمام هذه الخلفية، التقطت بعض أجهزة الدولة الليبية الموروثـة أنفاســها، وشرعت في تقديم خدماتها، ولكن بكفـاءة آداء متدني، وبتعثر، ودون ميزانيات. وإن نجحت قيادة مصطفى عبد الجليل والحكومة الانتقالية في تفعيل وزارة الخارجية، واستئناف ضخ النفط ، إلا أن الدولة الرسمية عموما ظلت مكتوفة اليدين تجاه الواقع الجديد، ولم تحاول خلق علاقات جديدة .. وتعاملت وفق سياسة الفعل ورد الفعل، دون خيال أو رؤية واضحة وخطة عمل بعيدة الأمد (خارطة طريق).

رمـز أكثر منه حــاكمـا

وهكذا رأس السيد مصطفى عبد الجليل ، آلة سلطة كان له الدور الأكبر في تشكيلها. كانت مجموعة شديدة التنوع في قدراتها وقناعاتها وتطلـعـاتها. ولأنـها هشـة، ، فقد اكتسبت هيبتـها واستمرارها من ارتباطـها بالرجل. وقد انتقى الرجل أعوانه من مختلف الفئات بمن فيهم التكنـوقـراط العائدين من المهجر، ورجال نظـام القذافي. لكنه كان رافضا ومتشككا في الجميع. ولعله احتـفـظ بحلـفاء نعرف بعضهم ، ممن يستشيرهم في شئون السياسة.

أمام هذه الخلفية من التحديات والظروف الصعبة وانتشار السلاح، ظلت السلطة عـربة هشـة، غير قادرة حـقـا على الحركة، لأنـها لو تحركت لتهشـمت !!

وظل مصطفى عبد الجليل الرجل الموثوق، لأنـه جمع في شـخصـه نقائض لكثير من صـفـات القذافي: فـهـو متواضـع وهـادئ، يبتـعـد عن الأضواء، وصــادق .. مقابل صـفات القـذافي المقـززة وغطرســته واســتعراضيته وكذبـه القهري وعدوانيـتـه. وإن كشـف الإعلام عن ضعف إمكانيات مصطفى عبد الجليل الخطـابية وخروجه أحيانا عن السـياق المطلوب، إلا أن تواضعه وورعـه واتصالاته المتزايدة، كلها ســاهمت في ترســيخ هيبتـه.

وهكذا ظل مصطفى عبد الجليل رمـزا أو أيـقــونـة ، أكثر منه حـاكما. رمزا وطنـيــا يحفظ له الليبيون مواقـفـه السـابقة ، ويجمعون على بـقـــائه ، شئ أقرب لتميمـة لاتــّــقــاء صراعات تلوح في الأفــق، لن تحمد عـقـبــاها.

هشــيم نظــام الطــاغية

ولعل أكثر التحولات الثانوية إرباكا، كانت كيفية التعامل مع بقايا نظام القذافي.

رجال النظام البارزين، إما قتلوا أو اعتقلوا أو فروا، وهؤلاء لديهم إمكانيات مالية عالية ، لكن ترجمة ارتباطاتهم السابقة وأرصدتهم الحالية إلى حركة فعالة مناهضة لثورة فبراير، أمر مستبعد بعد مقتل رأس النظام وأجهزته. أما معظم كبار رجال إدارة القذافي فـهـم إما في السجن أو في بيوتهم أو بالخارج. في حين ” ذاب ” جنود كتائب القذافي واختفوا’’ من المشـهد، كما يحدث للعسكريين عادة بعد أي هزيمة.

المشكلة هي في رجال الإدارة المسيرين. بعضهم شفع لهم حسن سيرتهم وعلاقاتهم الطيبة، وقوبل بقاءهم في خلفية أروقة السلطة المعتمة ، دونما ضجة. تبقى المشكلة في العديد من رجال نظام القذافي المعروفين، والمتشـبثين بالبقاء في كراسي السلطة أو بالسفارات .. إلخ. وقد حاول المجلس الانتقالي كبح رغبات هؤلاء، بتشكيل لجنة النزاهـة، التي لم تحقق أهدافها ، خاصة بعد أن تظلم بعض المستهدفين للقضاء. وكان القضاء مصيبا، فإبعاد موظف يتطلب البرهنة على وجود جريمة، ولا جريمة بدون قانون.

هـمّـا همّــا … ؟

إذا كانت نار الثورة قد أتت على البنية العسكرية لنظام القذافي، فإن تفتت الإدارات المدنية كان هـادئا وأقل دويا، خاصة وأن سلطات الثورة (المجلس والحكومة) لم يعيرا اهتماما للموضوع، باسـتثناء مجالات وزارة الخارجية والنفـط والمصارف.

وإذ تعطلت الإدارات العليا للدولة، فإن الإدارات المحلية سـرعان ما أعادت تشـكيل نفســها على أساس تحالفـات مصلحية وهجينــة، من رجال الإدارة القدامى وبعض الثوار والانتهــازيين الذين أغراهم التسيب وفرص النهب في غياب الرقابة. وإن كان من الصعب رصـد هذه الظواهر بالأرقــام والبيانات، إلا أن وجـودها أمسى انطباعا شــائعا ومحـور شــكاوى رجل الشارع. بل كانت الصحافة الأجنبية تكرر، أن المكتب التنفيذي كلهم من علاة المسئولين السابقين. وتلك ثيمـة تبنـاها مـوقع السـاطور لرســوم الكاريكاتير والهـجـاء السياسي، على الإنترنت، والذي يحظى بمتابـعـة واسـعـة !. وفي هذا السياق، انتشرت أبيات من الشـعر الشـعبي للشاعر نعيم الزوي، تقول:

همّا همّا ..

نـفـس الـوجـوه اللـى اتـجيـب الغـمــّه

كــيـف أمــس كيـف الـيـوم .. همّا همّا

نــفـس احـــــمــيده ..

ونفس الوجــوه الـلـى زمـان زهـيده

مـا تــقــول جَـدّت فـى الـبلاد جديده

ولا هناك عـيل مـات، ضـحـّى بـدمّه

المعنى واضح وهو عـودة بعض رجال دولة القذافي إلى مواقــع السلطة ، رجال حتى بفرض أنهم كأشخاص كانوا أبرياء من فساد النظام وإرهابه، إلا أن تصدّر بعضهم بعد الثورة لمناصب إدارية، أو حتى ندوات نقاش، أو برامج تلفزيونية، بدا نشــازا وقـاد إلى ظهـور عبارات أزلام، ومتسلقين، وطحالب .. الخ. وعلى أي حال الظاهرة ليست جديدة في تاريخ البشرية أو تاريخنا المحلي.

أم هي شراكة قادمة ؟

أما العنصر الثالث الذي ســاهم في الإبقاء على أولئك الإداريين، فــعــائد لموقف دول حلف النـاتو التي شــاركتنا في الإطـاحة بنظام القذافي… فالتحالف الغربي نزل العراق دون خطة لكيفية إدارة البلد ومع من .. وعلى الفور حلوا الجيش وفصلوا رجال إدارات الدولة .. تسريح الجيش والإدارة في العراق تركا فراغا هائلا .. ملأه المتطرفون .. بلـغـة القنابل الموقوتة والسيارات المفخخـة .. واضطر الأمريكيون للتعامل مع قادة بائسين، فاسدي الذمـة وغير موثوق في ولائهم.

طبعا تداخلت لدينا عوامل نفسية واجتماعية أخرى .. وهكذا صعد البيروقراطيون القدامى الواحد تلو الآخر .. بعضهم فاسدي الذمـة .. وكثير منهم يعملون بكثير من التحامل إن لم يكن الكره مع الناس الذين ثاروا ضد راعيهم السابق .. شـعارهم “خليها تخرب .. وان شا الله ما قام فيها طايح ” .. وهـؤلاء انتهزوا فرصة غياب الضوابط الإدارية للنهب بشكل أو آخر.

والمشـهد الآن لا يختلف كثيرا عما عرفته البلاد بعيد استـقلال ليبيا ســنة 1952. حينـها تـبـوأ من عمل مع الطليان، مكان الصدارة في إدارات الدولة لخبراتـهـم .. وبدورهم كانوا على استعداد لتقديم الولاء الكامل، ربما لأنهم كانوا الأضعف سياسيا. لكنهم لم يكونوا مقبولين لدى رجال الحركة الوطنية، ولهذا قال عنهم شاعر الوطن أحمد رفيق سنة 1948 ، ‘‘ فكلهم في طباع السوء طليان’’ !!

تلك الشريحة شـكلت جزءًا من نسيج المملكـة الليبية الوليـدة آنذاك .. نعم، سـاهموا في تأسيس الدولة. لكن حضورهم ســاهم أيضا في قمع المعارضة، وهكذا تـم حل جمعية عمر المختار والمؤتمر في طرابلس عشــية الاســتـقلال. وتلك كانت خطيئة، رافقت المملكة الليبية إلى سقوطها في 1/9/1969.

بعيــدا عن التبرير، لنا أن نســأل: هل عودة موظفي دولة القذافي أمر طبيعي كما في كل المجتمعات بعد الحروب والثورات؟ لكن إلى أين سيفضي ؟

المحليـات المنتخـبـة في مواجـهـة ذهـنية التصعيد والفسـاد

يبدو أن الصراعات الإدارية آخـذة من الاقتراب من ذروتـها ، في المواجـهــات المتصاعدة بين المجالس المحلية المنتخبة من جـهـة، والإدارات الهجينة التي تشكلت بعد ثورة فبراير.

الأمثلة كثيرة، ففي بنغازي مثلا ، حين قام المجلس بتعيين أمين إداري ومراقب مالي، أقفل الموظفون مكاتبهم وتظاهروا أمام مدخل المجلس ، محتجين على إبعاد زميليهم الأمين الإداري والمراقب المالي القديمين، بذريعة أن الأمور ماشية ولا حاجة لهذه التغييرات .. ومن الواضح أنه تصرف يمثل امتدادًا لذهنية وسلوكيات “التصعيد” الذي ابتدعه القذافي، أو لاســتبعاد معايير الكـفــاءة في اختيار الموظفين، ولتصفية خصومه، وتدريجيا لبناء إدارات خاضعة ومطيعة له بالكامل.

ومن العرقـلات الأقل وضوحـا، عـدم تعاون شركة مثل شركة الخدمات العامة مع المجلس المنتخب. حتى أمسى تكدس القمامة في شوارع المدينة أزمة حـقـيقـية. ومن أساليب الإحراج والتحريض الغير مباشر، رفع مرتبات لا غطاء مالي لها، قبيل تسليم السلطة للمجلس المنتخب مما أدى إلى اقتحام محتـجـين للمقر المؤقت للمجلس.

وهكذا، وبعد أيـام ( 26/7/2012 ) أعلن الناطق الرسمي باسم المجلس المحلي المنتخب بمدينة بنغازي الدكتور خالد الجازوي، أن دور المجلس المنتخب رقابي وإشرافي وتقويمي لأداء الحكومة وليس دورًا تنفيذيا .. وشرح بيان المجلس أنه قد أوقف العديد من الإجراءات الفاسدة والعقود المشبوهة والالتزامات الظالمة، فما كان من المستفيدين من الأوضاع السـابقة إلا أن ألبوا الدهماء والعوام ونشروا الإشاعات والأباطيل .. مشددا على أنه لا بد من الحزم درءا لتدهور الأحوال وتردي الأوضاع.

والظـاهرة واسـعة الانتشار ولا تقتصر على بنغازي، فقد قرأت (يوليو 2012) لعيسى الهاميسي من زواره، في أقصى الغرب الليبي، والتي بادرت بأول انتخابات محلية، على الإنترنت وتحت عنوان ‘‘ إلى أين نحن ذاهـــبون؟ ’’ : ‘‘ عندما سقطت جدران باب العزيزية استبشرنا جميعا خيرا …انظر إلينا اليوم …إعلامنا هو إعلام العقيد.. ومدراء المؤسسات هم هم نفس الوجوه… لا زال المقاولون يـقـدمون الرشـوات ولا زال المسئول يسرق الأموال العامة … رئيس مجلس محلي لا علاقة له بالثورة …أمور بعثت فينا الإحباط وجعلت الثوار الحقيقيـين يتراجعون عفة وتعـفـفــًا فهذا ليس ما ثاروا من اجله …’’.

نـحـو المسـتقبل

مثلما أدهش الليبيون العالم ببطولاتهم في تحرير بلادهم من حكم الاسـتبداد، فـقـد أدهشوه بخوض انتخابات نزيهة وسلسة، ثم باختياراتهم الحرة للمرشـحين، بعيدا إلى حد كبير يفوق التوقع عن اعتبارات الجـهـوية والقبلية، والمستوعبة لكل الرؤى ووجـهــات النـظـر. ودلالـة تلك الاختيارات واضحة، وهـو أننا نريد الاسـتقرار والانـفتاح على العالم وإعادة إعمار وطـننا. وقد أكدت تجربة الانتخابات رغبة كل الليبـيين في ترسـيخ مبادئ حرية الرأي والاختيار والتداول السلمي للسلطة الذي سيتأكـد بتسليم المجلس الانتقالي والحكومة المؤقتة كل السلطات للمؤتمر الوطني المنتخب.

ليس هدف الثورات إسقاط نظام ســياسي فقط ، بل وبناء نظام بديل يقيم العدل ويحقق الاستقرار، ويسمح بالتنمية ويفضي إلى الازدهــار. ولهذا ما أن تحقق الثورة هدفهـا الأول، حتى تجد نفسـها ملزمة بتسليم زمام الأمور إلى جيل ثاني، جيل مسلح بالخبرة والمهارات والانضباطية والنظـام، وليس بالبندقية. هذه المفارقـة، تضع المجتمع أمام خيارين، إما التحاق الثوار بالدولة الجديدة وإما تواصل الصراع على السلطة والفوضى.

إذن ما هي المـهــام الأسـاسية القادمة ؟

لابـد أولا من ترسيخ وحدتنا الوطنية ، المهددة الآن، بشتى التوجـهات السلبية. وهذا لن يتحقق إلا بمشاركة الجميع. ولقد حققت انتخابات المؤتمر الوطني خطوة متقدمة على طريق هذه المشاركة. ولابد من تأكيد هذه المشاركة المفتوحة على صعيد الحكومة القادمة، بإشــراك كافـة الفصائل والتوجـهـات. هكذا فقط نستطيع أن نخلق جوا من الثقة.

ولترسيخ وحدتنا الوطنية ، لابد من تطهير البلاد من السلاح العشوائي أولا، لكي تستعيد الدولة هيبتـها ويستعيد المواطن أمنـه. فلا إدارة فـعـالة ولا قضـاء عادل ، بل ولا نشاط اقتصادي في غياب جيش وشرطة لأنـها من أساسيات أي دولة متحضرة. وهذه المهمة لا يمكن أن تنجز إلا بمشاركة ثوارنا البواسل الذين أنجزوا الثورة وأمـّـنوا البلاد طيلة الشهور الماضية، والذين بفضل تضحياتهم وصلنا إلى هذه المرحلة المتقدمة من الاستقرار والوفــاق.

ليبيا اليوم تعاني أيضا من تقسيم فعلي نابع من الشكوك والحساسيات. وكثير من مناطق ليبيا أمست أقرب لمدن القرون الوسطى المسورة وذات البوابات .. مدن وقرى شـبه معزولة، كل واحـدة داخل نطاق مسلح ونقاط تفتيش. ولابد من تحقيق الإحساس بالأمان، والانتماء لوطن واحـد. ولابـد من الأخذ في الاعتبـار شتى الملابسـات، ولن يكون ذلك إلا بإدارة لا مركزيـة حقيقية، ونظـام محافظــات يمنح المحلي أكبر قـدر من سـلطة الـقـرار والتصرف.

وليبيا تعاني من انقسام سيكولوجي إلى درجة الإفراط، بين ” حزب الثورة “، وبين من وقف في الجانب الآخر. ولابد من تجــاوز هذه الهـوة النفسية، وهذا أولا بمحاكمة من توجد ضدهم أدلة وهـم قـلـة، وثانيا بتأكيد مبدأ المواطـنـة التي تساوي بين الجميع وأن كل الليبيين إخـوة، وما فـرقهم خلال الشهور السابقة سـوى ســياسات وتعنت النظام الهمجي المقبور القائمـة على الدس وإثــارة الفـتـن.

على الصعيد الإداري تسود في الدولة الليبية ذهنية المركزية بمعنى الحرص على “إرضاء من هم فوق” بدلا من الاهتمام بالصالح العام. كما تسـود سـلوكيات “الدفاع عن الكرسي” والتعامل وفق معايير المحسوبية والقبيلة والجهة وبالتالي إقصاء ذوي الكفاءات، وأخيرا النزوع إلى إهدار المال العام. وربما نحن بحاجـة وتدريجيا إلى بناء إدارات جديدة وموازية، بدلا من الاكتفاء بلافتات جديدة ومفردات جديدة.

ومهما كانت السلبيات التي اكتنفت مسيرة الثورة على المستوى الإداري، فلا يجب أن تغيب عنا الإيجابيات، وأولها حرص رئيس المجلس الوطني، وأعضاء المجلس، على الإيفاء بـوعـدهم بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتسليم السلطة للمؤتمر الوطني المنتخب. وذلك إنجـاز سيحفظه التاريخ للمستــشـار مصطفى عبد الجليل والمجلس الوطني، بأحرف من نــور.

وعلى الحكومة القادمة المنبثقة عـن المؤتمر الوطني الممثـل الشرعي لكل الليبــيين، أن تتحلى بالشجاعة والحـكـمــة والمبادرة لتطهير البلاد من السلاح العشـوائي، وتأكيـد وحـدتنا الوطـنـية واسـتـعادة الثـقـة بين المواطن والدولة؟ وهذا يبـدأ من إعادة بنـاء الدولة المفتـتـة سـواء على الصعيد الإداري أو العسكري؟ ذلك هـو التحـدي الجسيم والقادم.

وحـفـظ اللـه ليبيا من كل شـر.

مقالات ذات علاقة

لماذا يكره المعلمون مذكرة التحضير؟

سعاد الورفلي

الشاعر والكتاب

المشرف العام

أَطِبّاءٌ لَهُمْ تارِيخ

يوسف القويري

اترك تعليق