من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
قصة

تـجربة

كيف احتل المواطن بلعيد الحافي محطة الإذاعة.

لو أن السيد كبير المذيعين لم يفقد أعصابه فجأة، ويرمي طلب الترقية في وجه بلعيد الحافي، لما كان ثمة حاجة أن يقوم بلعيد بتغيير نظام الحكم، لكن السيد كبير المذيعين رمى طلب الترقية في وجهه.

“اخرج من هنا” قال له على مسمع من الحاضرين “أنت لا تصلح مذيعاً، ولا تصلح حتى عاملاً في المقصف”.

“فمعذرة؟” سأله بلعيد متعمداً أن تقف يده عند إشارة الاستفهام. كان يعرف أصول اللغة. “أخرج من هنا” قال له كبير المذيعين “إن ثلاثة أسابيع في مدرسة محو الأمية لا تجعلك مذيعاً لنشرة الأخبار”.

استدار بلعيد، ونظر حوله مستنكراً. كان يأمل في لقاء ودي، يليق برجل متعلم. بعد أخذ ورد، وافق السيد كبير المذيعين على أن يتركه يستمر في عمله بالمقصف.

“فما يهم” قال بعيد في وقت لاحق، وهو يشرح طبيعة ما حدث أمام بعض الفناجين ، “نذيع الأخبار من محطة لندن، لو أنني فعلاً نحب الأخبار” لكنه كان يحبها في السر.

وكان يتعمد أن ينقل الطلبات إلى قسم البث قبل بداية الأقسام، ويراقب الأزرار الحمر على لوحات التشغيل. وفي ذات مرة تعمد أيضاً أن يخاطب المذيعة:

“أيتها اللالا” قال بلعيد إذ ذاك محاذراً أن يهز رأسه بين اللام واللام “أليس مكان الهمزة فوق الياء في كلمة نؤيدكم؟”.

رفعت المذيعة رأسها. ابتسمت له مشجعة وأخذت فنجان القهوة. كانت تعرف أن بلعيد رجل درويش خفيف العقل، لكن بلعيد لم يكن يعرف.

.. وفي ذات ليلة، بعد أن أغلق المقصف أبوابه، وأطفأت جميع الأنوار ، تسلل بلعيد من معقله في مخزن المشروبات وقصد غرفة البث صامتاً، كان يريد أن يقوم بتجربة صغيرة على انفراد.

بدأ تشغيل الأزرار. فتح قناة البث على غرفة التسجيل. نظر حوله متفحصاً. بدأ يرفع صوته بالتدريج.

“في هذا اليوم الأغر” قال بلعيد فجأة “نعلن لكم يا معشر الشعب نبأ قيام الثورة. فكل واحد يكون في بيته، وكل من يخرج غير مضمون”.

لم تعجبه الصياغة. مسحها بيده في الهواء. بدأ يجرب صياغة أخرى ، لكنه كان قد نسي الانقلاب.

“فنقول عن الديمقراطية” قال بلعيد متورطاً في موضوع شخصي لا يعرف منتهاه، “وأين هي بالله الديمقراطية، مادام ذلك السيد كبير المذيعون واقف لنا بالمرصاد ةس.

اعتراه الغضب. خرج عن طوره. جاءه الذي يجيئه عندما يكون غير موجود. بدأت يده تلوح كالسيف في وجه عالم يستحق القتل. وإذ ذاك دخل ثلاثة رجال إلى غرفة البث، وسط أضواء كاشفة وقرقعة سلاح ، فحملوه بينهم، ورموه داخل سيارة، لم يكن بوسعه أن يقرأ أرقامها بسبب الظلام.

كيف استلم المواطن بلعيد الحافي برقية تأييد في السجن.

في تلك الليلة، كانت زوجة بلعيد قد أعدت له العشاء، وجلست تنتظره في السقيفة، عندما سمعت صوته فجأة يعلن قيام الثورة.

تحت وطأة المفاجأة، كان عليها أولاً- أن تركض. وقد ركضت بالفعل من السقيفة إلى البئر، ثم عادت فركضت في الشارع، وقصدت من فورها دكان البقال. وهناك أجرت المكالمة الهاتفية التي كلفت بلعيد صفعة قوية في الصباح.

“اقرأ” قال له المحقق، وهو يصفعه مباشرة بعد الإفطار “هذه برقية تأييد من حرمكم”.

استلم البرقية. نظر إليها صامتاً. كانت الصفعة قد أغلقت عينه اليمنى، ولم يكن بوسعه أن يقرأ العربية من جهة الشمال.

“فما نقدر” قال بلعيد.

“اقرأ” قال له المحقق وهو يتبرع بالقراءة “نؤيدكم، ونحن من ورائكم، والله يوفقكم ويسدد خطاكم في هذه المؤامرة”.

استدار بلعيد ، ونظر حوله مستفهماً كيف عرفت امرأته أن الهمزة فوق الياء في كلمة “نؤيدكم؟”.

أخذوه إلى الجب. ربطوا حول معصمه سلكين، أحدهما متصل بصندوق أسود مكتوب عليه “صنع في هونكونغ”. وهي الكلمة التي حيرت بلعيد حتى اضطر أن يسأل عنها حضرة المحقق.

احرقوه بالسلك. وضعوا ماءً ساخناً في أذنيه. خلعوا ثيابه وأعادوا ربط السلك في مكان، لم يكن بوسعه أن يوافق عليه.

“فانتظروا” قال بلعيد فجأة. عندما ربطوا السلك في مكان لا يوافق عليه: “هذه مكان روح، ولا يحق لكم أن تزهقونا”. كان يريد أن يدافع عن روحه بثلاثة أسابيع في مدرسة محو الأمية. وقد دخل ثلاثة رجال على عجل، وسط أضواء كاشفة، وقرقعة سلاح، فغطوا عينيه بمنديل أسود، ونقلوه إلى فناء واسع، في وسطه لافتة مكتوب عليها “الموت للمتآمرين”، وهي كلمة كان بوسع بلعيد أن يقرأها، لو أنهم لم يغطوا عينيه بمنديل. أطلقوا عليه النار. الرصاصة الأولى في صدره، والرصاصة الثانية في مكان الروح، استدار مستنكراً، ونظر حوله، ثم مات فجأة وهو مستنكر.

كيف عاد المواطن بلعيد الحافي إلى الحياة بعد أن ماتت روحه أمامه.

تحت وابل من الرصاص، أيقظته زوجته، وهي تهزه هزاً عنيفاً، فتح عينيه، ونظر حوله، فوجد نفسه ما يزال مستنكراً. رأى زوجته تقف غاضبة لكنها لم تكن تحمل بندقية.

“انهض” قالت المرأة.

“فطيب” قال بلعيد.

“انهض الآن” قالت المرأة. “أنا ذاهبة معك إلى درس محو الأمية”.

رفع بلعيد الغطاء على مهل. وجد امرأته تقف حاملة كتاب المطالعة. نزل من سريره، وشرع يبحث عن كتابه صامتاً.

في الطريق، وبعد أن مرا معاً أمام دكان البقال، قال بلعيد لزوجته موصياً، وهو يحتاط لأمر هام “ضعي الهمزة فوق الياء في كلمة نؤيدكم”.

مقالات ذات علاقة

يوم عادي جدا

المشرف العام

“الست” في مبنى “البركة”

عزة المقهور

اليباس

عمر الككلي

اترك تعليق