حوارات

ترويكا نمط شعري موضوعه الإنسان

الشاعر عبدالمنعم محجوب:

ترويكا نمط شعري موضوعه الإنسان

قصائد الهايكو العربي لا علاقة لها فعلاً بالهايكو الياباني

التواصل الافتراضي ليس بديلاً كاملاً

حاوره: رامز النويصري.

الشاعر عبدالمنعم المحجوب

الشاعر يبحث دائماً عن آفاق جديدة ينطلق فيها فارداً جناحيه، فكانت المدارس والتجارب الشعرية التي يحاول من خلالها الشاعر التفوق على السائد وتحريك الساكن، ومقاومة الثبات.

الترويكا، ليست ترفاً شعرياً، بقدر ما هي محاولة للغوص في الذات الإنسانية، وما يرتبط بموضوع الإنسان على جميع المستويات، من خلال نص يحمل رسالة ما، بسيطة وعابرة.

وعن تجربة الترويكا، نتوقف للحديث من الشاعر “عبدالمنعم المحجوب“، وهو الشاعر والباحث والمفكر، والمتبني لهذا الاتجاه الشعري، في حديث قصير، وعن علاقة التواصل الاجتماعي بهذا الحدث.

– ما هي الترويكا؟

– ترويكا Troika نمط شعري موضوعه الإنسان، وهو من أنماط قصائد الشذرة، وهي في الأصل كلمة روسية تعني (ثلاثي) أو (مكون من ثلاثة). أطلقت الكلمة في البداية على عربة تجرها ثلاثة خيول، ثم انتشرت في لغات العالم للدلالة على أي كيان من ثلاثة مكونات، وخاصة في السياسة والاقتصاد، ولكن نحن نستخدم الكلمة بالمعني اللغوي المباشر لأن مقاطع ترويكا الشعرية مكونة من ثلاثة أبيات (أسطر، أو كلمات، أو حروف)، وبمعني غير مباشر أيضاً، لارتباط الترويكا تاريخياً بالانطلاق والعفوية والحرية، ولأنها أيضاً ارتبطت بالبريد وتسهيل التواصل وإتاحة المعرفة. هناك دائماً في قصائد ترويكا مشهد إنساني عابر ومحدود ومعتاد مثل الشهيق والزفير في كل لحظة. وكما في منشور «الإنسان أولاً»: قد يكون المشهد عنيفاً، وقد يكون بالغَ الرهافة.

اقرأ: الإنسان أولاً بيان ترويكا

– هل هي نمط شعري جديد؟

– نعم ولا. نعم إذا رأينا إلى الترويكا من خلال موضوعها، المشهد الإنساني العابر والمحدود، الذي يُقدَّم بهذه الطريقة. وأيضاً لا، إذا نظرنا إليها باعتبارها نمطاً من أنماط قصائد الشذرة فقط. هذه القصائد لا تاريخ لها، هي في كل ثقافات العالم. هناك أيضاً سمة قد تميّز الترويكا فجميع شعرائها إنسانيون يؤمنون بحرية الضمير.

– أليست الترويكا ومضة شعرية؟

– هي من قصائد الشذرة، تعبير الومضة أو الشذرة يجمع هذه الأنماط، مثل الهايكو والسنريو والتانكا اليابانية، وقصيدة الومضة العربية، وغيرها. هي جميعاً إبيغرامات مختلفة، ولكل منها شروطه وأدواته. فأنت عندما تسمع مقطع هايكو ستعرف غالباً في أي فصل من فصول السنة أنت، يمكنك أن تقرأ هايكو للمعلم ماتسو باشو من القرن السابع عشر مثلاً وتستمتع بقراءته كأنه كتب البارحة، لأن هذا النمط يتماهي مع تعاقب الفصول وانتظامها ويبحث عن صور ساكنة وثابتة في الحياة، الهايكو يبث فينا الطمأنينة ويشحن السلام الداخلي. ومن جهة أخرى فأنت تلمس في السنريو تهكّماً ودعابة وهو يبث فينا نوعاً من المرح، هو لقطة عابرة ترينا شيئاً معتاداً دون اهتمام. أما شعر ترويكا فهو قلِق ومنشغل بالحياة، ويبث فينا نوعاً من الاهتمام بالإنسان كما هو، لا كما يجب أن يكون أو ما ينبغي عليه أن يفعل. عندما تقرأ ترويكا يتراءى لك مشهد إنساني ما… فَقْد، حب، ألم، أمل، حرب، سلم، معاناة، فرح، .. إلخ. شيء ما ذو صلة بالإنسان في إحداثياته الخاصة، الزمان والمكان. ترويكا ليست خارج الزمن، الإحساس بالزمن الفعلي الذي نعيشه شرطٌ رئيسي للترويكا، الوقوف عند المؤقت والعابر، ترويكا شعر يلتزم بانتهاء الصلاحيّة، إذا وافقتني على قول ذلك، وهو لا يطمح إلى إنتاج نماذج صالحة لكل الأوقات.

قصائد الومضة حققت انتشاراً كبيراً، مثل أندية الهايكو والسنريو، شرقاً وغرباً، وهناك ملتقى قصيدة الومضة وهو بصدد وضع ما يسميه «إطاراً نظرياً» لقصيدة الشذرة، هذا عمل جميل وأبتهج بالشاعر سالم العالم الذي يحرص على تفعيل هذه المجموعة، التي تضم أسماء لامعة مثل الكيلاني عون ومحي الدين محجوب وأم الخير الباروني وميسون صالح وجمعة الفاخري وسعاد يونس ونخبة من الشعراء في مختلف الأعمار.

الترويكا

لدي ملاحظة هنا، حول قصائد الهايكو العربي، هي مقاطع شعرية جميلة، ولكنها – غالباً – لا علاقة لها فعلاً بالهايكو الياباني، بنيوياً أعني، فهي لا تستجيب لشرطه الأساسي لأنه مكوّن من بيت واحد بسبعة عشر مورا أو تفعيلة مقطعية على ثلاثة أسطر. أما الهايكو العربي، فهو ليس كذلك، إنه مجرد قصائد ومضة في ثلاثة أسطر أو أربعة، وهو يبتعد أحياناً عمّا هو طبيعي وفطري، بل يجنح في الكثير من الأحيان إلى موضوعات وقضايا مكانها الأيديولوجيا والظلال السياسية وحقول أخرى. وقد لا يحافظ على الكيرِجي kireji أو الختام. الكثيرون يكتبون شذرات هايبون قصيرة، هذا مقبول تماماً في إطاره، فلماذا نصرّ على إلصاق اسم هايكو أو سنريو به. فلنقل قصيدة ومضة نثرية أو شذرة.

لماذا الترويكا في هذا الوقت؟

– ربما لولادتها العفوية أسباب، إحداثياتُ زمانٍ ومكان، وهناك مواقف ضمنية في اختيار الترويكا.

من العبارات التي نرددها دائماً: «الإنسان أولاً»، وكذلك: «على سطح الأرض»، هي أشبه بالشعارات، وأنا ألمح وراءها موقفاً يرفض ربط حياتنا اليومية بتابوهات وطواطم تهيمن علينا، جزء كبير من ثقافتنا مؤسس على – لأقل – التنجيم، ونحن نمارس ذلك إجبارياً كنوع من الإيمان. يمكننا من هذا الجانب أن نفهم ترويكا البسيطة العفوية، والحسيّة كذلك، باعتبارها رفضاً لما وراء الإنسان والحواس والرغبات. لهذا السبب أنت تجد الكثير من المقاطع الأيروسية والغناء بالجسد في ترويكا.

من جانب آخر يمكننا النظر إلى ترويكا بكلماتها البسيطة واليومية كرفض للأرابيسك البلاغي الباذخ والمترهّل الذي يسيطر على النصوص العربية. قصائد ترويكا لا تشترط شيئاً ولكنها تخجل من افتعال البلاغة والإبهار اللغوي، وتعتبرها علامات مزيفة توهم القارئ بأنه في حالة رضا وإشباع، ونحن نصف ادّعاء البلاغة بالترامادول.

قصائد الترويكا تأنف من التفعيلة كذلك، لسبب واحد فقط هو أن الشاعر يجب أن لا يتنازل عن وعيه. التفعيلة بشكل ما تغيّب الدلالة لصالح الموسقة، هذا نوع من الاستسلام للشكل الخارجي الذي تنتهي به القصيدة، قد يبهر الشاعر قراءه، ويمنحهم حالةً من الطرب والشجن، ولكنه في الحقيقة يكون قد خسرهم على مستوى وعيهم بما كتب أو قال لهم. أقتبس من «البيان» هذه الترويكا: بعض القوافي ترد أحياناً دون ترتيب مسبق كما لو أنها سقطت من عربة مسرعة.

هذا ما أستطيع التفكير فيه الآن، يمكنك أن تقرأ أسباباً أخرى عديدة، وستكون قراءتك صائبة. ترويكا موقف إنساني لا علاقة له بأسئلة الشعر الكبرى والتجريدية.. أسئلة الشعر «العميقة» – في الواقع – لا تعني شيئاً.

لماذا الترويكا مجموعة على موقع التوصل الاجتماعي؟

– لأن هذه الوسائل الباردة هي الأسهل في التأسيس. عندما يسألني الأصدقاء: من أي بلد انطلقت هذه الحركة الشعرية؟ في أي دولة؟ أجيب: Netland «أرض النت». مع ملاحظة أن ترويكا ليست مجموعة، ولا أعتقد أنها ستكون كذلك، هي فضاء يلتقي فيه عدد من الشعراء الذين لا يشبهون بعضهم، الكثيرون هم من شعراء الهايكو والسنريو والومضة. إلى جانب الفيسبوك ينشر موقع أطلس الثقافي http://atlasview.net قصائد الترويكا ويحتفي بها.

تابع: قصائد ترويكا على الفيسبوك

ترويكا

ما الذي تقدمه هذه المواقع للمبدع؟

– تجعل الاتصال والتبادل سهلاً. أصدقاء ترويكا، أو فرسان الترويكا كما يفضل الشاعر خيري جبودة أن يسميهم، هم الآن من مختلف البلدان العربية، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، مصر، فلسطين، سوريا، العراق، ونحن نعد الآن لإصدار مجموعات شعرية، وربما نطلق العدد الأول من مجلة ترويكا (الورقية والرقمية) قريباً. لولا مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن لهذا الأمر أن يحدث بالسهولة التي حدث بها.

هل يمكن اعتبار مواقع التواصل الاجتماعي بديلاً عن التواصل الواقعي، وتجاوز لازمات النشر الورقي؟

– ليس تماماً، التواصل الافتراضي ليس بديلاً كاملاً، هو جانب مكمّل للأدوات الواقعية. النشر يصبح متاحاً وسهلاً وأسرع في الوصول إلى القراء. بشكل ما أعتقد أن المسافة بين الافتراضي والواقعي في عالم النشر تكاد تختفي، أنت قد تحوّل الكتاب الورقي إلى بي دي اف، والعكس صحيح. ما يجعل المسافة قائمة، ويجب أن تبقى لبعض الوقت، يتعلق بالآليات التي نستعملها. الكتاب الورقي مصدر للثقة، بتعبير أدق هو وثيقة تستجيب لجميع الحواس، أما الكتاب أو الوثيقة الديجيتال فهي جزئية وترتبط دائماً بتاريخ الإطلاع والتصفّح. المتصفّحون في العالم يتفهّمون ذلك، والبروتوكول السائد مقنع لهم.

هل تساعد هذه المواقع على الانتشار والنشر؟

– بالتأكيد. هذه الوسائط الباردة متاحةٌ، وسهلة، وفعّالة، وهي تؤثّر في قابلياتنا وأذواقنا. أعتقد أننا يجب أن نقرأ هذا الموضوع على مدى أبعد من منظور الهوّية، أعني برؤية مستقبلية.

 

مقالات ذات علاقة

الكاتب الشاب أنيس البرعصي: أكتب لأني لا أملك نيزكا في ثلاجتي أو دبابة في الجراج.

المشرف العام

التشكيلية سعاد اللبة: كل ما في الكون قد يتجسد في عمل ابداعي

حواء القمودي

محمد الدنقلي لصحيفة فسانيا: نحن نريد أن نقول عصرنا

المشرف العام

اترك تعليق