ترنيمة لبلادي.
المقالة

ترنيمة لبلادي …

أوراق مبعثرة ضائعة برزت دون سابق نيه لإيجادها ، و بدون أن أعرف لماذا قاومت هذه الأوراق تصاريف الزمان وعبث الحياة ، وتشتت الذهن وتراكم الأزمات ، تفرض نفسها فجأة لتعيد ايقاظ الذكريات ، لكنها لا تكتفي بإيقاظ حدث معين ، بل تمد عروقها الى مساحات تتجاوز لحظة الذكرى إلى أبعاد أخرى موغلة في تركيبة المشاعر ، مبرزة لوهج كان سائداً …

ترنيمة لبلادي.
ترنيمة لبلادي.

برغم كل شئ ، فإن السعادة لا تغيب بحضورها الزاهي ، عندما أتذكر الحدث ، فالدكتور علي فهمي خشيم ، منارة أشعت لسنين طويلة وبقى وهج عطاءه شاهداً في المكتبات ، وعلى الصعيد الشخصي ، فرفقته في بلاد الله الواسعة والبعيدة ذات زمن ، أضاف بهجة عارمة ، لكونه تجرد معي من كل ما يثقل الكاهل في أن يكون نفسه ، وبدأت الطرائف تمطر لتضيف بهجة … وليتم اكتشافه من جديد على عكس ما كان سائداً عنه ….

أنهى الدكتور علي فهمي خشيم في شهر رمضان الذي توافق مع شهر أغسطس عام 1977 كتابة ملحمة مطولة للوطن سماها ” ترنيمة لبلادي ” وشاءت الأقدار أن يلتقي لإنتاجها إذاعياً ، نجوم ليبيا من الأساتذة والزملاء وحظيت بشرف مرافقتهم حينها ، وعندما أراجع الأسماء ، يملأني الاعتزاز في كوني عشت زمنهم و رافقتهم وعملت معهم ، فقد شكلوا مع آخرين وهجاً أعطى لليبيا بهاءً لزمن … 

الأوراق تشير الى توزيع الأداء ومن المفارقات التي أشارت لها الملاحظات المكتوبة ، أنني مع كل من الأستاذ عبدالحميد حسن ، والأستاذ لطفي بن موسى والعزيزتين سعاد الحداد و زهره مصباح ، من بدأنا معاً إفتتاح ملحمة الوطن هذه … وتتشابك ما تبقى في الذاكرة ، ليبرز عمالقة آخرون كالأستاذ شعبان القبلاوي ، والدكتور حسن قرفال والفنان علي الخمسي والأستاذ عمران المدنيني وعبدالله الريشي ومحمد بن يوسف والقائمة تطول … رحم الله من غادرنا ومتع الله بالصحة البقية …. العمل طويل جداً ، لكنني أختار لكم هذه الأبيات :

يا بلادي لئن نظمت قصيدي *** سائغ اللفظ ساحر الترديد
وتفننت في ابتداع الأغاني *** وتأنقت في بديع النشيد 
وتصيدت من صقيل القوافي *** درةً بعد درةٍ في العقود 
والتقطت من الكلام عجيباً *** وتخيرت كلَّ لفظٍ فريد 
ما بلغت من المديح مراماً *** لكِ يا فرحتي وعزِّي وعيدي 
فاغفري لي إذا تعثر لفظي *** واعذريني إذا تناهى قصيدي 
أنا في حضرة الجمال حييٌّ *** خافض الطرف مغرقٌ في الشرود 
أنا في حضرة الجلال عييٌّ *** مطرق الهام خاشع في سجودي
أنا في حضرة الكمال أصلي *** لست أدري غيبوبتي من شهودي 
كيف وصفي لكِ وكيف مديحي *** ما سبيلي إلى جميل القصيد 
من يرى الشمس ليس يبصر شيئاً ***غير دفقٍ من السنا في الوجود 

دوافع خفية عندنا دفعتنا للتحمس للعمل ، فقد كان الدفق للوطن مستمراً ، حباً وتمسكاً وتطلعاً للأفضل ، ولم تثنينا الانتكاسات أو الاخفاقات أو التشوهات ، العابرة منها والمتأصلة في انتزاع رغبتنا في رمي البذور للمستمعين والمشاهدين ، مذكرين إياهم بأن المتغيرات التاريخية لابد وأن تكون مستمرة ، أما الثوابت فيجب أن تبقى راسخة في العقل والوجدان ، لا تزعزعها تصاريف الزمان ، وللدكتور علي فهمي خشيم في هذا العمل الفضل الأول ، الذي سكب فيه بشكل مباشر ما كان مطموساً أو غير ظاهر … وما أحوج الوطن الآن لهكذا جرعات حتى لا يزداد ويطول فقدان البوصلة …. 
عزالدين عبدالكريم
6 / 11 / 2018

مقالات ذات علاقة

شراك التوليب

سعاد سالم

طرابلس.. محنة أو “لعنة” العاصمة

سالم أبوظهير

كــتابـةٌ

محمود البوسيفي

اترك تعليق