النقد

تحولات الرؤيا في شعر إدريس ابن الطيب

 

مدخل أساسي

ربما الحديث عن شعر ما يسمى بجيل السبعينيات ليس بالأمر الجديد ، ولكن الخوض في قراءة إنتاج هذه التجربة تستدعي منا وقفة جدية للنظر في مفاهيمها الفنية والجمالية ورؤيتها الإبداعية وبالتالي إسهامها في حركة التجديد الشعري في ليبيا .

فما مفهوم مصطلح جيل السبعينيات ؟ وما دوره في الحركة الشعرية الليبية ، وأثره في عملية التجديد والتجريب اللتان اجتاحتا المنطقة العربية آنذاك ؟ . وبالنظر إلى المحمول السياسي الذي اصطبغ به هذا المصطلح كتوصيف لهذه التجربة لما عكسته من مضامين سياسية واجتماعية تمثلتها الحركة الشعرية في ذلك الوقت ، ينبثق التساؤل التالي : هل هو جيل برز في مناخ رافض للواقع الاجتماعي والسياسي الذي أنتجته هزيمة يونيو 67 ، أم أنه مجرد تنوّع أو استكمال لمشروع القصيدة الستينية وامتداد لها !

عند رصد الظروف الموضوعية لشعراء ذلك الجيل ، هل نستطيع فعلا قراءة إضافات محورية وتحولات شعرية حقيقية ومغايرة لما سبقها من قصائد ؟ أو هي كما يبدو للبعض مجرد امتداد لرؤى وأيديولوجيات سابقة عليها . في هذه المقاربة سأحاول الخروج من أسر فكرة تبعية المشهد الشعري الليبي لغيره ـ المشرقي ـ وأبحث عن خصوصية التجربة الشعرية الليبية في أصالتها الإبداعية ، وذلك في محاولة لإضاءة جوانب جمالية ، وتقصّي التحولات الفنية البعيدة عن القيم الجمالية التقليدية ورصد البُنى المغايرة والمتشابكة في اللغة والإيقاع والصورة في بعدها الاستعاري والرمزي وغيرها ، فقد اتسم المشهد الشعري الليبي ببعض التجارب الفنية التي تفرّدت عبر رحلتها الشعرية برؤيا إبداعية لها خصوصيتها الرؤيوية والفنية من خلال تجربتها الشعرية الخاصة .

ولعل المتتبع لحركة الشعر الليبي يرى أصواتا شعرية ظهرت في أواسط السبعينيات شكلت إمكانية شعرية متميزة إذ كان للعديد منهم بدايات لافتة ، حيث أفرزت تلك الحركة الشعرية شعراء متفاعلين مع واقعهم ومستجيبين لشروط الحداثة في الوقت نفسه  ، فقد بدأ يتخلق أفق شعري جديد على الساحة الليبية ، ولكن ظروفا سياسية أبعدت ـ داخل السجون ـ بعض تلك الأصوات المهمة التي كانت ستساهم في تطور حركة الشعر الليبي ، الأمر الذي شل لفترة فاعلية هذه الأصوات وغيّبها عن المناشط الثقافية وعن الحركة النقدية ـ على ضعفها ـ التي تعدّ عاملا مساعدا في نموها وتطورها وفاعليتها المؤثرة بتجديد حقيقي في مسيرة الشعر الليبي .

من هذا المدخل يمكن الإطلال على تجربة شعرية سبعينية عاشت الإقصاء والتهميش لمدة عشر سنوات داخل زنازين السجن السياسي ، فلم تكفّ قصائد الشاعر إدريس ابن الطيب يوما عن محاورة الواقع ومساءلته ، وعن حوار الذات ومساءلتها ، قصائد تماهت فيها الذات الفردية بالذات الجماعية في حوار أرّقه وأشقاه حّد الوجع ، قصائد أعلنت فيها أحلامه عصيانها للواقع وتمردها عليه ، فقد عاصاه الحلم وتمرد على انكساراته فجاءت قصائده مليئة بشهوة القبض على الحلم والحب والفرح ، قصائد تكشف عن وجهها الطفولي الحالم بعالم تمتد فيه القامة الإنسانية فوق بطاح التهميش والاستلاب ، كان الشاعر دائما قلقا مؤرقا يحلق بأجنحة عنيدة صلبة في صراع أبدي بين حلم مشتهى وواقع مرير ، فعبر هذا الصراع كان وعيه يتنامى ويتعمق ، وكانت تجربته الشعرية تنضج وتغتني بحثا عن خصوصية فنية ورؤية إبداعية ، رغبة منه في التحديث والتجديد في محاولة لتجاوز نفسه باستمرار ، فهو في حركة شوق نحو الأبعد .

من خلال رحلة الشاعر الإبداعية التي بدأها بديوان ” تخطيطات على رأس الشاعر ”  الذي عبّر فيه عن هم ذاتي ووجداني ، نرى تحولا في رؤاه الشعرية في ديوانه الثاني ” العناق على مرمى الدم ” ، الذي ظهر واضحا وجليا في محاورة الحياة والإحساس بقضايا الإنسان والحرية ، فقد أرّقه الحلم بتغيير الوطن والعالم ، فجاءت قصائده حاملة للهمّ الخاص والعام ، إذ ارتبطت فيها قضايا الوطن ارتباطا وثيقا بقضايا الشعوب المناهضة للاستعمار والامبريالية ، فهو من جيل اغتنى بالفكر القومي والتقدمي الذي عصف في أرجاء الوطن العربي ، فغدت قصائده ذات بعد إنساني نبيل معبرة عن قضايا التحرر في كل مكان .

في هذه القراءة سأحاول أولا : الاقتصار على رصد التحولات الرؤيوية في ديواني “العناق على مرمى الدم ” و ” كوة للتنفس “

ثانيا : أريد أن أُشير إلى أن جذور الرؤيا في هذه المجموعات واحدة ولكن تجليات هذه الرؤيا تتغير وفقا لأسباب موضوعية شتى ، ففي ديوان ” عناق على مرمى الدم ” المحتوي على خمس عشرة قصيدة تطالعنا تسع قصائد منها نضالية تهتم بقضايا الشعوب وكفاحها .

فالرؤيا المسيطرة على هذا الديوان هي ” حُلمية الواقع ” حيث ينشغل الشاعر بنسج حُلمه الذي يسعى من خلاله لخلق عالم جميل وغد مشرق لا توتر فيه ولا قلق ، قصائده تشتهي الفرح والحب والزغاريد والعرس والأمل والشوق :

مفتتح العرس إيماضة في الفؤاد

وسرّ ابتداع الزغاريد في طقسه أن للزمن الحلم بهجته حين يأتي ، وهيبته حينما

يتخلق من حزننا بسمة بسمة

مفتتح العرس أن يومض القلب بالعشق والوطن المتجلي ببدء المسيرة

إن الزغاريد سوف تجلجل بالفرح الغضّ يا صاحبّي

فلا تكتما رعشة الشوق

واستفحلا جذوة في الهشيم ( ديوان عناق على مرمى الدم )

تبلورت رؤية الشاعر في صورة شعرية بسيطة منسابة ذات علائق شكلية خارجية ، اهتمت بالعنصر الوصفي الخارجي ، فهو ينقل العواطف والأشياء ويصورها بصيغة جمالية تقليدية ، تعّبر عن القيم والمشاعر والحالة النفسية ، عن طريق التشبيهات والاستعارات ، تم التركيز فيها على خصوصية اللحظة وخصوصية الرؤية فهي ترصد الواقع الراهن وتعبر عنه .

لك رائحة الحلم والبحر والفتيات الصغيرات ، رائحة كالقرنفل

كالأغنيات الشجّيه

أو كارتجاف المحبين

ساءلت نفسي :

لماذا تأخر هذا اللقاء العظيم ، ومافتئت قدماي تفتش في مدن

الأرض عنك ، وعن موطن للوصال ،

تلمسّت قلبك في غفلة عن عيون الحرس ،

يا لدمدمة ، النبض بالعافية… !

باهرة الحُسن يا من تسيرين محفوفة بالولادات ،

أناديك : إني أحبك من غور هذا النّتوء الكريه وأصرخ:

باسلة أنت أيتها المتورد في وجنتيها دمي … العناق ص21

الشاعر محارب سلاحه الكلمة التي يشهرها في وجه بشاعة هذا العالم ، جبهات القتال عند الشاعر كثيرة ومتنوعة ، أولى هذه المعارك التي يحسها القارئ بوضوح معركته مع الشعر ، فلغته لغة عراك دائم فلا لغة تتسع لغضبه واحتفائه  .

مرهِقة هي حُمّى القصائد في الزمن الصعب

والشعر يفلت مني كمنزلق الماء بين الأصابع ( العناق ص 21 )

وقوله : كلّ البدايات قد أصبحت لا تليق

فمن ينقذ الشعر من قدر يترصدُهُ بالضآلة حين يُعرّيه قصف المنازل

من سترة الاستعارات ؟

هاأنذا سوف أطلق من هاهنا صرختين وأنشودة ، ثم أُعلن أن جيوش

الغزاة تحاصر قلبي .( العناق ص33)

هذه القصائد تؤسس لرؤية وحيدة مهيمنة على النص ومتجليّة فيه تمثلت في انفلات الكلمة وعصيان القصيدة وعنفها وتوترها ، القادرة على رؤية الأشياء وتعرية العالم المحيط بها ، والتعبير عن واقع الحياة برؤية يتمسك فيها الشاعر بالطابع الغنائي .

ويخوض الشاعر معاركه مع الكلمة ومع الحلم والواقع   :

حاورت حّد السيف في زمن الوباء

أسرّ لي : أزهر نشيدا دافقا

فالأرض تزهو باللهيب وبانتفاضات الجياع  ( العناق ص 27 )

أصغيت

ساءلت حدّ الشوق

من ذا يحمل الشعر الحزين إلى الروابي المستميتة زغردت في صمتها الطلقات

من ذا يخبر الناجين أني هاهنا سأموت أحلم ُ مثلهم بالخبز

والضحكات (العناق ص 29 )

قصيدة مثقلة  بالأسئلة والهموم ؛ فالسؤال هو الهجوم وهو السبيل إلى زعزعة الراكد ، بنية الأبيات استنكارية اشتركت في موقف الرفض الذي عاشه الشاعر ، فقد تولدت الرؤيا في هذه الأبيات من منعطف إيديولوجي رصد لقاءا بين الذاتي والموضوعي في علاقة إبداعية تماهت فيها تجربة الشاعر السجنية وتجربة مناضلي جبهة ( فارابوندومارتي ) السلفادوريه ، في محاولة للقبض على الحلم وتقاسم الموت الذي عبّر عن الصورة الحلمية الإنسانية .

ديوان عناق على مرمى الدم عبّر عن مرحلة الحلم الإبداعي ، فالرؤيا في هذا الديوان تنبع من إيديولوجية انطلقت لتصوير العالم ـ الواقع الراهن ـ وحركات النضال والكفاح والصمود في  وجه كل أشكال التسلط والظلم والقهر والتنازل والإذعان .

الشعر .. الرؤيا .. الحلم .. يعبر عن احتجاج عن واقع مرير ، فقد أثقل الشاعر قصائده بالأحداث التي كان ينقلها ويصفها تارة ومتأثر بها ومتفاعل معها تارة أخرى ، فهو يرى نفسه جزء من حركة هذا النضال :

هذي دعوة مني إلى ملك الخيال الصلب دعه يجئ ـ صحبة وردة وحمامتين

لكي يعيش معي على زنزانتي الصغرى .( العناق ص 92 )

إني هنا استقبل الناجين طوعا من لُجىِّ الانحناء إلى ضفاف القبلة الأولى ( العناق ص 93 )

الشاعر يتابع خط رؤاه برسم لغته الشعرية من خلال التمازج مع الأخر ، ويستعين بالحدث ليحقق دينامية الحركة في القصيدة فتصبح القصيدة التقاطا للحظة أوموقفا أومواقف متتالية تجمعها (حُلمية الواقع ) ، وذلك بالاتكاء على قدرته لتأسيس لغة شعرية تنساب منها الصورة الشعرية بتداعياتها المختلفة ؛ استعارية تشبيهية ، فهي ليست لغة تداولية ، بل لغة محمّلة بالمجاز ، والعالم الذي تؤسسه عالم استعاري هيمنت فيه الذات الغنائية على جل قصائده ، قصائد رسمت تضاريس المكان وتجليات العالم المثالى : الحلم ، الطفولة ، الفرح ، العرس ، الأمل،  الكفاح ، الصمود ، القوة والصلابة ، الحرية ، كل هذه الدلالات حاضرة بقوة في النصوص ، عبّرت عنها ذات ترفض الانكسار ، التي تولدت منها عشرات الدوال الأخرى المعبرة عن رؤيا الشاعر بين والواقع والحلم المشتهي .

ديوان العناق على مرمى الدم يعبر عن مرحلة زمنية عاشها الشاعر داخل الزنازين بتداعياتها المختلفة ، عبّرت هذه القصائد عن زمنها ولحظتها التاريخية وارتبطت بقضايا وهموم ذاتية وقومية وعالمية ، فجاءت جل  قصائد هذا الديوان في بنية سردية ذات إيقاع نضالي ، عكست روحا قتالية عالية ونبرة صوتية حادة في رؤيا إبداعية تماهت فيها عمومية التجربة وخصوصية اللحظة ، كل ذلك جسد الصورة الحلمية الإنسانية .

 واقعية الحُلم

يمثل ديوان ( كوة للتنفس ) مرحلة جديدة من رحلة الشاعر الإبداعية على صعيد التجربة وعلى صعيد الرؤيا الإبداعية والفنية ، فدلالة عنوان الديوان ( كوة للتنفس ) تمثل بداية رحلته خارج السجن السياسي وخصوصا تجربته في روما التي كتبت معظم قصائد الديوان فيها ، عند قراءة النصوص ـ بعد استثناء قصيدتي التحليق صوب الشاطئ 1979م ، وخاصرة للصباح الجميل 1988 م ، اللتان كتبتا في زمن سابق لقصائد الديوان ـ تتراءى لنا رؤى مغايرة إذ يختفي تدريجيا الحس الأيديولوجي المباشر في بناء النص الشعري ، لتتأصل رؤية جديدة مأخوذة بهاجس التجاوز والإبداع والتغيير ، تسعى للغة شعرية هدفها تأسيس حقائق جديدة وكشف وجداني له خاصية الحياة وقابلية النمو والتطور في علاقة جدلية يتم فيها احتضان الداخلي للخارجي واحتضان الخارجي للداخلي .

ففي هذا الديوان يحمل الشاعر همّه راحلا به إلى روما ، حيث يلتقط تفاصيل الحياة اليومية ويؤطرها في إطار شعري ، يغوص في حياة  سكان روما ويستعرض بعض ملامح يومياتهم ويلتقط أكثر المواقف دلالة وإثارة للجدل لتكون مادة نصه ، فهو يرسم رؤاه الفنية المتموضعة في عالم الأشياء والتفاصيل العابرة القادرة على رؤية الأشياء والعالم المحيط بها من زاويته هو ، مثل مشهد الطفل بائع الورد ، وشرطي المرور والمرأة التي تسترق النظر من النافذة .

فمن أسوأ ما يمكن رؤيته في روما طفلا يعمل ،

يتثاءب في الواحدة صباحا

ويطوف الميدان الواسع ويبيع

يحلم بسرير ويد تتخلل شعره

لكن يرتعد إذا ما فكر في العودة للبيت بدون نقود

يخشى أمه !

لذلك

فعندما لا يشتري منه أحد

يبدأ في التسول .(كوة للتنفس ص 35 )

يصيغ الشاعر قصيدته من داخل عناصر الواقع الأكثر بساطة والأكثر بشاعة ، المتمثلة في عمالة الأطفال ، ويستعين بالحدث ؛ يتثاءب ، يطوف ، يحلم ، يرتعد ، يبدأ بالتسول  ، ليكثف موقفا إنسانيا بلغة تم التركيز فيها على اللحظة الراهنة وتداعيات دلالتها .

وإلى جانب الاهتمام باليومي والتفاصيل العابرة ، نجد أن الشاعر يتكئ على المنحى التأملي التجريدي والذهني معبرا عن رؤاه بصورة مستثارة من المخيلة ليصبح التفكير أكثر تجريدا وإغراقا في التخييل الذي نجده في قوله  :

يحدث أن يقترف المرء نهارا لا يشبهه

يحدث أن يرتاح نهارا تحت رياح لا تؤويه ولا تعطيه

الفرصة كي يتنهد أو يبكي

يحدث أن يختار الرجل سماء لا تمطر

أن يتوهم غايته في قلب الصحراء الكبرى

أن يصنع من تمر الأوهام إلها

لا يصلح للأكل

لكن

أن يشتري المرء النعش بثمن الخبز ودمع القلب

وطعم جراح لا تندمل نهارا إلا كي تتفتح ليلا

شيء لا يحدث

إلا لي  ( كوة للتنفس ص 20 )

الصورة المنسابة في هذا النص تصنع توازياتها ومفارقتها من المنطق الذهني الذي يحمل في طياته موقفا غرائبيا ، فقد يفعل المرء أشياء غريبة كأن يقترف نهارا لا يشبهه أو أن يرتاح تحت رياح لا تؤويه ، ولكن الأغرب من هذا كله هو أن يشتري الموت بالحياة وينكأ جراحا لا تندمل .

ينزع الشاعر إلى إثارة تساؤلات وجودية فهو يقف عند نقطة التقاطع بين الموت والحياة ، والقيم والأشياء ، الوهم والحقيقة ، الواقع والحلم ، الفقد والتوجع ، الغربة والوطن .

يموت المرء حين يموت

لا يخلف من نزيف الروح شيئا

يتكئ بين الرياح

ويستقيم له التوحد لا يرى إلا مفارقة الخرافة

ليس من أحد يضمّد ما يعاني

ليس من نغم يؤانسه

وحيدا

غير أن المرء ليس يموت قبل نهاية الأشياء ( كوة للتنفس ص 24 )

العالم الشعري لمجموعة كوة للتنفس يضعنا أمام عالم الأشياء اليومية تتماهى فيها التجربة الذاتية مع العالم المحيط بها ، فهذه القصائد تنتج فلسفتها الخاصة من علاقة جدلية بين الوجود التجريبي المدرك والمحسوس والوجود الذهني التأملي التجريدي ، إذ تنطلق نصوص الشاعر من تداعيات نفسية وتخلق عالمها الشعري بعلاقات مفارقة تؤكد حالة العراك بين عالم الشاعر الواقعي وعالمه الذاتي ، بسيطرة حالة العراك والألم والوجع الذي امتدت بظلها على النص بأكمله وحدّدت حركته ومداه في ذلك الإطار ، مما خلق حالة من التوتر والقلق ألقت بظلالها على المتلقي :

لأن البكاء مذل

أخاف البكاء أمامك

لأني تعودت أن أتسامى على وجعي ،

وأهاب ( العدو ) ولا استهين به

صار كل شيء عدوا

لأني أخوض المعارك وحدي

منذ أول معركة مع صبية شارعنا لست

أملك وقتا لأي استراحة

لأني ولدت ـ أكاد ولدت ـ بعجز أحاول

أن اتقيه

فطعم المرارة أكثر ما عرفته شجوني ،

لأن الحياة تقاتلني

ولأني ( أقاتل ) لست ( أعيش )

لأني هرمت

ولم أك طفلا فتى قط

لأني رأيت الذي رأيت

أحاول أن  (كوة للتنفس ص 31 )

ظل الشاعر يحمل زمنه في بعده المكاني ، فقد ظل يحمل وجعه وجرحه ليبيا التي تمثلتها دلالاته الشعرية ، حيث اتسمت بخصوصية فنية حملت بصمات الشاعر وطابعه الخاص ، فقد أصبحت قصيدته علاقة امتداد بين الزمان والمكان مليئة بالأوجاع والهموم ، قصيدة تحاول التعبير ببساطة عن الأفق المغلق وصولا إلى  أفق ممكن ، والحفر بحثا عن مناطق الحلم المفقود :

يبلغ المرء في آخر الليل غربته

حيث ينكره الكل ،

ولا يستقيم له الودّ

لا وطن يجتبيه لأوجاعه غير هذا الدم المتوثب للانسفاح

ولا زهرة أفلتت من رياح السموم ليزرعها في ابتسامات

أطفاله ذات يوم

لا نجوما ولا قمرا

لا ارتياحا ولا غضبا ،

لا بكاء ولا طربا

غير جميع من التائهين يمارس كينونة العمر كل صباح

على حدة

ليعوّد أحلامه البحث عن كوة للتنفس ،

أنت فتاتي التي أتجول مصطحبا جرحها في شوارع روما .( كوة للتنفس ص 55 )

كان لروما نصيب من نصوص الشاعر فهو يقدمها في هذا الديوان من مشهد بصري ينطلق من المكان والزمان مصورا الفن والجمال، من خلال علاقة الحب والكره  ، الاحتلال والمقاومة ، التي تجمعها جدلية أطراف المفارقة ، رؤية مسكونة بإظهار وجوه روما المتعددة ، فهي رمز  للفن والجمال وروعة التماثيل التي استنطقها وأحياها في نصوصه ، وهي تلك المرأة الجميلة المتباهية والفنانة المشاغبة التي عكست الحضارة الرومانية العريقة بجمال فنها ودقة نقوشها  وتماثيلها ، وهي تلك المعتدية التي عكست من جانب آخر تذكيره بمرحلة مأسوية أظهرت وجه روما البشع ، فالشاعر يراها من زاوية الرجل الليبي الذي تعرض شعبه للاحتلال الإيطالي ، لذا فهو يرى نصب جندي ( البرسالييري ) في المدخل الرئيسي لمدينة روما الذي يمثل للإيطاليين رمز المعارك المجيدة ، يراه من جانبه رمزا للاحتلال لأنه يعيد إلى أذهان الليبيين مذبحة 1911م التي ارتكبها في شارع الشط بطرابلس ، نفس الفيلق الاقتحامي الذي ينتمي إليه الجندي .

أمرّ على المدخل التاريخي لروما

فأبصر نصب الجنود المغاوير

وأقرأ أمجادهم ما وراء البحار

أفككه قطعة قطعة

وأثبّت في موقع النصب بعض الضحايا الذين استماتوا

على شارع الشط في وجه وحشية القادمين وأبكي على الميتين جميعا

غذاء لأحلام كل الأباطرة القتلة ( كوة للتنفس ص 51 )

الحقل الدلالي الذي تنتمي إليه أشعار ديوان كوة للتنفس يغلب عليه الطابع النضالي بأشكاله المختلفة ، إذ يرتكز الثقل الدلالي في أبنية النصوص على أرضية واقعية الحلم بمستوياته االمتعددة الذي يمثل جذور الرؤيا فيه ، فامتزجت القصائد بحركة عناصرها التي تماهى فيها العنصر الإنساني بالهم الذاتي ليحقق دلالة شعرية تجسدت فيها بساطة اللحظة الإنسانية والغوص بعيدا في أعماق الواقعية الحُلمية عن طريق تكثيف اللحظة الشعرية وتشعير العابر والتفاصيل اليومية ، فقد اتسمت قصائد إدريس ابن الطيب بعفويتها وعنفوانها ، بساطة لحظتها وعمق فكرتها وتساميها على جرحها ، فهي تكاد تختزل بشكل مكثف تحولات رؤاه ، ولكنها في الوقت نفسه تحتفظ في جوهرها بالشرط الإنساني في أشواقه وآماله وآلامه وتحرّقاته ووعيه المضني للعالم من حوله .

اكتسبت أبنيته الشعرية جماليتها وحداثتها من الانحراف والانزياح وإيقاع الصور، وتدفق التيار الرمزي والتاريخي والإنساني الذي جرى في شرايين الوجداني المباطن للتجربة الشعرية ، مما جعل شعره يستمد جمالياته وقيمه من مستويات أكثر عمقا في صلب الثقافة الإنسانية .

ــــــــــــــــ

وامش : ديوان العناق على مرمى الدّم ، إدريس الطيب ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا ، ط 1 ، 1991م

ديوان كوة للتنفس ، إدريس ابن الطيب ، ستوديو إيفي ، روما إيطاليا ، ط 1 ،

مقالات ذات علاقة

الفنان الراحل خالد بن سلمه: في وصف صور للذكرى

عدنان بشير معيتيق

جماليات السرد في القصة القصيرة.. قصة الذاكرة لإسماعيل القائدي أنموذجا

عبدالحكيم المالكي

نبوءة الشاعر

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق