قصة

تحليقة فـوق عـش طـائر السـؤال

حكايات من البر الانكليزي

الورد أنواع، وكذلك الحزن، والاوطان، والمنافي.

الياسمين، اقرب ارواح الورد الى روحي من الاحزان، لا صديق لي، وعادة، احزن لحالي، وافكر فيما قد يأتي من فرح.

والاوطان؟؟

تبقى المنافي معلقة على شفرة السؤال. الحب، أيضاً، أنواع. منه ما قتل، ومنه ما أحيا العظام وهي رميم وعرش كدالية عناقيد واحلام، ومنه بين بين… ومنه أيضاً حبا.

المدن أنواع، ثمة المخاتلة، وثمة التي تستلب القلب، وثمة التي تستبد بالروح.

هناك مدن لا مرئية، واخرى شديدة الوضوح، ثمة مدن تسندك، واخرى تستند عليك وثمة مدن، كطرابلس، تهواها فترميك، في المنافي، شريدا، طرابلس مدينة كنت احملها معي حين اغوتني القصيدة ذات وقت ما، وهي تختلف كثيرا عن مدينة كلندن.

لندن، مدينة صادف وان كنت يومهاعلى علاقة معها تتسم بكثير من التعقيد المشفر والغموض الواضح، والاسئلة التي تتوالد  كأرانب ابن الجيران. طرابلس طفولة اصلها ثابت، وفرعها في السماء، وأيضاً بداية علاقتي بالسؤال والارق. شوارعها وازقتها القديمة، والمجازر التي شهدتها قلعتها تسكن ذاكرتي تفاصيلها الكثيرة جدا، وما زالت، رغم طوال الوقت، تتسرب الى حدائق حلمي وسراديب كوابيسي. مزالت طرابلس تسكنني بحرقة وتزيدني لقمة لقمة، على مهل، رغم بعد المسافات “”

لندن حالة من حالات الوقت، يعني (كيف يجيك الوقت تعالى له) بقصد ان تسترد ما فقدت من ياسمين روحك، حتى وان كانت هذه الروح مثل روحي: رجل في دوامة الحيرة واخرى في مقصلة السؤال، واينما توجهت فيها تقابلت يقينيات مياه مدينة يقسمها التيمز شطرين غير متساوين ويوحدها الضباب: فهل تحزن؟

في لندن تعلم انك تعيش في تفاصيل مدينة مخاتلة جدا، مدينة، قد تغويك في لحظة، فتتخذها وطنا، وتبدا في اخر الليل تكتب لها القصائد، وفي الصباح ترسم لها عقود الفل والياسمين، ومن الممكن جدا ان تدخل معها في خصومة دون خوف من الممكن أيضاً، ان تتجاهلها وانت تعلم علم اليقين انك تذوب في ايقاعها كحبة مطر وتفتقدها حينما تخطفك على حين غرة منك، مدينة اخرى:

فكيف، اذن، لم انس طرابلس؟

ولماذا تظل، دوما اقرب الي، في لندن من حبل الوريد؟

على عكس لندن، طرابلس مدينة ملفيفة على ذاتها، وعلى علاقة غير ودية مع فصاحة شمسها. لكنها تنفتح على البحر، تطل من الشبابيك والنوافذ على زرقة الموسيقى في المتوسط العريان، بفرح طفولي، وشوق لا حد له، ثم تتسلل فرحة، راكضة في الشوارع والحاراثحتى تصل البحر، وتمرح رجلاها الصغيرتان في مياهه.

ومثل لندن، طرابلس مدينة تهوى الختل وتحترف المراوغة. بمعنى انها تجعلك تتذكرها دوما حتى وانت في اقصى سرعات التحامك بايقاع مدينة يفلقها التيمز شقين وتوحدها الشركات المتعددة الجنسيات طرابلس فريسة صعبة، وقناص ماهر.

حين تتسلل الى القصيدة تمنحها دفئا وغواة، رقة وعذوبة وحسرة. وحين تغوي الموال تحيله فضاء من شهوات تتعرى في حمأة القيظ من اغلالها وتسبحفي الافق البحري كأبتهال حارق. فكيف لا تؤرقني في ضباب الليالي، ضحكها؟

ولماذا لا نسائلها إن مرة بادلتنا الحب، وهل لو هززنا إلينا بجذعها تساقط علينا تمرها رطبا جنيا؟

مقالات ذات علاقة

نظـــارةُ أبـي

خالد السحاتي

لحظة عابرة

أحمد يوسف عقيلة

من حكايا الزمن الرصاصي

زكري العزابي

اترك تعليق