النقد

” تأملات في جهة الضوء”

قراءة في مقالات سالم الهنداوي: حائــط اليوم السابـــــــع

 

قراءة وعرض: د. محمد فلحي-العراق

 

 

تنصهر اللغة بين يدي الكاتب لتشكيل التجربة وصياغة الأفكار، عبر قوالب إبداعية متنوعة، وعلى الرغم من أن القاص والروائي الليبي سالم الهنداوي قد اختار التعبير عن تجربته الحياتية العميقة والواسعة، من خلال القصة والرواية، في أعمال إبداعية مرموقة، تزيد على العشرة، ابتداءً من مجموعة القصص القصيرة (الجدران) ومروراً بروايتي (الطاحونة) و(خرائط الفحم) وليس انتهاءً بحكايات (عودة الولد الصغير).. أقول على الرغم من هذه الإنجازات الإبداعية، فإن غليان الروح، وطوفان الأحداث، وصور الحياة وضغوطاتها وتحدياتها، قد فرضت على الكاتب اللجوء إلى لغة المقالة الصحفية، التي لا تبتعد كثيراً عن لغة الأدب، وريما يكون المزج ما بين هاتين الوسيلتين في التعبير يمثل سر التألق في مجموعة مقالات (حائط اليوم السابع) التي صدرت أخيراً في كتاب عن شركة المتوسط الدولية للنشر- قبرص، وهي التجربة الثانية التي يخوضها الهنداوي في مجال المقالة (الثقافسيائية)- كما يسميها- وذلك بعد كتاب مقالات (رصيف آخر) الذي صدر عام 1994، وقد أثار في حينه أصداءً عديدة في الأوساط الثقافية الليبية والعربية.

يبعث سالم الهنداوي، عبر مقالاته، روحاً جديدة في لغة الصحافة، التي تعاني من جفاف التعبير السياسي وضحالة الأفكار المكررة، حيث يَعبُر بقلمه القصصي والروائي إلى الضفة الأخرى من التعبير الصحفي، من خلال حاجزي الزمان والمكان، فمن الناحية الزمانية يتجول الكاتب بحرية بين أخاديد العمر، ويغترف من الذاكرة الحية صدر الطفولة والشباب، ثم مرحلة النضج والعطاء، التي بلغت ذروتها في تجربة الصحافة العربية المهاجرة إلى قبرص ولندن وباريس وغيرها من مدن العالم، بحثاً عن آفاق واسعة من حرية التعبير، وهرباً من قيود الواقع العربي، ومقصات الرقيب التي تلاحق أجنحة الطيور المحلقة في فضاء الإبداع.

ومن الناحية المكانية والجغرافية فإن رحلة الكاتب تمتد من بنغازي إلى قبرص وبيروت ودمشق والقاهرة وبغداد وروما وبودابست، ومن ثم العودة إلى البيضاء، درّة الجبل الأخضر، حيث يلمس بقلمه الرهيف ملامح أشخاص وأماكن وذكريات ومواقف وخيبات وانكسارات كبيرة وأفراح صغيرة، ومن خلال هذا الخليط (الزمكاني) يرسم الهنداوي لوحة شديدة الوضوح، وبالغة القسوة لواقع عربي مريض، يحتاج إلى مبضع جراح ماهر أكثر من حاجته إلى قلم كاتب حسّاس.

ويمكن أن نميز في مقالات الهنداوي بين نوعين:

الأول: مقالات ذات صبغة سياسية مباشرة، تطرح قضايا وهموم الأمة العربية، وتناقش بأسلوب فكري موضوعات الشارع العربي، وتتناغم مع مشاعر ملايين الجماهير العربية الغاضبة والمحبطة والمخذولة.

الثاني: مقالات ذات طابع ذاتي ووجداني وإبداعي، تكشف عن التفاعلات العميقة في شخصية الكاتب، وانعكاساتها على نتاجه الثقافي والأدبي، مثل هموم الكتابة والنشر والعلاقة بين المثقف والمثقف، والعلاقة بين المثقف والسياسي، والعلاقة بين المثقف والجمهور، والعلاقة بين المثقف ونفسه!.. وفي هذا النوع يبدو الكاتب أكثر شفافية وصدقاً في كشف أسرار الإبداع، والتعامل مع الكلمة، وهو ينحت مفردات لغة ناقدة ولاذعة وساخرة، وغريبة أحياناً.

ومن بين كثير من المعادلات التي تحكم سيطرتها على الواقع السياسي والثقافي العربي، يقارن الهنداوي بين المطبعة ومصنع الأسلحة، حيث البون الشاسع من المفارقات العجيبة، منها أن المطبعة تنتج كتباً وصحفاً للقراءة فقط، وربما للتعايش معها، في أحاديث الجمعة وحلقة نقاش المثقفين في المقهى أو المنتدى، والذي يضمُّ أيضاً إلى مجلسه من لم يقرأ، ومازال يعتبر أن المعرفة تشكل خطراً فادحاً يهدد أمن واستقرار الشارع العربي، وفي النتيجة يدفع (المثقف) ثمن قراءته الواعية، ويدفع (المتلقي) ثمن سماعه غير الواعي!

أما مصنع الأسلحة، والذي تدعمه الدولة الرأسمالية بكل سياساتها، فإنه يقع في الأمان بعيدأ عن مهاترات تلك الأصوات التي تطلقها المطبعة، ليل نهار.. إنه يقع في الصوت الخفي وراء لعنة أكبر، هي الاتجار السريع بالأدمغة، التي قد تخرج أيضاً من معاطف تلك المطبعة، فتلك الرصاصة التي تصيب رأس المثقف، هي رصاصة ثمينة، من خلالها تتخلص الدولة من كل ذلك الإنتاج الرصين، وعلى مدى حقب من المبادلات الثقافية بين الكاتب والمطبوعة والمتلقي.. والسلطة.

ويضيف الهنداوي: “ربما كانت هناك رموز ثقافية عربية، نستعيد أسماءها أحياناً، لأنها باقية كالنخل في واحاتها، تقاوم المرض والعدوى، ولكن أمام كل هذه الإحباطات والانكسارات التي نعيشها مع بدايات هذا القرن، فإن تاريخنا قتلنا، وإن أشعارنا قتلتنا، روايتنا شردتنا، والمطابع التي نشرت كتاباتنا خذلتنا، فخلف كل ذلك كانت مصانع الرصاص الخفية تترصدنا وتقتلنا وتعزلنا عن التاريخ، وتعزل التاريخ عنا، وتوقظ فينا وهم الثقافة الذي عشناه عمراً مديداً، وخسرناه في الزمن الوجيز.. وسقطنا مثقفين كباراً، ومثقفين صغاراً، بكتبنا الحقيقية، وكتبنا المزورة في الحقيقة المرّة.. الحقيقة المتأخرة.. أن لا صوت يعلو على صوت الرصاصة القاتلة”!

وعندما يتحدث الكاتب عن لعبة الكتابة الروائية، التي يجيدها ويعرف رموزها وطلاسمها وأسرارها، فإنه يفصح عن ذاكرة المكان في الرواية العربية، حيث يؤكد:”.. إن طبيعة العمل الروائي، هو الزج بالعلاقات الاجتماعية في مواجهة فنية محكمة ترتقي إلى ذائقة جمالية بالمكان، وبمساحة ذاكرة شعبية تستدعي تلك الملامح الحية، وهناك تجارب روائية لا علاقة لها بزمان ولا بمكان ولا بإنسان. تجارب هي عبارة عن لعبة تتشكل في فضاء هلامي، متحول العناصر يختفي في اللغة، في بناء معزول عن ذاكرة المكان وأهميته في صميم العلاقات الاجتماعية والتاريخية، ولكن الرواية (الحكاية) لابد أن تكون بتفاصيلها الممكنة، كنسيج يتطور باستمرار من داخله ويرتقي إلى قيمة في الوجود”.

ويقترب الهنداوي من إبداعات القصة الحديثة، من زاوية (تعبير النص- عفوية الكتابة)، فيرى: ” في عملية الإنتاج القصصي العربي الحديث المرتهن لجماليات اللغة، في تراجع النثرية الشعرية، وقفزها على الحالة القصصية في الشعر، الأمر ألازدواجي الذي أمكن من خلاله تذويب اللغة في عباراتها المشتركة، وإنتاجها لكتابة بصرية تأخذ المشهد إلى اللغة، وتأخذ اللغة إلى المشهد، هذا الاعتماد الضروري للتخلص من سلطة النص بتعريفاته المسبقة القديمة، فتح المجال أمام حرية الذات المبدعة التي تركت السؤال عن ماهية وجودها في عملية تناسخ الأجناس الأدبية، ودأبت إلى موضوعة السؤال المختبري، لتهمله في النتيجة، ولتثبت أن اللغة هي الوعاء- الشكل، الذي يحيل العبارة إلى مسكنها الضروري، في الجدلية القائمة بين جنسين متشابهين، بصرية القصيدة وشعرية القصة”.. ويخلص إلى القول:” إن النص المدهش، هو الذي يثير فيَّ حواسي، ويستفزني، ويكشف لي عن سر الحلم الذي لا أستطيع أن أبوح به في النهار.. إن النص الذي يخطف أنثاي من عقلها هو نصي في الحياة، ومقعدي المفضل في حديقة الحرية الجميلة، وقد دعاني هذا النص ذات مرة إلى شرفة أطلت منها على الكزن في الصباح، واختزلته في فنجان قهوة، بين الساعة العاشرة، والعاشرة والنصف تقريباً”!

يأخذنا سالم الهنداوي في مقالاته التي تربو على الثلاثين مقالة، في هذه الرحلة الاستكشافية في عمق الوجدان العربي، وهي مقالات (متشعبة) الموضوعات، (مترابطة) المعنى، يمكن أن نتعرف على بعض مضامينها من خلال استعراض مثل هذه العناوين (هزيمة الثقافة- ثقافة الهزيمة) و(دار الغرائب في وطن العجائب) و(اللعنة التي أصابت رأس المثقف) و(موت الديمقراطية على فراش عمر بن الخطاب) و(مَن سرق الإسلام) و(أميركا والرجل السوريالي) و(إجهاشة الذاكرة في رواية المدينة) و(حكايات نجمات المساء) و(طائر قاسيون في لحظته الحالمة).. وغيرها.. وغيرها!

خلاصة القول أن في هذه المقالات التي نشرها الكاتب في أسبوعيات وشهريات الصحافة العربية، منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي، ثمة التقاء نوعي بكاتب يجمع بين لغة الأدب ولغة الصحافة، ليصل بنا إلى اكتمال فيه من اللغة ما يجعله نصاً إبداعياً قائماً في الكتابة.

ولعلنا في هذه التجربة الصحفية العربية الغنية بمفرداتها الأدبية، نقف عند أسئلة الكتابة في المقدرة على الجمع بين أشكال السردية العربية، في القصة والرواية والسيرة والمقالة ومدى تأثير ذلك على لغة الصحافة، تلك اللغة التي تبدو في بعض المقالات قلقة ومرتبكة أحياناً، وناصعة الوضوح في أحيان أخرى، لأنها انعكاس حقيقي لقلق الكاتب وهمومه الإبداعية.

سالم الهنداوي في مجموعة مقالات (حائط اليوم السابع) يعكس مغامرة الكتابة الثقافية في السياسة، ليضيف إلى قاموس الثقافة العربية مفردات من لغة المحكي في الأدب، ويصل، ونصل معه إلى تلك التأملات في جهة الضوء، وهي تأملات لابد أن تستهلك طاقة الكاتب المبدع، وتمتص تجربته وعمره الذي يسير حثيثاً نحو الخمسين، مثلما يذوب  دخان سيجارته، في شرايينه، في لحظات الانتشاء والابتهاج القليلة.

وما يخشى من وراء هذا الجهد الصحفي المبدع أن يكون على حساب مشروع قصصي وروائي ما يزال مؤجلاً، أو معطلاً، بسبب الانشغال باليومي السريع، ونسيان ضرورات الإبداع الأدبي، الأكثر ديمومة واستمراراً وعمقاً.. فهل يستطيع الهنداوي أن يفاجئنا في الأعوام المقبلة، بإنجاز روائي يعيد التوازن إلى المعادلة الصعبة بين الصحافة والأدب؟!

 _________________________

 العنوان: حائط اليوم السابع (تأملات في جهة الضوء).

  • المؤلف: سالم الهنداوي/ ليبيا.
  • إصدار شركة المتوسط الدولية للنشر (قبرص) عام 2005.
  • عدد الصفحات: 235 صفحة.

مقالات ذات علاقة

القصة الليبية أي بداية ؟!

سالم العبار

دراسة لبعض جماليات القصة القصيرة.. قصة الكاغط محمد النعاس أنموذجا [1]

عبدالحكيم المالكي

“السقوط” لا أحد يجبر الألمان على أن يقولوا الحقيقة

خالد درويش

اترك تعليق