دراسات

تأملات في أدب السيرة الذاتية قراءة في يوميات (افكيوات) للكاتب جمال الزائدي (نموذجاً)

رقية محمد سعيد(*)

الكاتب الصحفي جمال الزائدي

تحتلّ الأشكال السرديّة مساحة شاسعة في جلّ الآداب على مرّ العصور. حيث كانت سبيل الإنسان للتعبير عن مختلف جوانب حياته. وتنقسم الأشكال الأدبيّة التي تعتمد على السرد إلى منظومتين كبيرتين هما الأدب التخييلي ويضمّ الأجناس التي تقوم على الخيال الفنّي من قبيل الملحمة والقصة والرواية والمسرح…إلخ. والأدب المرجعي الذي يضمّ السيرة الذاتيّة كجنس مركزي والأجناس القريبة منها مثل اليومّيات والمذكّرات والشهادات…إلخ.  وقد سعى عدد كبير من النقاد والمنظرين إلى محاولة ضبط مفهوم للسيرة الذاتيّة. حيث نجد عند صاحب كتاب المعجم المفصل في الأدب قوله: “هي سرد قصصي يتناول فيه الكاتب ترجمة حاله، وما يعترض حاله من معضلات  وشدائد، ومحاولاً تتابع الأحداث زمنياً وأهميةً،  وهو في السيرة الذاتية لا يذكر إلا ما يشاء ذكره عن حياته (….) وبإمكان الكاتب يتبع طريقة المذكرات اليومية، والتفصيل في الحكايات والأخبار بالقدر الذي يشاء”([1]). أما الناقد الفرنسي فيليب لوجون فله رأي آخر يقول : هي “حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته، بصفة خاصة”([2]) .

يُفهم من هذه الآراء أن السيرة الذاتية عبارة عن خطاب واقعي يصدر في عمل أدبي يقص فيه الكاتب جزء من حياته الحقيقة متعهدّاً بقول الحقيقة دون تزييف أو تغليف بالخيال. أمّا الأجناس الأخرى القريبة من السيرة الذاتيّة فهي تنضوي تحت هذا التعريف الكبير وتحتفظ بخصوصيّاتها التي تميّزها. فالاعترافات مثلا ينظر إليها كـ “نوع من الترجمة الذاتية التي يروي فيها المؤلف قصة حياته بطريقة قصصية”([3]).

والمذكرات” نوع من العمل الذاتي، يكتبه المؤلف عن حياته أو حياة شخصية فذه”([4])، وتعتبر قريبة المشابهة والالتصاق بفن السيرة لأنها تعتمد على الاسترجاع البعيد.

أمّا اليوميات التي تعتبر من أكثر الأجناس رواجاً بعد السيرة الذاتيّة فهي حسب صاحب المعجم المفصل في الأدب ” لون أدبي يدوّن فيه الأديب أحداثاً، وانطباعات، ومشاهدات. ويرتبها ترتيباً فنياً على شكل مذكرات يومية أو شبه يومية”([5]) هذا ويرى محمد صابر عبيد بأنها ” سرد سيري يخضع خضوعاً كاملاً لسلطة الزمن اليومي، ويتقيد كتابياً بالظروف الزمكانية والنفسية والاجتماعية لكيفية اليوم الذي تسجل فيه كل يومية”([6])، وبناء عليه تعتبر سجلاً يومياً بطريقة أدبية. يهيمن عليها الزمن الآني  وفضاؤها محيط اجتماعي وأمكنة واقعية حقيقية. وتُدرس على أساس أنها جزء من التاريخ، لهذا تجد الكاتب يقدم فيها  تجربة عبارة عن ” أحداثاً مجزّأة ويطغى عليها الحس التاريخي على حساب الحس الأدبي، ولا يمكن لها أن تخضع لقوانين وقواعد إبداعية فيها شيء من الثبات والاستقلال، كما هو الحال في السيرة الذاتية”([7]). وبهذا وذاك فاليوميات  لصيقة بواقع الكاتب وتخضع لمعطيات حياته بالدرجة الأولى.

 ملخص يوميات افكيوات:

  للنصوص الإبداعيّة ثلاثة جوانب مهمّة وأساسيّة هي  ( المؤلف، العنوان، النص)  في بعض النصوص تجد هذه الأجزاء في حالة فصام، ولكن في نصوص أخرى قد تجدها في حالة من التلاحم والانصهار، وهذا ما يُعبر عنه نص افيكوات(*) فالنص والعنوان  والمؤلف لا ثمة فصام بينهم فالكاتب تجده يعيش حيوات ناس كثيرة داخل نصه،  إما عنوانه ينصهر في النص الكبير والثيمات التي من أجلها كُتب النص.

 أما محور اليوميات الفن الواقعي الصغير الذي يصنفه محمد التونجي إلى أنواع  ثلاثة ( يوميات خاصة،  ويوميات الرّحالة، ويوميات الأحداث) نتفق معه أن يوميات الكاتب جمال الزائدي(*)  تنتمي إلى الحدث وإتقان تسجيله خلاف السيرة الذاتية التي يكتبها الأديب عن حياته ورحلاته فالسيرة اليومية في النصوص التي بين أيدينا سيرة طبقة اجتماعية كاملة، تسجيل يومي أو شبه يومي تبدأ الحكاية فيه من محطة الركاب المقابلة لسوق النافورة في بلدية أبو سليم بالعاصمة الليبية طرابلس وتبدأ حركة السرد داخل سيارة الأجرة العامة الأفيكو فيها نلتقي بالكاتب والمشاهد والسارد في آن، في زمن أصبح فيه ارتداء الكمامة واجب أرد في الكاتب إماطة اللثامة عن الواقع  والحفر فيه، ولو فكرنا في الأمر للمدى البعيد وضعنا بين أعيينا استباق للزمن فأن هذه اليوميات ستصبح  نقشاً على جدار التاريخ ووثيقة عن حياة المواطن الليبي البسيط، وتدين ما يحصل له من تعسف واهمال، وكأن لسان الكاتب من خلال  رصده للمشاهد  يقول ما قاله الشاعر محمود درويش :

” لا شيء يُعجبني”

يقول مسافرٌ في الباص ـ لا الراديو

 ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على

التلال

أُريد أن أبكي

 يقول السائقُ : انتظرِ الوصولَ إلى

المحطَّةِ،

وابكِ وحدك ما استطعت.

هنا ثمة التقاء بين نص الموسيقى و نص النثر في المضمون والتشابه بين الشاعر  والكاتب من حيث السأم والنظرة السوداوية للواقع وعدم اعجابه  بشيء داخل الأفيكو أو خارجها،  لأنه يستحضر أغلب الهموم التي يشاهدها في وجوه الأخرين في النص. 

وهكذا بالرجوع لليوميات التي بدأت من 2018 في جزئها الأول، ونحن  هنا ننعم النظر في الجزء  الثاني منها الذي  انطلق صباح يوم الأثنين 10 أغسطس 2020 فنجد محورها الأول حول واقع وباء كورونا المستجد، وعن الاجراءات الاحترازية وكيفية تهور رواد الأفيكو في الالتزام والوقاية حيال جائحة كورونا. أما المحور الثاني يصور مأساة انقطاع التيار الكهربائي بالساعات الطويلة التي تصل إلى أيام متواصلة على المواطن  الليبي الذي لا حول له ولا قوة إلا الصبر فعلى سبيل المثال لا الحصر يومية 26 سبتمبر 2020 يستهل الكاتب بجملة  ” صباح الخير

لا أحد غير( الزومبي) أو الأحياء الأموات.. يشبه أهالي بوسليم وهم يتحركون بقوة الدفع حركتهم الميكانيكية الباردة بعد دخولهم اليوم الرابع بلا كهرباء أو ماء في بيوتهم .. في افيكو يوم السبت لا شيء سيتغير فركبها النادرون مازالوا هم أنفسهم([8]) هنا فقط يمكننك أن ترى الواقع عن قرب وتستنشق رائحة المكان من وراء الحرف، وتقف على القتامة والمأساة التي يتقوقع فيها الركاب النادرون على حسب وصفه الذين لم يتغير حالهم على مر العقود فهم يمثلون الطبقة الوسطى في مجتمعنا الليبي.

ويأتي المحور الثالث حديث الناس عن شح السيولة النقدية من المصارف التي يعاني منها الليبيون العقد الأخير من حاضرهم فوق هذه الأرض.

ونجد الكاتب أحياناً كثيرة همه الوحيد أن يرصد صوت الحياة الصاخب على متن الأفيكو ويغوص في الواقع من دون أي حواجز، ولو تتبعنا تاريخ الأدب ونظرياته منذ ظهور نظرية الانعكاس وصولاً إلى الأدب الحديث  يوثق بأن الكاتب ابن طبقته ووحده يمكنه سبر دهاليزها معبراً عن أحلامها وامالها وآلمها ونظرتها للحياة ونظرة الاخرين لها، ويقارنها بالطبقات الأعلى منها لأنها تعتبر الأدنى التي تسكن ويسكنها الكثرين على جغرافيا حُبلى بالنفط والغاز فكتابنا يأخذ المتلقي  بإلحاح ليرى حجم معاناة الطبقة التي يعنيها. وفي يومية 29 سبتمبر2020 يستهل: الكاتب كالعادة بصباح الخير ”  ليس من طبيعة الحياة أن تكون عادلة، فيها المبتلى بالمرض، وفيها المعافي القوي، فيها الغني حد الترف، وفيها المحتاج حد الضنك.. فيها من يصحو قبل الشمس وعصافير القصبي للحصول على مستند أو خدمة أو ليجد مكاناً في طابور البنك.. وفيها من ينام ملء جفونه على سرير ناعم لأن هناك من يهتم بتفاصيل راحته، في الافيكو غالباً لن تجد إلا فئة واحدة من الناس.. فئة من المناضلين من أجل الاحتفاظ بذقونهم فوق الماء.. لا هم يستسلمون للغرق ولا هم يجدون القوة للوصول إلى الشاطئ”([9])    

  من وثم يعرج الكاتب يسجل مشاهد الأمل في الأجيال القادمة وهم في طريقهم إلى الجامعات والثانويات لتكملة العام الدراسي الاستثنائي، ونلاحظه ينثر الأمل من خلالهم ويعول على مستقبلهم.

 أسلوب اليوميات:  

 ينطلق السرد التخييلي من كاتب وراوٍ أو الأنا الثانية التي تعتبر أحد بنيات النص، أما السرد المرجعي أو الذاتي ينطلق من كاتب واقعي وذاته الضمنية في آن، لا يوجد ثمة فصام بين الكاتب و السارد والبطل، إما التوحد والالتقاء بين هذين القطبين في السرد  فالذاتي يستقطب أغلب تقنيات التخييلي من حوار ووصف ومنولوج  وديالوج.

ولكل كاتب عدة مسارات لتوصيل تفاصيل نصه من خلال اللغة التي تعتبر العمود الفقري للعمل الأدبي والشفرة الوسيطة بين المرسل والمتلقي ، فبعضهم يأخذ الرمزية  والإيماء مسار لتبليغ القاري والأخر يأخذ الواقعية المباشرة يوضح فيها العلاقة بين الموضوع والحوار، وبالرجوع إلى يوميات الصحفي جمال الزائدي فيها التقينا بالكاتب والسارد الذي طغى عليه طابع الهيمنة في السرد، فتناسل النص من كاتب واقعي  واللغة الفصحى هى الطاغية  على النص  باستثناء بعض الحوارات التي ينقلها عن شخصيات واقعية باللهجة العامية، هذه المحادثات شأنها شأن أسلوب الروائيين ولكن الاختلاف أن  المحادثات في  الرواية تنطلق من الشخصيات تُعبر فيها عن مكنوناتها دون سلطة الكاتب، ولكن في اليوميات تظل سلطة الكاتب هى المسيطرة تنقل تلك الحوارات ويهيئ المتلقي لها إما في الرواية يندمج الحوار في النص دون تنبه من الكاتب أو السارد للمتلقي . على السبيل المثال لهذه الحوارات يتابع فيها الكاتب سرد نصه في أحدى اليوميات لنقل ما يسمع ويرى ويقرأ في قسمات الوجوه في يومية 23 سبتمبر2020 ”  ما أر أرتسم على الوجوه الركاب من علامات الغضب والقرف كان أكثر من كاف لتخيل أي مكابدة ومعاناة عاشها أهالي بوسليم الليلة البارحة حتى الصباح في ظل انقطاع  الكهرباء لأكثر من أربعة وعشرين ساعة متواصلة(…) وواضحاً أنهمم لم يتمكنوا من محوا أثار الليلة الرهيبة من على صفحات وجوهم الشاحبة.. الفتاة  بالكمامة ورفيقتها الجالستان بالمقعد المجاور لمقعدي تخوضان حديثاً شبه هامس عن امتحان ما، سيجريانه في الكلية بعد قليل قالت إحداهما:

 ما قدرت نرقد ولا نراجع حاجة الضي هارب ومولد جارنا تقولي تحت رأسي.. وبقية الركاب كانوا يتحصنون وراء جدار الصمت المفخخ([10]).

 وتجد له حوارات كثيرة يتخللها الوصف والسرد، وتعتبر من أطول الحوارات في يوميات الزائدي  تكون بين السارد وشخصية واقعية لأن لا توجد شخصيات رئيسة تتنامى داخل النص  كل يومية تقابلنا شخصية واقعية وتودعنا عند محطة النزول “في المحطة المقابلة لمدخل مستشفى الحوادث الغربي كان يقف باستقامة رمح سمهري لفظته غابات افريقيا للتو وجهه بلون الأبنوس ولابتسامته الدائمة ضياء العاج المصقول من لا يعرفه لا يمكن أن يحدس عمره الذي تخطى الثمانين باسم الله ما شاء الله (…) وعندما رأى جدية التزامي بإجراءات الوقاية المتبعة وارتداءي للكمامة وحتى القفاز أثنى على سلوكي مع أنه لم يكن ملتزماً باتباع المطلوب وأخذ يقص كيف أنه في أربعينيات القرن الماضي عندما اجتاح وباء الطاعون بعض مدن البلاد قد اضطر إلى تمريض ابن اخته الطفل من برد الشتاء، وانبرى يصف بكلمات لم تخلو من الألم برغم تقادم العهد كيف  كان لحم الطفل يتساقط بين أصابعه.

 ستمضي هذه الجائحة كما مضت ما قبلها سيموت من حان أجله و يبقى الآخرون ليشهدوا جوائح أخرى هكذا أكد بيقين قبل أن ينزل أمام عمارات الحديقة”([11])

 واحياناً كثيرة نلتقي بأصوات داخل النص التي يقوم السارد بنقلها ويجزم أنها منولوجاً صاخباً، هى عبارة عن تعبير اللاوعي لشخصية واقعية وواعية بأسباب الأزمة  والمعاناة في آن، من خلاله يصور الكاتب كل ما اكتظ به قلب المواطن الليبي من مأساة وهم حيال الواقع الحالك  الذي طال فجره. فعلى سبيل المثال لا الحصر ” العجوز الأدرد ضئل الحجم الذي احتل المقعد الملاصق لباب الافيكو لا أظنه يأبه بنظريتي العلمية بشأن مخاطر الصوت العالي على حياة البشر في دقائق النهار الأولى، فقد كان منهمكاً في مونولج صاخب يؤديه بصوت أجش أجزم انه تجاوز مستوى85 ديسيبل وهو الحد الأعلى لما يمكن أن يتحمله البشر.. أصر على أنه مونولوج لأنني في الحقيقة لم أعرف إلى أي حد من الركاب تحديداً يتوجه بحديثه المكتظ بالنقمة والغضب على اشباح واشخاص مجهولين لم يترك مفردة في قاموس الشتيمة والبذاءة دون أن يستعين بها في هجائهم، كان أثناء خطبته العصماء يلوح بكفيه اللتين طغى عليهما الأخضر بسبب كثافة الوشم (…) كان خانقاً على الزوجات والآباء والأمهات والأبناء والبنات والجيران والأقارب وعلى الماضي والحاضر وعلى كل ركاب الافيكو ولكنه كما اتصور كان حانقاً بالأكثر على نفسه. كان الرجل صارخاً من الألم والوجع طلباً للنجدة وكنا نحن رفاق رحلته نكتفي بابتسامة ساخرة لاعتقادنا بأنه مجرد مهرج”([12]). مقطع السرد والوصف الذي كنا نشاهده صور إلى أي مدى يقترب الكاتب من الواقع حد التوحد لطرح قضيته الملّحة عن الطبقة البسيطة التي بدأت عليها ملامح التآكل ويرصدها من موقع كأنها قريبة من حافة الحياة وهى في صراع مستميت على لقمة العيش.

تعالق الذاكرة:

لكل عمل أدبي أطر خاصه به يشيد فوقها الكاتب نصه  يجمع بين فضاء زماني ومكاني يرتب فيه علاقة الحاضر بالماضي.

الأدب والتاريخ متعالقان حد الانصهار فالتاريخ  يعتبر ركيزة أسياسية يبني عليها الكاتب فكرته، عندنا الرواية مثلاً يعتمد السرد فيها على خيط زمني يتذبذب بين الحاضر والماضي والمستقبل أما السرد  المرجعي أو الذاتي  فاليوميات مثلاً  شخوصها واقعية حقيقة حية  يلتقي بها الكاتب يومياً ويشاهدها ويسجل حديثها وردة فعلها، لا رائحة للخيال فيها، والمكان واقعي، والزمن  تاريخي يومي  يسجل الكاتب فيه احداث كثيرة الالحاح على واجدنه وفيها التاريخ لا يغلف بالخيال ومحوره الأنا الكاتبة، وهذا ما يميز فن السيرة أنه يأتي بضمير المتكلم.

أما الذاكرة أو التذكر داخل النص يسمى بالاسترجاع أو الارتداد أو الارتجاع كما يسميه برنارد فاليط بأنه ” سرد حدث ماضٍ باستحضاره و استذكاره”([13])، ومن خلال الاسترجاع يترك السارد اللحظة الآنية في النص ليعود إلى الأحداث الماضية، ويروها في لحظة لاحقةً لحدوثها،  ويعتبر تنقية سردية يلجأ إليها السارد بالرجوع لجذور الشخصيات أو الأحدث وغالباً يأتي في سياق  منولوج داخلي، أما في منظومة الأدب الذاتي ( السيرة الذاتية والمذكرات والاعترافات واليوميات) تُبنى على الاسترجاع للماضي ولكن ثمة اختلاف في مدى الاسترجاع فمثلاً رواية السيرة الذاتية تحتاج إلى استرجاع بعيد المدى وعلى السارد أن يرجع بالقاري إلى عقود طويلة لمرحلة الطفولة أو الشباب وفي حالات نادرة يرجع السارد لمرحلة الجنين وهذا رأيناه في رواية (بنت مولانا) للكاتبة الانجليزية( مورل مفري) التي  رجعت بالمتلقي لسرد سيرة كيميا تلميذة جلال الدين الرومي  وهى جنين في احشاء (افدكيا) الأم، ومن ثم تتبعت مراحل حياتها الطفولة والشباب حتى احتضارها، إما المذكرات تقوم باسترجاع متوسط المدى يستحضر فيه الكاتب أحداث مهمة للتذكير، أما بؤرة اهتمامنا هنا اليوميات التي تبنى على الزمن اليومي والآني فالاسترجاع فيها قصير المدى والكاتب يرجع بالمتلقي إلى بداية اليوم أو مساء الأمس كأقصى حد للاسترجاع ولكن ما لاحظنه في يوميات الزائدي فيها تعالق مع رواية السيرة الذاتية  فعلى سبيل المثال في يومية 18 اكتوبر 2020 اتى الاسترجاع السير ذاتي في منولوج داخلي” اليوم مع الهدوء الذي ساد الرحلة تذكرت على نحو غامض بداية علاقتي القديمة بالافيكو.. أظن أن الأمر كان في السنة الأخيرة من دارستي بالمرحلة المتوسطة واستمر مع دراستي في المعهد العالي للطيران المدني اسبيعه فقد كانت الحافلة الخاصة بنقل الطلبة تلك السنوات تتحرك  في مواعيد أبكر بكثير من مواعيد صحوي المعتادة ما يضطرني أكثر الأحيان إلى استعمال الافيكو للوصول إلى محطة بو رقيبة ومن ثم ركوب التاكسي البيجو 504 نحو اسبيعة.. ربع قرن يزيد لم يتغير شيء في الافيكو غير سعر التذكرة الافتراضية الذي ارتفع من ربع دينار إلى دينار صحيح.. فمازلت الافيكو بستة عشر مقعداً ومازال ركابها الوقوف اكثر من ركابها الجلوس”([14]).

 أما التعالق الثاني مع المذكرات أحياناً يعود الكاتب في اليوميات إلى استرجاع متوسط المدى لعقد من الزمن يحاول يذكر المتلقي بالأحداث المتراكمة المكتنزة بالانكسارات والفجائع ” مستوى التوحش الذي اظهره المجتمع خلال السنوات العشر الماضية.. يبدو صادماً وغير مسبوق لمن لم يهتم بمتابعة تفاصيل الفظاعات التي ارتكبها الإنسان المعاصر في رواندا وافغانستان  وهيروشيما ونجازاكي وصبرا وشاتيلا وفيتنام ووو.

الأمر و ما فيه أننا لا نستطيع التعويل على رحمة الكائن البشري بدون روادع قانونية ومادية صارمة”([15])، ونافلة تعالق الذاكرة لدى الكاتب نجده يرصد  شيء في ذاته في يومية 30 نوفمبر 2020 يقول”  صباح الخير يحدث أن تنام ليلتك سليماً معافى وتصحو في الصباح لتجد قلبك يتوجع من عشق قديم ظننته خفت وتلاشى فإذا هو بقدرة قادر يعود ويستعر بلا أسباب منطقية ولا مبررات”([16])، هذا يوضح تسلل الأدب الاعتراف إلى نص يوميات الكاتب فهو لا يحدد مدى لذاكرة الحالة العاطفية العالقة بعلقه الباطن لأن قلبه لم يشفى منها، ونستشف من كلمة قديم أن مواكب الذاكرة عادت به إلى مرحلة بداية شبابه.

عتبة الخروج  :

 اليوميات جنس أدبي صغير داخل منظومة الأدب الأتوبيوغرافيا ولكنها ذات نفس طويل لها بداية ولا يمكنك تحديد نهايتها وهذا ما رأيناه في تجربة طه حسين في كتابه الأيام الذي نُشر على ثلاثة أجزاء، أما نص (افكيوات) للكاتب جمال الزائدي فكل مقوماته ترمز إلى انصهاره في الأدب الذاتي وهذه اليوميات تختزل الواقع والرمز، الثبات والاهتزاز،  القوة والضعف، الأمل والخيبة، الانتماء والاغتراب تجتمع كل الأضداد داخل نصوص صغيرة مكتظة بالمعاناة والألم وفي نهاية السطر ينفخ الحبر في حروفها روح الأمل.

 وأما ميتا يومياته تعتبر أسلوب حياة ولكن الاختلاف فيها أنها لا تقف على تسجيل حياته إلا في لمحات قصيرة يربطها بالموضوع الرئيس علاقته بالافيكو وعلى متنها صور أنها ليست فقط مكتظة بالركاب إنما سجل بمهارة أنها مكتظة بقضايا الفن، وقضايا المجتمع، ونهجت الكتابة فيها نهج كسر بلور الصمت وسماع صوت المهمشين فينا وبيننا فيها لم نجد بطل محوري كما هو فن القص إنما  بطل يومياته طبقة اجتماعية كاملة التي تمثل السواد الأعظم في المجتمع الليبي وسيرة حياتهم اليومية، ومنها أتخذ الواقع ملاذ صور من خلاله أدق التفاصيل  والجزئيات التي تذكرك  بواقعيه نجيب محفوظ المفرطة في الوصف والسرد التي خلد من خلالها  حياة البيئة المصرية والطبقة الوسطى والأدنى منها.

 وفي نافلة القراءة أن نص افيكوات الذي قبضنا عليه في تجربة النقد وقفنا معه وقفة قصيرة هو الجزء الثاني من يومياته لم تنتهي إلى اليوم، ولاحظنا أن فن اليوميات يتوقع في اهمال من طرف المبدع والمتلقي في الأدب الليبي. وعليهما تكريس الجهد لإظهار أهمية ومزيا هذا الفن التاريخي ومكانته بين الألوان السردية.   


(*) ماجستير في اللغة العربية والنقد والأدب العربي، الأكاديمية الليبية للدراسات العليا، طرابلس – ليبيا
[1]ـ محمد التونجي  المعجم المفصل في الأدب، دار الكتب العلمية بيروت، ط2، 1999، ص 536.
[2] ـ فيليب لوجون، السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة عمر حلي، الناشر المركز الثقافي العربي، ط1 1994، ص22.
[3] ـ محمد التونجي، المعجم المفصل في الأدب ص109.
[4] ـ المرجع نفسه ص777.                    
[5] ـ المرجع السابق ص 892.
[6] ـ محمد صابر عبيد، السيرة الذاتية الشعرية ( قراءة في التجربة السيريه لشعراء الحداثة العربية)، عالم الكتب الحديث، اربد الأردن ط2، 2008، ص132.
[7] ـ المرجع السابق ص132.
(*) ـ افيكوات أو الأفكيو: هى سيارة نقل عبارة عن حافلة صغيرة تستخدم للنقل العام  بين الأمكنة داخل العاصمة الليبية طرابلس منذ تسعينيات القرن المنصرم حتى اليوم.
(*) ـ جمال جمعة الزائدي، كاتب وصحفي ليبي ترأس تحرير عدة صحف منها ( نبض الشباب، وصحيفة أويا، ومدير تحرير مجلة فضاءات الفكرية، ورئيس تحرير تنفيذي لصحيفة الشمس، ورئيس تحرير صحيفة الصباح).
[8] ـ جمال الزائدي، افيكوات، منشورة على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، 2020
[9] ـ جمال الزائدي، يوميات افيكوات.
[10] ـ جمال الزائدي، يوميات افيكوات.
[11] ـ جمال الزائدي، افيكوات
[12]ـ المصدر نفسه.
[13] ـ إكرامي فتحي، البنية الزمنية في رواية الستينيات لدى نجيب محفوظ اللص والكلاب نموذجاً،  دورية نجيب محفوظ، التاريخ و الزمن العدد الثالث ص196..
[14] ـ جمال الزائدي، يومياته افيكوات.
[15] ـ المصدر نفسه.
[16]ـ المصدر نفسه.

المصادر و المراجع:

ـ جمال الزائدي، يوميات افيكوات، منشورة على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك2020.
ــ محمد التونجي، المعجم المفصل في الأدب، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثالثة1999.
ـ فليب لوجون، السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة عمر حلي، الناشر المركز الثقافة المغربي، الطبعة الأولى 1994.
ـ محمد صابر عبيد، السيرة الذاتية الشعرية ( قراءة في التجربة السيرية لشعراء الحداثة العربية) عالم الكتب الحديث، أربد الأردن الطبعة الثانية 2008. .
 ـ دورية نجيب محفوظ التاريخ و الزمن، المجلس الأعلى للثقافة القاهرة، العدد الثالث، 2010م

مقالات ذات علاقة

بعد ربع قرنِ من الزمن – 1

علي عبدالله

ليبيا واسعة – 61 (جوح)

عبدالرحمن جماعة

[..التحصن بالذات..]

رامز النويصري

اترك تعليق