تشكيل

تأبين المفقودين.. غرناطة 2014

قراءة في لوحات معرض معتوق ابوراوي “تأبين المفقودين” غرناطة 2014

التشكيلي معتوق أبوراوي
التشكيلي معتوق أبوراوي.

أعشق سفن “معتوق أبوراوي ” أهيم بها بحراً (لا سبب لذلك) فهي قديمة مهترئة ثم إنها لاتصل إلى   بر، هي إبحار دائم بل في كثير من الاحيان هي غرق مؤجل.

سفنه.. لا ربان لا بحارة.. ركاب فقط وهم أنفسهم الربان والبحارة بل هم الاشرعة والمجاديف إن استدعى الامر.

إذا كان هذا حال السفن فكيف هو حالك يا بحر؟

كن متأكد إن هؤلاء الذين يقفون محل الصواري التي حطمتها لا تخيفهم موجاتك العاتيات، تبين فقط أجسادهم السمراء واعناقهم العالية ألم تلحظ يا (مزرعة الاسماك) إنهم لا يعيرونك اهتماما؟ ثم إنهم لا ينظرون للخلف ابدأ وكأنهم لا جنوب لهم..

لمّ اتوقف كثيرا في حكاية سفينة بلا ربان وبحارة.. فما وحد إبحارهم ووحد غرقهم هو ربانهم البديل و غير المرئي (فهدفهم ربانهم والتوق لبر المعرفة هو بحارتهم ).

حين كتبت عن لوحات “البوراوي” منذ سنوات وتحديدا عن معرضه الذي أقامه تحت أقواس غرناطة والذي سماه (تأبين المفقودين).. الغارقين أملا.. على ضفاف الشاطئ الشمالي للمتوسط كنت متأكد إنهم بأجسادهم النحيلة السمراء وأعناقهم الطويلة أنهم هم من تبقى من الفنيقيين جدر الحضارات في العالم ومن نفخ الروح في ضفتي المتوسط.. نعم عادوا هذه المرة لكن بعد أن أنهكهم التاريخ وأفرغ محتواهم عادوا يقودهم للضفة المقابلة توق قديم ونظرة شمالية، الفطرة تقودهم فلا خارطة ولا بوصلة، بحر عاتي سفن مهترئة أشرعة ممزقة صراخ نساء عويل اطفال ورجالا يبكون دما وهم متشبثين ببقايا الصاري…

وكأنها حرب أساطيل وهي بالكاد بين بحر خرج للحرب و بقايا قارب به فيض من “الآمال ” التي تختلف عن كل ما عرفناه حول هذه المفردة عن ما عشناه ودرسناه عنها و ما قيل عنها شعرا وما دونه حولها الفلاسفة. هي هنا تعزف نغما منفردا على مقام الموج تعزف أملاً آخر أمل تقود ارقامه ومنطقه وبراهينه ونتائجه للموت غرقا. أمل بلا كفن بلا جنازة ولا شاهد قبر أمل بلا وداع فلا أهل ولا أصدقاء.. أمل هو الحياة في صفر معانيها، هو إكبار لها بل والبدء في صياغتها بحروف لم توجد من قبل، أمل هو (إعادة القيمة الحقيقة لها).

حدث كثيرا أن يصل أحدهم أو مجموعه صغيرة منهم لشاطئ المعرفة حيث رسي الاجداد قديما ووضعوا لبنة التاريخ الأولى، ومن وصل منهم لربما اختلفت عليه الموازين لدرجة الجنون لكنه رويدا سيشعر بالانتماء لنفسه بانعدام القيد والحرب والهروب الدائم.

سيقدر قيمة النجاة ويبدأ من جديد بحياة لا جنوب فيها.

أما الذين خسروا معركة البحر بعد أن انتصروا في معارك الجبال والصحاري الشاسعة والمدن المتخلفة بل احيانا الحروب التي صادفت دربهم، لكنهم وفي معركة البحر خسروا وانتهوا جماعات تتلاطمها الامواج هؤلاء هم تمجيد للحياة نصب تذكاري لها.كما أنه “لاكذب” في كل هذا فحتى الموت يحمل ذرة من امل.

اخيرا في كل سطر كتبت اعتصرني الالم (لولا الامل )..فكيف بمعتوق ابوراوي وهو يسجل على جدار الزمن كل تراجيديا هذه الملحمة.

مقالات ذات علاقة

قراءات تشكيلية.. في مديح الأسود والأبيض

ناصر سالم المقرحي

قراءة في لوحة .. سيارة الخردة

ناصر سالم المقرحي

حميدة صقر فنانة ليبية تلهو بالأبيض والأسود

المشرف العام

اترك تعليق