النقد

بِنيةُ النَّص السَّردي عند الشاعرة الليبية سهام الدغاري

الرؤية

ناصر أبو عون

 
يتوافق قطاع عريض من المشتغلين بالنقد على أن “الإبداع نِتاج إنسانيّ بحت”، ولا علاقة له بالنوع [الذكوريّ أو الأنثويّ]، ومن ثم سقط مصطلح (الأدب النِّسويّ)، الذي أغرق في [شوفينية] مقيتة مبالغ فيها وصلت إلى حدّ الصراخ؛ بل ومرتهنة لحركة “صراع المرأة الطويل والتاريخي للمساواة مع الرجل”.

من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي
من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي

 
ومن هذا المنطلق يمكننا قراءة إبداع الشاعرة الليبية سهام الدغاري وفق هذا السياق، وتحليل خطابها الشعري متعدد المستويات، والولوج إلى دهاليز نصوص ديوانها المعنون بـ[سهام في قلب الشمس]، من عتبة “السَّرد الشعريَ” الكبرى.
 
وللإنصاف النقدي، ومحاولة القراءة بموضوعية غير مشوبةٍ بالانحياز الأعمى لشهوة الكتابة وتعبئة الفراغات، وتحبير الصفحات، يتعيّن اقتطاف نصّ حديث الولادة، لتشريحه، وتسليط الضوء على بنيته الشعريّة، وتقريب العدسة المكبرة لاكتشاف التفاصيل الدقيقة، والبحث فيما وراء النصّ، وتعرية الطبقات الركامية والمعرفية المتراصة مع كاتبة لم يعرف الغموض المرمّز والأحجيات إلى كتابتها سبيلا، ولا تفتأ بين نصٍّ وآخر تنفي الشاعرية لقبا وقلبا وقالبا عن شخبطاتها، وخربشاتها في الفضاءين الأزرق السبرانيّ، والأبيض الورقي. 
 
في نصّ سهام الدغاري “ما زلتُ أحاولُ الحياةَ على استحياء”، عبر استراتيجية السَّرد التعبيري سيلاحظ القاريء كيف تأخذه الكاتبة عبر حكاية تمزج فيها الواقع المأساوي بالمتخيّل كيف تقفز في انتقالات زمنية خاطفة بين تفاصيل الحكاية، وتبرع في استخدام تقنية [الاسترجاع/ الفلاش باك] وهي تقنية تظل حصرية للفن الروائي والإخراج السينمائي. وكيف تستدعي الكاتبة خاصية [التَّناصّ]  – ليس التناص مع التراث – التي هي قطيعة معه ليس تنصلا ولا استعلاءً ولا كراهيةً، وإنما تحديا لسيرورته وتماهيه وحضوره في الفضاء الإبداعي- ؛ بل نرى في كتاباتها تناصًّا من نوع خاص؛ تناص مع [نصوص أخرى لها]، ونشاهد كيف تلضم في خيط رفيع (الزمان بالمكان)، بل وتلعب [لعبة الغميضة]، وتمارس “فن الاختباء” داخل زوايا النص الحادة، لتظهر للقاريء في شكل [ذات]. لتكشف للقاريء تفاصيل العلاقة الشائكة بين (الشعر والسرد) في أبعادها الثلاثة: الدينية، والسياسية، والثقافية.
 
[هذا ما نفثته على سطح مرآتي البائسة التي كانت تحدجني بنظرة غاضبة وأنا أُمشِّطُ شعري الطويل قبل أنْ أُقرِّر بيعه للمقص.
 
ممتهنةً الغناء كحافزٍ لأُثبت أنني هنا]
***
 
ومن الملفت للنظر أنّ نصّ “ما زلتُ أحاولُ الحياةَ على استحياء” يحتوي في بنيته التكوينية على خمس استراتيجية سائدة في نظرية [السرد التعبيري] مع تفاوت درجة ومساحة كل استراتيجية وإن كانت مساحة “السرد المشهدي” تحتل كتلة كبرى من جغرافية النصّ. حيث نلاحظ اعتماد الكاتبة على فنيات التصوير بالكاميرا السينمائية، وتسجيل [مشاهد متتالية]، وعمل [انتقالات سريعة] تستثمر فيها [عناصرَ اللغة وفنياتها]، بجانب زوايا الرؤية المختلفة متخذةً من [التَّشخيص] و[الوصف] و[الحوار]، آلية تتعدد معها [مستويات الخطاب الشعري].
 
[فـ….. خشونة الصباحات
غرور العصافير
انسحاب الشمس المُبْكر
الغيم المُطبق على صدر السماء
إلحاح السؤال
فِرار الجواب
حِدة الزوايا
انكسار المستقيمات
تداخل الدوائر
تطابق الأشباهـ
اختلاف المتطابقات
الربيع القاحل
الشتاء الجاف
الخريف النائم في مخيلة عذراء
الأفق الضيق
والسراديب الرحبة]
***
 
وفي مساحات مظلمة من النصّ تبدو باهتة، أو خافتة الضوء ترتكز الكاتبة على استراتيجية [السرد التشخيصي] مع استدعاء [(الذَّات /الشاعرة / الساردة)]، والتحدث عنها، والمراوحة بين خاصيتي المنولوج، والديالوج معها وعن الأشياء من حولها و[تشخيص] حالتها تارةً، وتجريدها من مفاهيمها تارةً أخرى، واللجوء إلى [الجمل التفسيرية الطويلة] لفضح المخبوء، وكسر [التابوهات] بشكل درامتيكي.
 
[كلها أسباب لم تكن كافيةً لتنجح في انتشالي من الغرق
قبل أن أفقد ثقتي بأنني سمكة
وقبل أن تمتص الحربُ كل بِحاري
وقبل أن يتمَّ اختراع أحواضٍ زجاجية لأسماك الزينة
وقبل أن يعتادوا إطعامي لقططهم المتشردة]
***
 
ثم تغوص سهام الدغاري في النص مرتديةً بدلة [السَّرد الذاتي]، وتجعل من نفسها [محورا للنص] وتتحول إلى [راوٍ]، و [متلقٍ] في آنٍ واحدٍ مع الاستعانةِ بـ”ساردٍ آخر” يتخلّق من الذات الأولى أو معادلا موضوعيًّا لها.
 
[هل سألت نفسك مرة
ما الفائدة من أن تمارس الكلمات عادتها السرية؟
وأن تتناسل في الظلام لتنجب العديد من القصائد غير الشرعية والتي لن تكون ملزمة بإبراز هويتها عند كل انعطافة]
***
 
وعبر استراتيجية رابعة من استراتيجيات السَّرد تُسمى بـ”سرد توهّم الحكاية” تبدأ الكاتبة باستهلال [سردي حكائي]، ترتكز فيه على مبدأ [فعل من أفعال الحكاية (مضى وقتٌ طويل وسيمضي وقت أطول)] تدخل بعده في [الخطوط العريضة للخطاب الشعري]، متكئة على نزعة [الوصف]، و[التشخيص (وأنا أحاول الحياة على استحياء)]، و[التصوير (فأمضغ الأيام الناشفة لأجترها نُسخًا متشابهة)].
 
[مضى وقتٌ طويل وسيمضي وقت أطول وأنا أحاول الحياة على استحياء.
تغريني شهوة الموت فأمضغ الأيام الناشفة لأجترها نُسخًا متشابهة ليوم أيلولي بطعم الليمون]
 ***
 
وقبل الولوج إلى الاستراتيجيات السّابق ذِكرها، نجحت الكاتبة في تلبيس النصّ ثوب [السرد الحكائي] حيث نلاحظ صوت ([الراوي/ السارد])، و[بؤرة الحدث”]، و [الشخصيات المتحدثة] تتحرك عبر [تشكيلات الزمان والمكان].
 
[هل سألت نفسك
ما الغرض من وقوفنا أمام طواحين الهواء والريح ساكنة؟
وكل قصائدنا ستحتفظ بخشونتها ولن تتحول إلى مساحيق ناعمة
أنت لن تسأل نفسك
فأنت مشغول باحتساء حزنك
تنشد الثمالة ثم تمشي مترنحًا فوق موائد الشعر وتنسى أن الشعر لن يجعلك تشعر بالارتواء
وأنا بالرغم من شهوة الموتِ ما زلتُ أحاول الحياة على استحياء وأُفصِّد كل ماكتبته من شعر لئلا يُقال عني شاعرة].
وأخيرا وليس آخرا يمكننا إيجاز سمات النص الشعري لسهام الدغاري في مجموعة من النقاط من أهمها:
اعتماد الجمل الطويلة كاستراتيجية تتناسب وتداعي السرد في متوالية من المفردات الوصفية والتشخيصية.
الاتكاء على الصورة الاستعارية مع نفي الكناية كليةً بما يتناسب ومبدأ الإزاحة اللغوية.
الاشتغال على الجمل الاسمية والأفعال المضارعة التي ترمز إلى تنامي الحدث واحتدام الصراع في بؤرة الحدث.
الارتكاز على المشهدي واليوميّ، مع اصطحاب مفردات بسيطة في سياق شعري.
عند استخدام الجمل القصيرة ترتكز على مفردتين في متوالية عددية تشبه اللهاث مع حركة سريعة للمشاهد المتتالية.
تحت ضغط وإلحاح الفكرة تفقد الكاتبة السيطرة على اللغة ونحوّها وضوابط الإملاء.
 
 
https://alroya.om/post/250154?fbclid=IwAR3bSS6pznk-kbgC7aYYAwZHWg6cCMcuLDQYaxgIjctI77jJJYDH0n19q_I
 

مقالات ذات علاقة

في حضرة (القصيدة الشرسة)

حواء القمودي

حكاية المكان.. قراءة في كتابات القاص والروائي “إبراهيم الإمام”

رامز النويصري

رواية (علاقة حرجة)، هل علينا أن نلامس الحقيقة من خلال الخيال؟

عائشة إبراهيم

اترك تعليق