المقالة

بَـيْنَ مَـوْتِ الْـمُـؤَلـّف وَ رَشَـقَـات الْـغِـوَايـَة

محمد مسعود

عند التعامل مع أيّ نص إبداعي بشتّى أنواعه أجدني مستحضراً لنظرية (موت المؤلف) فورا ، وهي النظرية المنسوبة للفرنسي كارل ماركت ، وأصير أتعامل مع النص وبالقراءة المتعجلة الأولى كنص لقيط يسّاقط من عالم الفضاء ربما ، فأتلقفه وأصير أرعاه بحنّو الآباء ، فيما يرقد المؤلف رقدة من سبات أو أرقدهُ بسطوتي قسراً ، فأقلب النص يمنة ويسرى أفكك شيفراته ما أمكنني ذلك لسبر أغواره والأفكار التي ينشدها ويسوّق لها ، ينتج عن ذلك إما قبولا لحد التهليل أو إنكاراً لحد التجاهل فألتفت عنه ، أو ما بينهما . وأجدُ إلى حد كبير أن تلك النظرية منصفة لعديد النصوص الإبداعية لحمايتها من التحامل المتغول على فكرتها ، ولا شك أن حدية المتلقي وعاطفته الإنسانية – لاشك أنها – ستكتنزه كثيراً ، وهو يتسكع بين جدران النص ، وقلما يتغلب عليها بذلك التوازن المتعقل.

فلا أعتقد أن نصّا بحجم رواية (السوق الداخلي) مثلاً للروائي المغربي محمد شكري سينجو من سياط المتحاملين عليه ولن يسلم النص بالقطع من عديد التقزز وربما التكفير حتى‘ ناهيك عن الاعتداء والتوصيف المروع بالسقوط الأخلاقي للكاتب ونصه على حد سواء ، خصوصاً مع تلك الجزئيات التي أشبعها إيحاءات جنسية “مثلية” وإن كنت أراها خدمت النص كثيراً كتوصيف لواقعٍ مُـزرٍ بالفعل ، وهي ما جعلت عقل القارئ المنصف يترفع عنها لحبكة الكاتب التي أفلح في ضمان سلاسة ومنطقية المشهدية التي صارت تحصيل حاصل بالنص . فبذلك نعمد لتلك النظرية (أي نظرية موت المؤلف) التي ستسعفنا لتقبل النص الذي قد يصار لنص بحكم المغضوب عليه ، من قبل بعض المغالين دينينا أو أخلاقيا حتى.

لكني أحار جداً حيال النص الإبداعي وهو يصرخ بأعلى ما أوتيَ من حبالٍ صوتية طالباً الرأفة معلناً أنه يبقى نصا أدبيا بالمطلق ، خصوصا إذا كان لا يؤرخ لحقبة زمنية معينة أو يستشهد بها ، بل إنه يستحضر الخيال ويؤرخ له ، وبذلك فهو يتبرأ بالمطلق من السرد التاريخي ولا يلتزم بخصائصه ، فتلك قصة أخرى . ويبقى السؤال المحير ، تراه ما هو النص الأدبي غير محاكاة وافتراض لواقع يعاش ؟ ، وربما خيال يفترضه العقل و يبقى بحكم المنطق قابلاً أن يكون واقعاً معاشاً، فلماذا نجلد النص بسياط تغوّلنا المتشوقة لرائحة الدم وهي تزين ظهر النص المكلوم . أوليس الأمر محتمل الحدوث افتراضاً وحتى واقعاً ؟ هل يجب أن نسوّق لأدبٍ مغلوطٍ يخفي القبح بحياتنا ويحيلها لحياة أنبياء ومخلّصين . وهل تراها ستختفي تلك الظواهر القبيحة من حياتنا إن نحن تجاوزناها وتكتمنا حيال البوح بها . لكني ومن المضحك وربما المربك أجدني أعود وأستحضر نظرية (الأسلوب هو الإنسان) والمنسوبة إلى (هوفمان) ، وملخصها أن الأديب مما لاشك فيه سيتسربل منه الكثير وهو يحيك عباءة نصه الأدبي منه فيه . فمن غير المنطقي ولا المعقول أن الأديب سينسلخ نهائيا عن نصه ، فهل تراه هبط ذلك النص من كوكب زحل على متن صحن طائر لسافرة كوكبية الموطن مثلاً ؟

ولو اتفقنا جدلا أن النص الإبداعي سيُخلق بلحظاتٍ من الهذيان التي تهيمن على المؤلف وما أحسبه سيكون مدركا لساعات الخلق للنص بالكامل ، وأحسب كثيراً من الحيثيات ستغيب عنه وهو يستحضر النص أثناء ولادته ، ولن يعود إليه كل إدراكه إلا حينما يتنبه لزفرة الانتهاء وقد قذف القلم بعيداً . ويؤكد تلك الفرضية استقصائي من عديد الأصدقاء عن ساعة الخلق الإبداعي عندهم ، فيؤكدون لي أن الأمر أشبه ما يكون بالتداعيات المرتجلة جداً أو كحالة الاستسلام لهذيان يفرضه المتلقي المحكوم بسطوة النص القادم من غائرٍ عميق. السؤال المحير الآن : هل الخلق الإبداعي رهين الهذيان وغياب العقل ؟ قطعا ستكون الإجابة: بـ(لا) وإلا فما الذي يجعل المجانين يغيبون عن هذا المضمار فلا يكون ثمة نتاج لهم ؟ .

أما إذا كانت إجابتنا بـ (نعم) على أن الخلق الإبداعي رهين الهذيان وغياب سطوة العقل ، فإن ذلك سيحيلنا للتساؤل المحدث للدهشة: لماذا يعجز عديد البشر عن فعل ذلك الذي ينتجه المبدعون ولهم ذات الظروف والمعطيات والفرص التي عند غيرهم من تعقّل وعلم ؟ . فلاشك أن هبة الخلق الإبداعي هبةٍ يمنّ الله بها على من يشاء من خلقه ، وينمّونها هم ويطورونها بالقراءة فيصيرون يتسابقون في ذلك وهو ما تحدده بعد ذلك مراتبهم الثقافية و إمكانياتهم الإبداعية . وبالتالي، ومن خلال تجربتي الشخصية المتواضعة جداً فإني أخلص لنتيجة أن النص يجب أن يشرّح عند طاولة عمليات نظرية (موت المؤلف) ثم ننفخ فيه – أي النص – من روح المتلقي ، وبعدها نتبعه بإخضاعه لعناية فائقة بحجرة نظرية (الأسلوب هو الإنسان ) . لكنى لا ألتفت كثيراً لكل تلك المدارس النقدية ولا أهتم بها إلا من باب الإلمام بالشيء فهي ولاشك مفيدة وتنير للباحث الكثير من مسارب النص للوصول به لذروة المتعة المنشودة المتحصنة بالمعرفة الكاملة لكوامن النص الأدبي ، وبطريقة نقدية تقليدية ربما تفلح مع العديدين . في كثير من الأحايين أهتم كثيرا لما أسميه شخصياً (لرشقات الغواية) التي يحدثها النص معي ، فأتلقفها كثيراً وأصير أتمايل معها لمجاهل العمق وأنا أتكئ على عكازها . وكثيراً لم تخنّي تلك العلامات وانأ أتحسس مسارب الوصول لكهوف النص ، مطلقا لم يحدث هذا معي.

(رشقات الغواية) قراءة شمولية تحدث نصا يكتسح مكامن الضعف فيسمو بها لمراتع الانتشاء ضامنا بذات الوقت لتحرير النص من هيمنة المؤلف وبذات الوقت التحليق مع “حماماته” لعوالم أرحب من تلك التي يحددها النص ذاته ، وتصير تتناغم معه لنهايات مستحدثة يوفرها تناغم النص الأم مع انتشاء وهيام النص المستحدث ذهنيا والمتقد لرؤية أخرى مكملة للفكرة ربما أو منتجة لفكرة مطورة . تلك يروق لي أن أسميها ((رشقات الغواية)) . هذا على الأقل ما أفعله أنا شخصيا حيال أيّ نص إبداعي غير سماوي ، وهو ما قد يتفق عليه معي البعض ولا أستغرب أن ينكره البعض الآخر ، فلكل قراءته الخاصة.

_______________

نشر بموقع صحيفة فسانيا.

مقالات ذات علاقة

رقصنا مع «روجيه ميلا».. وحملنا مع «بيبيتو» ابنه

أحلام المهدي

يحـن .. ولا يـرن!!

أم العز الفارسي

طرابلس.. أرادوا أن يكحلوك فأعموك

المشرف العام

اترك تعليق