المقالة

بين سبتمبر وفبراير

قد لا يلقى عنوان هذا المقال قبولاً عند البعض، لكن ذلك لا يبرر التخلي عنه أو استبداله، مع ضرورة الحرص على عدم تجاهل رفض ذلك البعض فلا بد من تفهم كل المواقف ومناقشة كل الآراء.

ثورة 17 فبراير

لقد شهدت ليبيا ثورة في كل سبتمبر 1969م، وشهدت كذلك ثورة 17 فبراير 2011م، ولا يغير من الواقع أن ننكرهما معاً أو أن ننكر إحداهما، ولن يكون من المبالغة في شيء أن نقرر حقيقة أن ما يقرب بين الثورتين بل ويجمع بينهما، أنهما جاءتا عن نفس الدوافع وهادفتين إلى ذات الغايات، كما أن الذين صنعوا الثورتين لم يكونوا أغراباً عنا، بل هم منا وإلينا، والذي يحرك الذين صنعوا سبتمبر والذين كانوا شباباً آنها جملة من الأحلام والطموحات التي كانوا يرون فيها سبيلاً للتقدم بوطنهم ومجتمعهم، وواضح أنه ليس صدفة، لكنه غريب بالفعل أن تلك الأحلام والطموحات هي التي تحركت بها الأرامل والثكالى والأيتام الذين أضرموا جذوة فبراير، ومصدر الغرابة كونه يوحي بأن هذا المجتمع يبدو كما أمضى الحيز الزمني بين الثورتين خارج التاريخ وبمعزل عن الواقع.

ولا يبدو تفسير تلك الغرابة ممكنا إلا في إطار تلك الفترة وبين حدودها، بحيث يتوجب أن نسأل عما كان من أمر سبتمبر وطموحات الشباب الذين قاموا بها وأحلامهم (ويحسن هنا أن ننتبه إلى ضرورة التحرر من ذلك التصور النمطي المبتذل الذي يختزل ثورة سبتمبر في شخص معمر القذافي) وأن نعي حقيقة أنه ليس معمر القذافي هو من صنع ثورة سبتمبر، بل أنها هي التي صنعته وجاءت به، وذلك حتى لا نغمط مئات من الليبيين الذين صنعوها حقهم في الاعتراف لهم بما طمحوا إليه وما حاولوا انجازه من أجلنا جميعا ثم أن نترك للتاريخ وللوقائع التي قد لا تكون ظهرت كلها ولا استبانت حقيقتها أن تظهرها ربما على أيدي الدارسين والباحثين في التاريخ والسياسة وعلوم الاجتماع والنفس الذين سيصلون ملم يستبن لنا من خفايا تلك الوقائع ويعلنوا عنها ويحددون دلالاتها وأبعادها وانعكاساتها الحالية والمستقبلية، أما ما هو متاحة معرفته مباشرة أو من خلال قراءة الوقائع والأحداث التي كنا شهود عيان عليها، فلعل أبرزه ما حدث من لَيِّ لرقبة تلك الثورة، وإيقاف لعجلة إنجاز الأحلام والطموحات التي كانت تملأ نفوس الذين صنعوها، وكان ذلك تحديدا مع ما عرف بخطاب زوارة بنقاطه الخمس، الأمر الذي نتج عنه ليس فقط إحباط أولئك الشباب ووأد طموحاتهم فاختار بعضهم الانسحاب، ورفض بعضهم وثاروا في مواجهة ذلك فيما انساق آخرون مع الأمر الذي فُرض عليهم  وغدا واقعاً، بل  تجاوز الأمر الذين أوصلوا القذافي إلى السلطة ليطالنا ويُخْضِعَنا  نحن الليبيون جميعا لأحكام قانون طوارئ غير معلن ولأيديولوجيا (إذا سلمنا بما تصفه بها الدعاية الغبية) من أنها طوق النجاة للبشرية من ديكتاتورية الشيوعية وتغول الرأسمالية، لم  تكن في حقيقتها غير منهج لتبرير النزوعات الأنانية الاستحواذية والتسلطية والممارسات الديكتاتورية المتغولة، وذلك عبر تشويه المفاهيم وتغييمها وحرفها عن دلالاتها وما تفيده من معان، وهو ما استفحل تأثيره المدمر بسبب تدني مستوى التعليم الذي تمخض عنه ذلك المنهج الظلامي العدمي، ولم تفلح الدعايات والادعاءات الكاذبة في إخفاءه عن الذين كانوا يعايشونه ويعرفون جيداً أساليبه وآلياته، كما طال ذلك التدني كل مرافق ومجتمعات المجتمع من بيت الأسرة البسيطة وحتى الدولة بكليتها ليصل بها الى الانحلال والتفكك، فلا يبقى من الدولة سوى هيكل متهالك.

ناهيك عما نتج عن التلاعب بالساذجين والبسطاء الذي شمل مختلف فئات المجتمع وأفضي إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وتجلى في سلوكيات وممارسات لم يعتدها الليبيون ويأنفون منها قبل تفشيها بينهم واستمراءهم إياها، وفي النكوص إلى الانحيازات المتدنية والمتخلفة من قبلية وعشائرية وجهوية،  ولا نرانا في حاجة إلى التذكير بالضحايا الذين شُرِّدوا والذين سُجنوا أُغتيلوا لأنهم رفضوا المهانة والقهر والكذب، ووصموا بالخيانة وكأنما هم وبقية الليبيين قد وقعوا صك تنازل عن عقولهم وضمائرهم لمعمر القذافي ليتصرف فيها وفق ما تمليه عليه نزواته وأهواؤه.

هذا والكثير الكثير من الفساد والافساد مما لا يتسع له مقال مقتضب مثل، يرينا أن معمر القذافي هو الذي انحرف بثورة سبتمبر عن أهدافها وأعاقها عن تحقيق غاياتها ليوظفها لخدمة نزوعاته الانانية المتغولة (ويعلم الله ماذا أيضاً) وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مغالط أو ضحية من ضحايا منهجية  التزوير والمغالطة، والتي من بين ما يميز ضحاياها أنهم يرون في معمر القذافي تجسيداً لثورة سبتمبر في الوقت الذي كان هو نفسه من اغتال تلك الثورة التي لو اتيح لها أن تجدّ وراء الطموحات والأحلام التي وئدت في صدور الذين صنعوها، لما عرف الليبيون اربعين عاماً من المعاناة المريرة والقاسية، ولتكون تلك المعاناة مبرراً شرعياً للثورة والعمل على تقويض كيان أضفت عليه الدعايات والإدعاءات الكاذبة من الملامح ما يفوق تمثال الحرية من فخامة ومهابة، لكنها أخفقت في إخفاء حقيقة أنه كان أجوفاً مثل تمثال الحرية وأكثر فراغاً من ذلك الهيكل الأصم،

عبر هذا الطريق المرتوي بدم الليبيين وعرقهم ودموعهم والمجبول من كمدهم وغصصهم وثكلهم ودموعهم وآهات ألَمِهِم جاءت ثورة فبراير لتكون نقطة في آخر سطر من سفر معاناتهم. وليس كخيانة للوطن ولا لحاكم صالح ومصلح، فلم يوقع أحدٌ منا صكاً يتنازل بموجبه عن عقله وضميره وحياته وكرامته لمعمر القذافي يعيث فيها فساداً، كما أن فبراير لم تأت بالناتو كما يصر المتشبعون مغالطة وتعصبا، بل الذي جاء بالناتو من لم يكتف بالتسلط على الليبيين وقهرهم وإذلالهم بل دفعه غروره المراهق إلى استفزاز الدول الكبرى القائمة سمعتها العالمية على القوة والقدرات المسلحة. وعلى طموحات وتطلعات السيطرة الكونية.

 ويبقى السؤال المهم، ماذا بشأن الغد؟ وهل نأمل في أن يكون لنا موقع قدم في الطريق إليه ومكان فيه مالم نراجع انفسنا ونمارس نقداً ذاتياً تمهيدا لمصالحة نقبل فيها بعضنا البعض بكل اختلافاتنا وافكارنا المتباينة، وأن نحرص على ألا تتحول اختلافاتنا الطبيعية والعابرة، والعادلة قبل كل شيء على رحابة الصدور والآفاق، إلى خلافات مستحكمة يصعب حلها.

دعونا نحاول الآن على الأقل من أجل ألا يظل واجب الاعتذار للذين سيجيئون بعدنا دينا يثقل كواهلنا. لنتحل بما يكفي من الشجاعة ونعتذر الآن لأبنائنا وأحفادنا، ولكن أول خطوات اعتذارنا أن يواجه كل منا ذاته قبل الآخرين، لنكن أقوياء ونعتذر لنا وللذين يجيئون بعدنا، فالذين اعتذر منهم بريشت هم الذين صنعوا مجد ألمانيا الحالية وهم الذين يحافظون عليه ويطورونه، وهم الذين يحاولون جمعنا على أمل أن نحقق شيئا من التوافق والاتفاق والتفاهم فيما بيننا، وذلك ما نحتاج إليه فعلا.

مقالات ذات علاقة

السكتة الشعرية

ناصر سالم المقرحي

مربع السردين بمثلث الباراكودا !؟ ..

الحبيب الأمين

الدستور من الأيديولوجي إلى الإنساني

علي عبدالله

اترك تعليق