المقالة

بين المدنية والتدين 1/3

لا يمكن بأي حال من الأحوال إطلاق مُسمى ثورة على ما تشهده المنطقة من حراك شعبي , والمُسمى الصحيح لما يحدث هو إنتفاضات أو هبات شعبيه دافعها الأساسي هو الأوضاع الإقصاديه السيئه, والحاجات الماديه لهذه الشعوب. إنها أقرب ما تكون لتمردات الجياع.

إنسان هذه المنطقة لم يتوفر له الشرط الأساسي لإحداث ثورة, والشرط الأساسي لإحداث الثورات هو الوعي. وعي الإنسان ليس بواقعه المُعاش فحسب ,بل وعيه الكامل بكل الظروف التاريخيه التي أنتجت هذا الواقع.

الثورات تقوم عندما يتكامل وعي الإنسان بكل أبعاد المنظومة القيميه التي حكمت حياته لعصور متطاولة والتي أسست لهذا الواقع الذي يريد أن يثور عليه.

الثورات لاتقوم لاإحدات طفرات إقتصاديه وتحسين الظروف المعيشيه للشعوب, الثورات تقوم عندما يعي الإنسان فساد منظومة القيم التي إرتضاها أو أجبر على القبول بها لتحكم حياته,مما يجعله يثور لاإسقاط منظومة القيم الفاسدة تلك وليستبدلها بمنظومة قيم جديدة تؤسس لواقع مُختلف.

الثورات تقوم لتؤسس للمستقبل ولا تقوم لإعادة إحياء الماضي , الثورات تقوم لتدفع الإنسان لإستشراف الاتي وليس للنبش في القديم للبحث عن نماذج فانيه لينفض عنها الرمال المتراكمة ويعيد إستنساخها.

الإنسان الذي يرى في الماضي نموذج قابل للإستنساخ هو إنسان غير قادر على إحداث الثورة, لأن الثورة يُحدثهاإنسان دفعه وعيه للثقة بقدراته على بناء منظومة قيم جديدة ,تكون متوافقة مع إشتراطات المكان والزمان الذي يعيش فيه.

الثورات لايحدثها إنسان فاقد للثقة بنفسه وبقدراته على صياغة نموذج مُبتكر من إبتكاره الشخصي.

إنسان هذه المنطقة هو إنسان مُعطل العقل , والإنسان المُعطل العقل هو إنسان عاجز والثورات لا يُحدثها العَجَزة.

لقد قبل إنسان منطقتنا بتعطيل عقله لصالح وصايا جاهلية توارثها عن أسلافه, ورغم أن هذه الوصايا قد أتبتث في كل الأزمنة فسادها وعدم صلاحيتها لبناء دولة تصلح لحياة الإنسان, إلا أنه لم يتوقف أبداً عن محاولاته المتكررة واليائسة ,وهو يفعل ذلك ليس لأن تلك الوصايا تُقنع عقله ,بل لزعمه بقدسية تلك الوصايا المُكتسبة من مصدرها السماوي .

عجز إنسان هذه المنطقة سببه قلة الوعي الناجمة عن محاصرته معرفياً لعصور طويلة ,مما جعله كلما شعر بفساد حياته ,وظهرت له الحاجة لبناء حياة جديدة, لايجد في نفسه الكفاءة الازمة لفعل ذلك, ولا يجد أمامه من طريق غير العودة ليتلمس بين قبور أسلافه الأموات باحثاً بين وصاياهم الجاهيلة عن وصفة تصلح ليقيم بها الأساس لهذه الحياة الجديدة التي يطمح لها ,مبرراً نُكوصه ذاك بقدسية تلك الوصايا وبالمصدر السماوي لها, والذي يجعلها صالحة بحسب زعمه لكل زمان ومكان. رغم أن هذا الزعم لايستقيم لأي عقل سليم, وهو يخالف كل سنن الحياة التي قامت على التطور وتجاوز الماضي.

وصايا الأمم الفانية حتى وإن كانت حقاً ذات مصدر سماوي لايمكن أن تكون صالحة لكل زمان ومكان,ربما كانت صالحة للزمن الذي ظهرت فيه وكانت تتناسب مع ظروف حياة ومعيشة أهل ذلك الزمن, وكان هدفها التأسيس لحياة أفضل لإنسان ذلك الزمن, ليتخد منها أساس لأنطلاقته نحو بناء وتطوير ذاته ومجتمعه, أما أن تبقى تلك الوصايا وصفة سحريه تصلح لكل الأزمنة والأمكنة فهذا هُراء لايقول به إلا إنسان معطل العقل.

قطعة جبننا المسمومة والمُقدسة :

ما جعل المجتمعات الإنسانيه تتقدم وتتطور في حين ظلت تجمعات المخلوقات الاخرى تراوح في ذات المكان هو تميز المجتمعات الإنسانيه عن غيرها بمقدرتها على تناقل الخبرات عبر الأجيال.

ظل الإنسان ومنذ ظهوره على الأرض يتعامل مع الإشكاليات التي تواجهه في شتى مناحي حياته ,ويحاول إيجاد الحلول لها بما توافر له من قدرات عقليه, ومن تم يقوم بنقل خلاصة خبراته تلك إلى الجيل الذي يليه, ليقوم هو بدوره بفعل الشيء ذاته .هذا التتابع في نقل الخبرات أنتج تراكم معرفي أوصل الإنسان لما هو عليه الان من تقدم وتحضر.

هذا التراكم المعرفي الذي ميز المجتمعات الإنسانيه وكان السبب في رقيها في سلم التطور هو ما كان مفتقداً لدى تجمعات المخلقوات الأخرىالأدنى درجة من الإنسان. تلك التجمعات الغير إنسانيه كانت عاجزة عن نقل خبراتها وخلاصة تجاربها مع ما يعترضها في الحياة مما جعلها عاجزة عن التقدم خطوة إلى الأمام. ظلت تجمعات الأسماك مثلاً جيلاً بعد جيل تفقد حياتها بذات الطُعم المُعلق مجاناً وسط الماء دون أن تتعلم أن الطعم المجاني وراءه سنارة صياد, وظلت تجمعات الفئران تلقى حتفها بذات قطعة الجُبن المسمومة جيلاً بعد جيل.

عندما يفتقد المجتمع الإنساني هذه الخاصية التي ميزته عن التجمعات الأخرى يتحول هو بدوره إلى تجمع يشبه أي تجمع أخر للمخلوقات الأدنى درجة.

شعوب هذه المنطقة التي تدين بالإسلام ظل الدين هو قطعة جبنها المسمومة, وظلت جيلاً بعد جيل ومنذ الف وأربعمائة عام تلقى المصير ذاته وبقطعة الجبن ذاتها حتى صارت أشبه ما تكون بتجمعات الفئران.عجزت الأجيال السابقة عن نقل خبراتها وتجاربها الينا, ويبدو أننا نحن أيضاً سنعجز أيضاً عن نقل تجاربنا مع قطعة جبننا المسمومة للأجيال التي ستعقبنا.

السبب في عجزنا وهو ذاته سبب عجز الأجيال التي سبقتنا ليس هو عدم إدراكنا أو إدراكها لما كان للدين من دور في تسميم حياتنا ,بل السبب هو كم القهر والإرهاب الذي مُورس على تلك الأجيال والذي لايزال يمارس علينا اليوم ويمنعنا من التصريح بخلاصة تجاربنا مع قطعة جبننا المسمومة والمقدسة.

منذ الف وأربعمائة عام وجيلاً بعد جيل ظللنا نُجر من أعناقنا بأيدي سدنة هذا الدين من فقهاء وشيوخ المؤسسة الدينيه ,وهم يوهموننا بأنهم يقودوننا إلى حضرة الله ,ويأمروننا بالسير خلفهم مُُغمضي العُيون ومُنكسي الرؤس, لأن الإله الذي يقودوننا اليه سيخطف أبصارنا لو رفعناها إلى السماء وسيحول رؤسنا البائسة إلى رؤس حمير لو رفعناها من وضع السجود . وما أن ينتهي الطريق الذي قادونا فيه حتى نجد أنفسنا تماماً عند نعل الحاكم بأمر شيطانه, ولنجد سدنة الدين يلعقون نعل ذلك الحاكم ,ويأمروننا بالإقتداء بهم في فعلهم ذاك, بزعم أن الطريق إلى الله يمر من تحت نعلي ذاك الحاكم والذي ما هو إلا ظل لله في أرضه.

بعد أن نختنق بروائح قدمي ظل الله في أرضه وتُكتم أنفاسنا بوطأة نعله على رقابنا ونتمرد عليه, نجد أنفسنا نعود طوعاً إلى قطعة جبننا المسمومة والمقدسة, ونعود لنُسلم قيدنا الذي إفتككناه للتو من ذاك الحاكم لنضعه في يد ذات الفقيه الذي أوصلنا لهذا المصير من قبل, بعد أن يكون ذاك الفقيه قد بدل جلده, لنعود وتكرر ما فعلناه من قبل ولنسير وراء ذاك الفقيه بعيون مغمضة ورؤس منكسة إلى الأرض ودون أن ندرك أنه سيقودنا وللمرة الألف إلى المصير ذاته, وأننا سننتهي عند قدمي حاكم جديد هي أكثر نتانه من حاكمنا الذي تمردنا عليه.

في الموروث القديم يقولو لايلدغ المؤمن من جحر واحد مرتان ,وإذا ما قبلنا هذا القول ليكون معيار للتفريق بين المؤمن وغير المؤمن, فإن هذه الأمم الإسلاميه التي تدعي إحتكار الإيمان هي أبعد ما تكون عما تدعيه,لأنها لُدغت من ذات الجحر, وتسممت بذات قطعة الجُبن المسمومة الف مرة ومرة.

لأربعة عشر قرناً من الزمان ظل الدين ممثلاً في المؤسسة الدينيه هو العامل الأساسي لتخلفنا ,وقهرنا ,وبقاءنا في ذيل قائمة الأمم .ظل الدين الذي قُدم لنا على أنه هو الحل لكل مشاكلنا , ظل هو مشكلتنا العويصة التي لم نجد لها حلا.

في الحين الذي إستطاعت فيه الأمم من حولنا عبر التراكم المعرفي الذي حازته بسبب تناقل خبراتها وتجاربها عبر الأجيال ,إستطاعت الوصول لمعرفة مكامن العطب والفساد في حياتها وأدركت أن الدين ممثلاً في المؤسسة الكهنوتيه كان هو سبب تخلفها وقهرها ,مما إقتضاها عزل تلك المؤسسة الجاهلة ومنعها من ممارسة سطوتها بأسم الله على أفرد المجتمع الأمر الذي أتاح لأفراد مجتمعاتها مساحة كافيه لتبدع ولتبتكر من الوسائل ما يطور حياتها ,عبر تطوير المنظومة التي تحكم تلك الحياة .في ذات الحين ظللنا نحن ندور في ذات الحلقة المُفرغة ونردد في بله المقولة الغبية التي تقول بأن أحولنا لن تنصلح إلا بما صلح به حال الأمم الفانية التي سبقتنا ,مما جعلنا كالبهائم العاجزة التي لاتملك إلا التضرع إلى رب السماوات لكي يختار لها راعي طيب القلب ,وأن لا يسلط عليها راعي شرير فاسد الخلق. قبلنا بمبدأ التسلط كقدر إلهي ليس لنا منه فكاك, ونزعنا حق الإختيار لهذا المتسلط من أيدينا لنضعه في يد السماء, والتي لم تكن أبداً رحيمةً بنا ,فقد كانت دائما تختار لنا أسوء الأسوء ,وكانها تحمل حقداً دفيناً علينا.

لم نرد أن نفهم أن السماء لاتحمل أحقاد على أحد, وأن السماء لا شأن لها بتسليط أحد على أحد, وأن السماء لا دخل لها من قريب أو بعيد بإختيار من يتولى أمور الناس .لم نرد أن نعقل أن السماء وضعت قوانين وسنن لتسير عليها الحياة . هذه السنن والقوانين قامت على ما أُودع في الإنسان من قدرات على تطوير نفسه والأرتقاء بها , وهذا التطور والإرتقاء يجب أن يُحدثه العقل, ولأننا نتبع دين يأمرننا بتعطيل عقولنا فقد تعطلت كل السنن والقوانين التي وضعتها السماء لتطور الحياة وظللنا نراوح في ذات المكان ومنذ أربعة عشر قرن.
… يتبع

مقالات ذات علاقة

هرطقات ليبي معزول (8): في يوم الوثيقة العربية 17 أكتوبر 2018

مصطفى بديوي

يوم الزّي الليبي

فاطمة غندور

صفعة من صفعات التاريخ

سالم العوكلي

تعليق واحد

خرافة الدولة المدنية الدينية | بلد الطيوب 20 فبراير, 2014 at 04:01

[…] بين المدنية والتدين 1/3 […]

رد

اترك تعليق