الكاتب الصادق النيهوم
قراءات

بين الصَّادقِ النَّيهوم وأشواقِ الآلِهَة

علي المجبري

سألني يوما أحدُ مُريدِيّ الصَّادقِ النيهوم: “ماذا تصنع إذا حفرتَ في الأرضِ؟ “

فأجبته بعفوية: “أصنعُ حُفرة”!.

“وماذا تتوقع أن تجدَ في حُفرةٍ عميقة ؟”

” ربما أجدُ الخفافيشَ أو الثعابينَ أو العقارب !”.

إذا حفرتَ في الأرض تصنعُ بئراً، وإذا حفرتَ في السماءِ تصنعُ مِئذنة!!؛ هكذا تَكلَّمَ الصادقُ النيهوم.

فما هو البئر1؟ وما المِئذنة؟، وهل تتجاذَبُ المِئذنةُ والبئر؟،أم إنّ علاقتهما ـ التجاذبيةَ ـ لن تكونَ أقربَ من علاقةِ القَمَرِ بقردِ البابون!

يقولون عن بِئرِ زَمزمَ، إنَّه بريدُ الأمنياتِ المُحَقَّقة!؛شُرْبُ زَمْزَمَ يُحقّقُ أمانيّ شارِبِه، فماذا عن بئرِ “النَّيهوم”؟. يُزوِّدُك بالمَاء!؟، يَدفعُك في طريقِ الحياة!؟.

فهل يكتفي “الصَّادقُ” بهذا؟ هل يَسمحُ لبئرِه أن يكونَ مجرّد بئر؟ بئرٌ يولدُ ويهرمُ ويموتُ، مثلما يولدُ ويهرمُ ويموتُ حافِرُهُ بجوارِه، أو بعيدًا عنه، أو غَرَقا فيه!؟.

لم يُعَرِّفْ لنا “الصَّادقُ” بئرَه.  حتى إنَّه لم يُحدثْنا عنه، ولم يُقدمْ لنا أيًّا مِن رُموزِه الكبيرة، فهو مُجرَّدُ عَقَارٍ مُجَوَّف، تَعرِفُه المُخَيّلة: (إذا حَفَرْتَ في الأرضِ تَصنعُ بئرا)!؛ فهل يدُ الإنسان، هي التي تَحفرُ الأرضَ المُظلمة؟ يَقولُ “خْوان رامون” لحِمارِه بلاتيرو: ـ الكلمةُ الرَّقراقة، الصَّائتة، هِيَ التِي تحفرُ حتَّى تصِلَ إلى الماءِ البارِد!.

كلمةُ الإنسان؛ “الكَلِمَةُ العميقة، ذاتُ الخُضرَةِ القاتِمة”!؛ فماذا كانَ “النَّيهوم” يَعنِي بفعل الحَفر؟ هل ذَهَبَ إلى الحَفر باليد أم إلى الحَفر بالكلمة؟؛  إنَّ يدَ الرَّجُلِ أضعفُ مِن كلمةِ الرَّجلِ التي هي يَدُه!؛ فالكَلِمَة، أقوَى أدَواتِ الحَفرِ التي عَرَفَها الإنسان؛ إنَّها تمضي حافِرةً، ضاربةً، ناشِبةً أحرُفَها، في الأرضِ المُظلمة أو السَّماءِ المُشرقة، أينما اتَّجَهَت.

الحَفرَ باليد ، يُنتِجُ حُفرَة .. ، والكلمة ، وَحدها ، تملَؤها بالماء!

إنَّ البئرَ ـ بشخصيتِه التاريخيةِ والاجتماعية والدِّينية ـ الذي طالما لَعِبَ دَورَ الوسيطَ بينَ الإنسانِ وآلهتِه ، ظَلَّ دائِمًا المَمَرَّ المُنتفخَ ، بقوَّةِ الكلِمَة ، على مَرِّ العُصُور؛ فعِندَ شعوبِ ما بينَ النَّهرَين ، يُقدَّسُ البئرُ ، باعتباره مَعبرِ الإلهِ السَّماء ، إلى رَحْمِ الإلهةِ الأرض؛  فهو لا يَلِجُ إلى جَسَدِها، إلا عَبر آبارِها المتوَّجَةِ بالتقديسِ المُلتهِب؛ فالإلهُ السَّماء ، يَغْشَى مَحبُوبَتَه ؛  ليبذرَ ، آلِهَةً ، تَملأُ العُلْوَةَ بالضِّياء ، وتَخْلطُ البَحرَ بالهَديرِ ، والدُّوَارِ ، واللَّمَعان؛ إنه يُخْصِبُ ما وَسِعَه أنِ يَقََعَ عليه ، مِن آبارِ فَاتِنَتِهِ ، الَّتِي لا تُقَاوَم !؛ فالبِئر ، الذي كان مُحَرَّمًا ، على الرِّجالِ الأحرار 3 ـ بسببِ دَلالاتِهِ الأنثوية ـ وَجدتْ الصَّبايا عندَهُ المَكانَ المُلْهِم ..،  فإذا هُنَّ يُدْلينَ الحِبال ، مُحاكِياتٍ شَوْقَ الفُرسانِ ، لآبارِهِنَّ ، الصَّاخِبَةِ بالحياةِ ، والموسِيقا ، والغناء .

.. وهذا البِئرُ ، نَفْسُه ، هو الطريقُ المقدَّسُ ، الذي ينزله ” السَّماء ” ، كلما طلبَ المزيدَ من الحَياةِ والمُوسيقا والغِناءِ .. ؛  فيتعانقان ، ثمَّ لا تفارِقُ البَهجةُ أيًّا مِنهما .

إنَّ السَّماءَ تَنفذُ بأشعتِها ، إلى الأماكنِ المُظلِمة ، لتجعلَ الأرضَ ، كُلَّها ، في عِيد ! .. ؛

فهل كان الصَّادقُ النيهوم ، يَعنِي ببئرِهِ مَدلولَهُ الأُنثويّ ؟ .. ؛  هل عَنَى تلك الدَلالةَ الرَّاسخةَ في الأديانِ القديمة ، مِثلما دَأَبَ الكثيرُ مِن الكُتَّاب ؟ ..

إذا كانَ ” الصَّادقُ ” قد عَنَى هذهِ الدَلالَة ، فإنَّه ، رُبَّما ، يكونُ قد مَهَّد الجِبالَ أمامَه ، لتحريرِ وإطلاقِ فَكْرةِ الذُّكورة .. ؛

.. وهي الدَلالةُ ، التي قد يَركبُها ، عندما يَحفرُ في السَّماءِ ليصنَعَ مِئذنَة ! .

” المَآذِنُ ؛ عَرَائِسُ السَّمَاء ” ! .. ؛

ما أعظمَ المِئذنة ،  عندمـا تستقبلُك ، قَبلَ أيِّ شيءٍ آخر ، وأنت تَؤوبُ إلى مدينتِك ، أو قريتِك ، أو مَكانِك ، الذي تَعشقُ وتُحِب !! .

لمْ تحتجْ المِئذنة ، إلاَّ إلى أعوامٍ قليلة ، بعدَ اقتباسِها عن مَناراتِ الحَضاراتِ المُتاخِمة ، لِتمتلكَ خَصائِصَها المَعروفة ، ولِيكتملَ نُموُّهَا العقائِديّ .. ؛ فلم تكن ثمةَ مَآذِن في عَهدِ النبيِ مُحمَّد ( صلعم ) ، وخُلفائِهِ الأربعة .. ؛  فبِلالُ المُؤذِّنُ 4 كانَ ، فقط ، بحاجَةٍ إلى سَطْحٍ ليُطلِقَ صَوتَهُ الجَميل ، مُناديًا للصَّلاة .

فما الذي حَدَثَ بعد انتشارِ الإسلام ، واتِّساعِ رُقعةِ الدَّولة ؟ :  ـ ” نَشَأتِ الحاجَةُ إلى المِئذنة ” ،  فأطلقَ مُعاوِيَة بن أبي سُفيان ( رَضِيَ اللهُ عنه ) ، أوَّلَ مِئذنةٍ في تاريخِ المَساجِد 5 ؛ .. فَمِن أعْلاَها يَنطلقُ الآذان ، وتُعلَنُ بَياناتُ الدَّولةِ ، على حَدٍّ سَواء .

وقبلَ أنْ يَموتَ مُعاوية ، تحَدَّدَت ، نِهائياً ، دَلالةُ هذا البُرْجِ الشاهِق ؛  فَيومَ أُبْعِدَتْ عنه أصواتُ البَرَّاحِين ، اكتسَبَ اسمَ ” المِئذنة ” .. ؛  وانتهت ، إلى الأبد ، مُسمَّياتُه القديمة ، مثلَ ” الصَّوْمَعَة ” و” المَنارة ” .. ؛  ومنذُ ذلك الوَقت ، ارتبطت المِئذنةُ بحَياةِ المُسلِم ! .

فالمِئذنة ، إذَنْ ، تَحَوَّلت ، على أيدي المؤمنين ، مِن طِرازٍ مِعماري إلى رَمْزٍ دينيّ ،  لتكونَ أحَدَ أبرَزِ مَعالمِ المِسجد 6 ، حتَّى إنك لا تتخيَّل مَسجدًا دُونَ مِئذنة .. ؛

فها هي تنبثِقُ مِن الأرضِ ، كما تنبثقُ النَّخلة ؛  فتصعدُ في السَّماء ، لِتُشْرِفَ مِن فوقُ ، على المُؤمنين .. ؛ كُلِّ المؤمنينَ التي هِيَ مِئذنتُهُم ! .

فهل المئذنةُ هي مُجرَّد دَلالةٍ عقليةٍ على وُجُودِ مَسجد 7 ؟ ؛  وبمعنَى آخرَ هل وُجِدَت لتَدُلَّ على المَسجدِ في سَماءِ المدينة ؟ .. ؛ .. إنَّ المآذِنَ وُجِدَت لتربطَ الأرضَ بالسِّماء !.

فماذا كان ” النيهوم ” يَعني بالمِئذنة ؟ :  ـ أهو ذلك الاتصالُ المُؤمِنُ بينَ السَّماءِ والأرض ؟  أمْ إنَّهُ صَاغَ ، وأرْسَلَ ، وساقَ أفكارَهُ ، بَل وهَشَّ عليها ، ليَصِلَ إلى أبعدَ مِن ذلك ؟ .

هل يمكنُ أنْ يكونَ قد مَهَّدَ بحَفرِ البئر ، لإحْيَاء ، وتَحْفِيز ، وإطلاقِ فِكرةٍ كانت مَصدرَ إلهامِ الرِّجالِ والنساء ، قَبْلَ ثلاثةِ آلافِ سَنة !؟ : .. ؛  ” إذا حَفَرْتَ في الأرضِ تَصنعُ بئراً ، وإذا حَفرتَ في السَّماءِ تصنعُ مِئذنة !! ” ..؛  فمنذُ القِدَم ، وُجِدَ مَن يَربطُ المَناراتِ والأبْراجَ والصَّوامِعَ بدَلالاتِ الذُّكورَةِ والخُصوبَة ؛ حتَّى وإنْ اختلفوا في تَعْيِينِ الإلهِ الذَّكَر ، والإلهَةِ الأنثَى ؛  فإذا كانت حَضاراتُ بِلادِ الرَّافِدَيْن ، تجعلُ مِنَ السَّماءِ الذَّكَرَ الأوَّل ، فِأنَّ السَّماءَ ذاتَها عندَ الفَرَاعِنَة ، هِيَ الأنثى ناعِمَةُ الرَّحْم ، زوجةُ ” الأرض ” ؛ الخَشِن ، واسِع العَيْنَين .

فالسَّمَاءُ المَفتوحَة ، هِي في حالَةِ سُكْرٍ ، ورَقصٍ ، وشَوقٍ ، إِذْ تَرَى سَيِّدَ حُبِّها ، طوَالَ النَّهار !

إنَّ السومَريين ، والبابليين ، والأشُورِيين ، الذين اعتزُّوا بفُحُولةِ السَّماء ، كانوا ، أقَلَّ خَيالاً ، مِن جِيرانِهِم المِصريين ، الذينَ جَعَلوا مِن الأرضِ ، إلَهًا ذَكَرا ، قَويَّ البِنْيَة ، عَظيمَ الشَّأن .. ؛ انظُرْ ! إنَّ السَّماءَ ، تَنزلُ على الإلَهِ الأرْض ، وهيَ تَسْطَعُ فَوْقَه ! .  (ربما هكذا تُغَنِّي ، في نفْسِها ، الآلِهَة).

الرَّمْزِيون ، إذَنْ ، يمكنُ أنْ يجِدوا ضالَّتَهُم ، بَين أبْراجِ هذهِ الدِّيانة .. ؛  فالأرضُ ، هوَ (رَجُلُ) السَّماء ، الذي يَمْلؤُها ، بآلافِ النُّجوم ، والكَواكِب ، والأقْمَار ؛ فالبُرْجُ هو شيءٌ يُصنعُ مِن أخْلاطِ الأرض ، يَصعدُ مِنها ، ويَذْهَبُ في السَّماء في مَشْهَدٍ واقِعيّ .. ،  حتى لَكأنَّهُ يَحْفرُها 8 ! .

فهل صَنَعَ الإنسانُ البُرْجَ ، ليكونَ رَمْزًا لاتحادِ الأرضِ بالسَّماءِ ؟  هل كان  أيْقُونَةً ، تُجسِّدُ ذُكورةَ الأرض ، ” الغائِصَة ” ، صُعُودًا ، في السَّماء ؟ .. ؛ .. أيْقُونَةُ الطَّاقَةِ الواعيَة ، المُتَحَفِّزَة ، المُبصِرة ، التي لا تُطيقُ النَّوم ، ولا يغمضُ لها جَفْن ! .

ولكن ، هَلْ يُمكنُ أنْ تنطبقَ دَلالاتُ المَنارةِ أو البُرجِ أو الصَّوْمَعةِ على المِئذنة ؟ .

وهل يُمكنُ أنْ يكونَ ” النيهوم ” قد قاسَ المِئذنةَ بالبُرْج ؟ .. أو ألْصَقَ بالمِئذنَة ، تلكَ الدَّلالاتِ التي أحاطتْ بالبُرْجِ ، أو المَنارة ، أو الصَّوْمَعَة ، في العُصورِ الغابِرَة !؟ ..؛ إنَّ المِئذنةَ ، تنفرِدُ بخُصوصيَّتِها الرُّوحيَّة ، ودَلالتِها الدِينيَّة .. ؛ المُسلِمونَ لمْ يُخَلِّدُوا المِئذنةَ لأنَّها أداةُ إنجابِ الآلِهَة ، أو لأنهُم بحاجةٍ إلى المَزيدِ مِن الآلِهَة ! ؛ فالمئذنةُ التي ترتبطُ ، رُوحيًّا وعَقائِديًّا ، بالإنسانِ المُسلِم ، لا ترتبطُ مادِّيا إلاَّ بشَخْصِ المُؤَذِّن ! .

كُتَّابٌ كثيرون انْبَروا للعلاقةِ البائِدَة ، التي رَبَطت الإلَهَ الأرضَ بالإلهةِ السَّماء ؛  فأرْخَوا العَنانَ لخيالِهِم ، مُطلقين مُقَدِّماتٍ ، ونَظريات ، و تَوَهُّمَات  ، ليَربطوا ، بعِلَّةٍ أو بغيرِ عِلَّة ، ذلك البِناءَ الشَّاهِق ، بعُضْوِ جَسدٍ بَشريّ .. ؛ فَها هُم ، يَستَوْرِدون كلَّ أنواعِ الصَّمْغ ، للصْقِهِ بهَذا العَقار ! .. ؛ حَتَّى إنَّ نَفَرًا مِن كُتَّابِنا ـ المُسلمين ـ ، تَعَرَّضُوا لهَندَسَةِ بِناءِ المَسْجِد ، بالتَّقَوُّلِ والتجرِيح .. ؛  : ـ فالقُبَّةُ ، ليست أكثرَ مِن بَطْنِ امرأةٍ مُنتفخ ، بفِعلِ المِئذَنة 9 ! .

إنَّ أعداءَ الإسلام ، مِنْ يهودٍ ، ومسيحيين مُتطرِّفين ، لمْ يَعطوا للمِئذنة ، دَلالةً تَخْدشُ حَياءَها ! .. ؛  فهي عندهم ، ترمزُ إلى سَيفِ الفاتحين .. ؛  لذلك ، نادوا بإلغائها ، وإسقاطِها ، وهَدمِها ، وإخفائها ، وإزالتِها من مَساجِدِ مُدُنِهِم ! .. ؛ .. حتى لا تُؤذِي عُيونَهم الزَرقاء ، وتُنْقِصُ استقلالَهم 10 !! .

إنَّ أحَدًا لمْ يتأذّ ، مثلما تأذَّى المسلمون ، مِن بعضِ كُتَّابِنا ، الذينَ جعلوا مِنَ المِئذنة ، رَمزًا يَهبط ، ويَسقط ، ويَقع ، ويَغرق ، أكثرَ بكثير ، من هُبوطِها ، وسُقوطِها ، ووُقوعِها ، وغَرَقِها ، على أيدي أعداءِ المُسلمين ! ؛ فمَا أنبَلَ دَلالةَ السَّيفِ مُحاسَبَةً بدَلالةِ الغَريزَة ! .

هذه المِئذَنَة ، ليست رمزًا لسيوفِ الفاتِحين ، ولا مُحاكاةً لذُكُورَةِ الآلِهَة .

المِئذنة ارتبطتْ بحياةِ المُسلِم ؛ تَحْمِلُ ما تحملُ مِنْ رُوحٍ ، وهَويَّة ، ودَلالة ؛  حتَّى إنَّكَ لو أنشَأْتَهَا ـ بمُفردِها ـ فِي صَحْرَاءَ ، لأعْتَبَرَ المُؤمِنُ الصَّحراءَ كلَّها مَسْجِدا ! .  هذه هي عَقيدةُ المُسلِم .

إنَّ الصَّادِق النيهوم ، حقيقةً ، لم يُفْصِحْ بأيِّ شِيءٍ مِن هذا ، ولمْ يُخبرْنا عن مَدلولِ الحَفْرِ في السَّماء ، الذي أنتجَ لهُ المِئذنة .. ؛ بالطَّبْع ، إنَّ ” النيهوم ” لمْ يُرْسِلْ فِكرةً كهذِه ، لمُجرَّدِ أنْ يُرسِلَها ، وهو الدَّارسُ لتاريخِ الأديان ، العارِفُ بالآلهةِ القديمة .

فـَ ” الصَّادق ” ، علَى عِلاقةٍ واعِيَة بجميعِ الآلهَة .. ؛ فهو يَعرفُ مَنْ يجُوبُ الفَضاء ، أو يَسيرُ ويُسبحُ في الأرضِ والبِحار ؛ .. إِلَهًا إِلهًا ! .

إذَنْ ، مِنْ أينَ جاءَ ” الصَّادقُ ” ، بفكرَةِ الحَفْر ، والحَفر المَقلوب ؟ :

قبل ثلاثينَ قرنًا ، أطلق البابليونَ فِكرةَ التَّكامُل .. ؛ : ” الهَدفُ مِن البُرج ، أنْ يَعكِسَ على الأرضِ ما كانَ فِي السَّماء ! ” ؛

.. وتجسيدًا للفكرة ، كانوا يُنشِئونَ الأبراج ، والمَنارات ، والصَّوامِع ، عند الأنهار وبحيرات الماء ، حتَّى تنعكسَ على المَاء .. ؛ فتبدُو للرَّائِي كالآبار ! .. ؛ فالبئرُ هو مَنارةٌ مَقلوبة ، والمَنارةُ هِي بئرٌ مَقلوب !! .. ؛ هكذا قال البابليون ، وهذا ، ببساطة ، ما قَدَّمَهُ الصَّادقُ النيهوم : ( عِندما حَفَرَ في السَّماء ليصنعَ مِئذَنَة ) !!.

_______________

هوامش

تقول في اللغة هذا بئر ، وهذه بئر ( وهي الأفصح ) ، ولكنني ذهبت إلى تذكيره لأسباب تتعلق بالتنغيم الصوتي .

خوان رامون خيمينيث ( شاعر وفيلسوف  1881 ـ 1958 ) ، في رائعته الفلسفية الخالدة ( أنا وحماري ) .

بموجب تقاليدِ وأعراف العفة والشهامة لدى البابليين ، وقد سرى هذا العُرف ، حتى بدايات القرن العشرين ، في أماكن مختلفة من منطقتيّ الشرق الأوسط والبحر المتوسط .

بلال بن رباح ( رضي الله عنه ) أول من رفع الآذان في أمة الإسلام . وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة ، ..توفي بلال في الشام مرابطا في سبيل الله ، ودفن في دمشق ، سنة عشرين للهجرة..

ألحقها معاوية بن أبي سفيان ( رضي الله عنه ) بالجامع الأموي بمدينة دمشق ، وكان ذلك عام 45 هجرية .

إنَّ مكانةَ المِئذنةِ لم تتأثر ، حتَّى عندما أُُنْزِلَ المُؤَذِّنُ مِن شُرفتِها ، لِتَحْتَلَّها مُكبِّراتُ الصَّوت ، التي غَزَتْ مَآذِنَنَا ، منذ مُنتصفِ القرنِ الماضِي .

منذ العصر الأموي وحتى العصر العثماني اتخذت المئذنة أشكالا لا حصر لها ، فهي مربعة ، ومدورة ، وملوية ، ومثمنة ، وعالية ، وشاهقة ، وضخمة ، ومتوجة ، وبُرجية ، ـ وحتى هَزَّازَة ـ ، ووصولا إلى ذات النهاية القلمية ؛ التي تحاكي قلمَ الرصاص .

يرى أهل بالبل ، أنّ البرج هو الدرج الصاعد إلى السماء .. ؛ فهو البداية التي تؤدي إلى السماء .

القبة والمئذنة عندهم تُجسدان فكرة الخلق !!  فيَستشهِدون بأيقونتيّ الهِلالِ والنَّجْم ، اللذَينِ يَعلوانِ قِمَّةِ المِئذنة ؛ ولأنَّهما كانا مِن أبناءِ الآلهة ، عِند عَربِ ما قبلَ الإسلام ، فهُما ، إذَنْ ، ابنا المِئذنة والقُبَّة !

فالمتطرفون السويسريون ، مثلا ، يقولون : إذا كانت المِئذنةُ لمْ تَعُد تستخدمُ لإيصالِ صَوتِ المُؤذِّنِ إلى مَسـافاتٍ بعيدة .. ؛  فلماذا توجَدُ والمُسلمون لا يستخدمونها ؟ .. وليجدوا لذلك معنى فقد أطلقوا نظريتهم في المئذنة والاستعمار : ” أنَّ الأرض التي تقام عليها مِئذنة ، هي أرضٌ مُحررة ، حسب عقيدة المسلم ! ” ، لذلك نادوا بإسقاطها ، وإلغاء تراخيصها ، وإزالتها من المَساجدِ التي تم تشييدها في كانتوناتهم ومُدنِهِم !!.

_______________

نُشرت بصحيفة قورينا ـ عدد الاثنين 15 / 6 / 2009.

19.06.2009

مقالات ذات علاقة

عزة المقهور وثلاثون قصة طرابلسية (3)

المشرف العام

الدكتور عبد الرحمن بدوي: “سيرة حياتي” .. أيام الدكتور في ليبيا

إيناس المنصوري

لمحة عن تاريخ‮ ‬ الفنون التشكيلية في ليبيا

المشرف العام

اترك تعليق