النقد

بينَ سَطوَتَينِ ..

تقديم لديوان الشاعر “جمعة عبدالعليم” (سطوة كاذبة) بقلم الشاعر والباحث “جمعة الفاخري

الشِّعرُ إبحارٌ شَائقٌ مختلفٌ، اِرتحالٌ بالكَلِمِ المُلَغَّمِ بِالدَّهْشَةِ، تجدِيفٌ ماتعٌ في يمِّ المجازِ، وَسِبَاحَةٌ رَائقَةٌ في أعمَاقِ المعَاني البَهيَّةِ، إِيغَالٌ آسِرٌ في قاصياتِ التَّفاصيلِ الحميمةِ، استخراجٌ للآلئ المعنى، وَصَدَفَاتِ التَّجَلِّي، هو رهانٌ أثيرٌ للوصولِ للشُّطآنِ الأَبْكَارِ، اِصْطِيَادٌ لِلمَعَاني التي لم يَعْتَدْهَا النَّاسُ، ولم يَصِلْهَا مجدِّفُو الكَلاِم، ولم تطأْهَا أقدامُ مُغَامري المعاني، وسُوَّاحِ التَّفاصيلِ، هوَ سَفَرُ الأَعْمَاقِ إِلَى الأَعْمَاقِ.
 

المجموعة الشعرية سطوة كاذبة


والشَّاعِرُ الفَذُّ بحَّارٌ محترفٌ، جَدَّافٌ مختلفٌ، لا يُكَرِّرُ السِّبَاحةَ في ذاتِ الميَاهِ الشِّعريَّةِ التي غَمَرَ قَلَمَهُ فيها قبلُ، ولا تلكَ التي لَوَّثَهَا الآخَرونَ بالتِّكْرَارِ، وَعَكَّرَها الْمُكَرِّرُونَ بِالاجْترارِ والاستنسَاخِ، فَالمكرَّر يُصِيبُ رُوحَ الشِّعْرِ في مَقْتَلٍ، إِنَّهُ يحشُو الأَعْمَاقَ سَأمًا وَضَجَرًا واكتِئَابًا.
 
وَالشَّاعِرُ الفَرْدُ المتَطَلِّعُ – أبدًا – إلى الآفاقِ العصيَّةِ، َلا يُكَرِّرُ، فهو يَتَجَافى عنِ التَّقليدِ، ويتعالى عنِ الاستنسَاخِ، ويتسَامَى عنِ الاجترارِ، وينبو عنِ الاعتيَادِ، يُغري روحَهُ بالتَّحليقِ الفاتِنِ، يترُكُ لحرفِهِ فتنةَ مُعانقَةِ السَّمَاوَاتِ المضيئَةِ، المعنى لديهِ طائرٌ ذهبيٌّ لا يحطُّ على أرضٍ، فهوَ يُرِسلُ روحَهُ خلفَهُ أبدًا، يتبعُهُ بقلبِهِ وقلمِهِ، يمتطي فِي أَثَرِهِ بُرَاقَ المجازِ، ويُفرِدَ أَجْنَحَةَ الاستِعَارَاتِ الْمُسْتَعِرَةِ لِلَّحَاقِ بِهِ ..
والشَّاعِرُ جمعة عبد العليم يحاولُ أن يكونَ كذلِكَ، طائرًا منفلتًا لا يَطيبُ لَهُ الجثوُّ ولا القَرَارُ، شاعرًا يرسلُ عينينِ قلقتينِ تجوسانِ الأمكنَةَ الأبكارَ، ترتادانِ الفضاءاتِ المُمْكِنَةَ، يُجرِّبُ أداواتِهِ الشِّعْرِيَّةَ في رَسْمِ جغرافيا القصيدَةِ، وتحديدِ معالمِها الفاتنةِ، يُجرِّدُ مجازَاتِهِ الطَّازِجَةَ في وَجْهِ الاعتيَادِ المقِيتِ، وَيُعْلِنُ نفسَهُ مُتَمَرِّدًا على التِّكْرَارِ القتولِ. ليُقَدِّمَ لَنَا ذاتَهُ الشِّعْرِيَّةَ الوَارِفَةَ من خِلالِ ديوانِهِ (سَطْوَةٌ كَاذِبَةٌ)، عبرَ قصائدَ مُثقلَةٍ بالقلقِ والحزنِ، ومترعةٍ بِعذاباتِ الإنسانِ، عاكسَةٍ لطموحاتِهِ وآمالِه وآلامِهِ.
 
(سطوةٌ كاذبة)، عتبَةُ الدِّيوَانِ الأُولى، مُدْخَلُ التَّأويلِ الوَاسِعِ عَلَى عَوَالِمِ الشَّاعِرِ، توحي لنا بأنَّ قوَّةً قَاهِرَةً تجثمُ على رُوحِ الدِّيوانِ، على رُوحِ الشَّاعِرِ ضَبْطًا، حتَّى وإِنْ كانَ الشَّاعِرُ قَد هَوَّنَ من َسْطوَتِها، واسْتَهْوَنَ جَبَرُوتَها، إِلَّا أَنَّهَا – كَمَا سَتَتَّضِحُ لنا – سَطْوَةٌ غَشُومٌ، مُتَوَحِّشَةٌ، مُتَغَوِّلَةٌ، إِذ لا سَطْوَةَ تعلو على سَطْوَةِ الحُزْنِ، والقَهْرِ، وَالعَذَابِ، وَسطوَةِ الفقدِ، وفَظَاعَةِ الموتِ.
هذهِ الـ (سطوةُ الكَاذِبَةُ) حَاوَلَتِ الاستيلاءَ على وِجْدانِ الشَّاعِرِ، واحتلالِ أعمَاقِهِ، وتلوينِ تعابيرِهِ بسوادٍ قتومٍ.
 
هذهِ السَّطْوَةُ الكَاذِبَةُ /الصَّادِقَة بمجترَّاتِها الوَخِيمَةِ منَ الأَحْزَانِ، وَبِحُمولَاتِها الثَّقيلَةِ منَ القَلَقِ وَالوَصَبِ والرَّهَقِ، يفرضُهَا الموتُ على أعماقِ الشَّاعِرِ، وَيُدَاهِم بها مَشَاعرَهُ، ويكبُتُ أحاسيسَهُ، سَطْوَةٌ لم تَدَعْ لِسِوَاهَا مُعَانِقَةَ أَسَارِيرِهِ، فمن بعضِ سَطْوَتِهَا إِنَّهُ يَبْكِي الطِّفْلَ الْمُسْتَكِنَّ في أَعْمَاقِهِ، طِفْلاً لم يَكْبَرْ، ولم يَعِشْ، ولم يَسْتَطِعْ نِسْيَانَهُ، فَهْوَ يَبْكِيهِ كُلَّ حينٍ، يَسْتَحْضِرُهُ في قصيدَتِهِ ( سطوة كاذبة )، قائلًا:
أريد أن أبكي
كالأطفال..
طفلًا …..
لم أتناوله كالآباء
عاملته كرجلٍ
فغادر سريعًا
حفاظًا على طفولته
أخذ معه البهجةَ
فصارت الأعيادُ
بلا قناديل،
الألوانَ ….
فصارت
الحياةُ
باهتة..
 
ذَاكَ الطِّفْلُ الَّذِي يَسْطُو غِيَابُهُ على الكِبْرِيَاءِ، وعلى الحيَاةِ نفسِها، بِسَطْوَةِ هَذَا الحزْنِ الزَّنِيمِ الَّذِي لَا يُبَارِحُ مخيِّلَةَ الشَّاعِرِ، وَلا يَتَوَرَّعُ عنِ اقتحَامِ تعَابيرِهِ بفظاظةٍ، والتَّنَاسُلِ بِفَظَاعَةٍ في تَضَاعِيفِ أبياتِهِ، من مقطعٍ لآخرٍ، ومن قصيدةٍ لأُخْرَى، ها هو يتكرَّرُ في قصيدةِ ( استذكار )، يقولُ :
” وُلِدتَ فجرًا
كأنك تستعجل الحياة
غادرتَ مساءً
كأنك تستبطئ الموت
ما بين ذاك الفجر
وذاك المساء
شخبت أثداء اللَّذَّةِ
فوقَ كلِّ شبرٍ
من روحك الصاخبة …”
 
وَتَتَبَدَّى لَنَا فَدَاحَةُ هَذِهِ السَّطْوَةِ حِينَ نَعْبرُ عَتَبَتَهُ الثَّانيَةُ / الإِهْدَاءَ ، فَالشَّاعِرُ يَجْمَعُ في إِهْدَائِهِ بَيْنَ خَمْسَةِ مُفْرَدَاتٍ مُتَبَايِنَاتٍ، ثَلَاثَةٍ منها محزنةٌ كَئيبَةٌ، واثنتَانِ حَسَنَتَانِ طَيَّبَتَانِ.
خَمْسُ سَطْوَاتٍ تَدَرَّجَ في ذِكْرِهَا بِحَسْبِ قُوَّةِ سَطْوَتِهَا، وَفَدَاحَةِ تَأْثِيرِهَا، وَجَسَامَةِ حُضُورِهَا، إِذ يُهْدِي لَهَا دِيوَانَهُ هَكَذَا:
” إلى الموت..
والحزن..
والحرب..
والحب..
والجمال..
الخماسيَّة التي أنتجت هذا الديوان “.
 
إِنَّها ثيماتُ الدِّيوانِ الخَمْسُ، مفاتيحُ الولوجِ إلى قصائدِهِ، وإلى عوالمِ الشَّاعِرِ، خَمْسُ مَحَطَّاتٍ يُفْضِي بَعْضُهَا إلى بَعْضِ، وَتُحِيلُ إِحْدَاهَا إلى الأُخْرَى، أَو الأُخْرَيَاتِ، وَقَدْ كَتَبَهَا الشَّاعِرُ بِشَكْلٍّ عَمُودِيٍّ، كَأَنَّها دَرَجَاتُ سُلَّمٍ، لَكَأَنَّهَا تَدَرُّجَاتٌ مُتَنَاقِضَةٌ تَبْدَأُ بِالرَّأسِ ( الموتِ ) لِتَنْتَهِيَ بِالقَدَمَيْنِ ( الجَمالِ )، وَلَعَلَّ الموتَ أَعْلَاهَا وَأَفْظَعُهَا، والجَمَالَ أَحْلَاها وَأَرْوَعُهَا.
 
وَفِي هَذِهِ ( السَّطوَة الكَاذِبِةِ ) لا تَفْتَأُ نَغْمَةُ الحُزْنِ تَعْلُو عَلَى نَغْمَةِ الفَرَحِ، ذَلِكَ لأَنَّ وِجْدَانَ الشَّاعِرِ مَزْرُوعٌ بِالحُزْنِ وَالأَسَى، مُكْتَظٌّ بِالآلامِ والعَذابَاتِ، على حِسَابِ الفرحِ والأملِ، وهذا نِتَاجُ مُعَانَاةِ الشَّاعِرِ، وَمُقَاسَاتِهِ جَرَّاءَ ما يمرُّ بِهِ وَطَنُهُ المألُومُ المأزومُ، الْمُبْتَلَى بِكَوَارثِ الحُرُوبِ الفَاحِشَةِ، وَطَوَامِ النِّزَاعَاتِ الفَادِحَةِ، وَمَآسِي الْمَطَامِعِ الدَّنيئَةِ التي فَتَّتَتِ البِلَادَ، وَأَرْهَقَتْ أَهْلَهَا، وَشَرَّدَتْ أبناءَهَا، وَعَصَفَتْ بِأَمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ. يَقولُ عبدُ العليمِ من قصيدَةِ (حين تنقطع الكهرباء) :
“… آه أيها الوطن..
من يلتفت في حمَّى الصِّرَاعَاتِ
إلى جراحِكَ الغائرة..
من يعيدُ الابتسامة
إلى الأفواهِ التي كَمَّمَتْها
أتربة القبور …”
 
إِنَّهُ نَصٌّ جَمِيلٌ، لكنَّ المفْتَتَحَ الطَّوِيلَ قَبْلَهُ لم يَرُقْ لِي، وَكَانَ بِإمْكَانِ الشَّاعِرِ أنْ يَعْبُرَ مِنْهُ بِأَقَلِّ خَسَائِرَ لَفْظِيَّةٍ مُمْكِنَةٍ.
وَلأَنَّ الشُّعَرَاءَ يحملونَ أَلْوَيَةِ الفَرَحِ، وَيُؤَرِّخُونَ لِلْمَحَبَّةِ الخالِصَةِ، وَيُرَوِّجُونَ لِلْجَمَالِ النَّقِيِّ، ها هوَ جمعة عبد العليمِ يَدْعُو الشُّعَرَاءَ إلى قائمَةِ دَعَوَاتٍ قِيمِيَّةٍ لِيُعَانِقُوهَا، لِيُمَرِّرُوهَا لَنَا، لِلنَّاسِ، فَيُدَشِّنُ الشَّاعِرُ قَصِيدَتَهُ ( دعوةٌ )، بِهَذَا المُسْتَهَلِّ الفَخِيمِ :
” أيها الشعراء
اخرجوا عن جوقة
تمجيد الموت
واكتبوا قصائدكم
……………..
……………..
اكتبوا عن آهات
البنت التي ترَمَّلَت
في مقتبل العرس
دموع الأم التي
لا تدرك
معنى ربيع
يزهر بجثث أبنائها
أسى طفل
يستقبل يومه الأول
في المدرسة
دون ذراع والده
عن زوجة
تقايض الشهادة
ببهجة الرفقة …”
 
لَكِنَّهُ وَهْوَ الممتلئُ بحبِّ وَطَنِهِ النَّازِفِ، المهمومِ بمآسِيهِ، يَتَناسَى شَاعِرِيَّتَهُ، فَيَتَسرَّبُ قَصِيدُهُ مِنْهُ إِلَى مَهَاوِي الخطابيَّةِ، إلى المبَاشَرِةِ الْمَحْضَةِ:
” …. اكتبوا عن الخوف
يسكن الأنفس الحائرة
والفساد …..
ينخر جذور
الدولة الوليدة
اكتبوا ليبيا
تنهض من كبوتها
تزرع الأمل
في برك الدماء
تشيِّد أمنًا
لتتَّقي لعنةَ الانتقام
تداوي جراحها
ببلسم التسامح.”
 
وَيَبْدُو أَثَرُ الاحْتِرَابِ مَاثِلًا فِي جُلِّ قَصَائِدِهِ عَنِ الوَطَنِ، فَصُورُه تَنْزُفُ قَهْرًا وَحَسْرَةً، وَتَعَابِيرُهُ تَنُزُّ وَجَعًا وَاحْتِرَاقًا، وَمَقَاطِعُهُ تَنْفُثُ آهَاتٍ مَلْأَى بِالَأسَى وَالعَذَابِ، نقرأُ من قصيدتِهِ ( النوم على تضاريس صورة )، وهو عنوانٌ لامِعٌ مُسْتَفِزٌّ في حَدِّ ذاتِهِ:
” أصدق من قصيدة
رجلٌ يشتري
وطنًا برصاصة
أروع من قصيدة
امرأة تتبتَّل
في معبدِ شهيد
أحزن من قصيدة
طفلة تنام
على تضاريس صورة …
أي وطن هذا الذي
ترخص فيه الدموع
ترخص فيه الدماء
ترخص فيه الحياة
ويُشرِّع ….
نوافذ الاحتمال
على باحة الموت
دعونا ….
نتناول قهوتنا
ونحن نتابع
أحوال الطقس
مُيمِّمينَ صَوْبَ نزهةٍ..
 
وعبدُ العليم يَتَشَهَّى قَصِيدَةً نَادِرَةً تَدُورُ فِي خَيَالِهِ، قصيدَةً مختلفة،ً سَعْيًا منهُ لامتطَاءِ صَهَوَاتِ القَصَائِدِ المجنَّحَةِ، فهو يرسمُ معالمَها في قصيدَتِهِ: ( القصيدة التي أريدها )، يقولُ عنها:
أريد أن أكتب قصيدة
هل يمكن للخبَّاز
أن يفقد
سِرَّ السَّبك؟؟
هل يمكن للنار
التي تتأجَّج
أن تعجز
عن لحظة النضج؟؟
………………..
حين أدرك ما أقول
حين أُفرِغُ
صهير الحزن
على وجه ورقة
حين أنحاز لذاتي
وأتكَّور على إعاقتها
هل يكون ذلك شعرًا؟؟؟
 
وهوَ يَتَخَيَّرُ المؤثِّرَ الَّذِي يُوقِدُ فَتِيلَ القَصِيدَةِ، الخَالِيَةَ مِنْ دَسَمِ الذَّاتِ، طَارِحًا منها الأَنَا الضَّيِّقةَ، يَقُولُ:
” أتصيَّد لحظات حزني
أيها يصلح
لإشعال لغة القصيدة؟؟
أيها يقدر على
استخلاص الشعر الخالي
من شوائب الأنا …”
 
لكنَّهُ قد يصطدمُ بعجزِ اللُّغَةِ عنِ الإيفاءِ بقدراتِها التَّعبيريَّةِ والدَّلاليَّةِ، وَتَلَكُّؤِ القَصَائدِ عَنِ البَوْحِ بِأَحَاسِيسِهِ ومكنوناتِهِ، يقولُ من قَصِيدَةِ (حـــيرة) :
” ماذا أفعل حين تعجز
دلاء الكتابة
أن تنتشل عمق الأحاسيس؟؟
ماذا أفعل
وشبق القصيدة
أكبر من قدرة القلم
تنتابني القصائد
غامضةً كالكوابيس
تشخر في أذني
حتى الصباح …”
 
وَلَعَلَّ من أَجْمَلِ نُصُوصِهِ وَأَصْدَقِهَا قَصِيدَتُهُ (ذَاكَ أبي)، فَهْوَ يَسْتَدْعِي فيها صورَةَ أبيهِ، مؤطَّرَةً بتفاصيلَ حميمَةٍ تُمَجِّدُ شخصيَّتَهُ البَدَوِيَّةَ المكافِحَةَ، شخصيَّةَ أَبٍ يُلْقِمُ أَبْنَاءَهُ حُبَّ الحيَاةِ والنَّاسِ، وَيَدُسُّ في أَعْمَاقِهِم القِيمَ والمرُوءَاتِ، مُلَقِّنًا إِيَّاهُم أَعْظَمَ صُوَرِ التَّحَدِّي، مُنْكِرًا ذَاتَهُ عَلَى حِسَابِ الأَبْنَاءِ، مُتَجَاوِزًا الأَنَا لِمَصْلَحَةِ الآخَرِينَ:
” ذاك أبي ..
يبذر الحكمة
أمام مناقير الفهم
يسرج جموح انفعالاته
ويلقمنا فن الاختلاف
يصارع ولا يتبلَّى …”
 
مِنَ النُّصُوصِ المغموسَةِ في الأسى، المترعَةِ بِالحَسْرَةِ قصيدَتُهُ ( اِغتيالُ علَمٍ )، فهوَ يَفْضَحُ فيها حِقدَ وغباءَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اِغتَالُوا عَلَمَ بِلَادِهِ، فاغَتالُوا من خِلالِهِ الطُّفُولَةَ وَالقِيمَ وَالجَمَالَ، وَالوَطَنَ نَفْسَهُ، فَيُصَوِّرُ بَشَاعَةَ الوَاقِعِ قائلاً:
” يُطلِقُ الجنديُّ
رصاصةً على
العلَمِ
المرسومِ
على كَفِّ طفلٍ …
دمٌ أحمرُ قانٍ
بارودٌ أسود
عُشبٌ أخضرُ يافع
من جديدٍ …
تتكوَّنُ ألوانُ العَلَمِ! ..”
 
وَكُلَّمَا أَوْغَلْنَا فِي مُعَانَقَةِ قَصَائِدِ هَذَا الدِّيوَانِ، اِزْدَادَتْ مُتْعَةُ القِرَاءَةِ، وَتَبَدَّتْ لَنَا فِتْنَةُ القَصِيدَةِ، وَأَسَرَتْنَا الْمَجَازَاتُ العَالِيَةُ، فَحِينَ يُخَاطِبُ ظِلَّهُ، الآخِرَ الِّذِي يُشْبِهُهُ، يُلَازِمُهُ، يُقَاسِمُهُ الأَحْزَانَ نَفْسَهَا، وَالآمَالَ ذاتَهَا، هَا هُوَ يُنَاجِيهِ في قصيدَتِهِ (ظِلــِّــــي):
” أراكَ في ظلمة الروح كأنك مثلي
تجتر ما أودع الأمس بين فكيك
من بهجة الأسئلة
تدفعك الحاجات
صوب طاحونة العيش
وتعلق رغباتك
في شراك الذاكرة …
كأنك مثلي
تُطيِّـــر بالونة الأمنيات
رافعًا مداك إلى أقصى احتمال
مشدوهًا ببهجة الارتقاء
مدفوعًا بلذة المقامرة
ذاهلًا عمّا تدوسه
من أشراك الرتابة …”
 
وعبد العليم يتغيَّا لقصيدَتِهِ طقوسَ ميلادِهَا، ويشترطُ أجواءً مثاليَّةً تتيحُ لَهُ أَنْ يَنْثُرَهَا عَلى الأَسمَاعِ، يَقُولُ من قَصيدَةِ (طقوسٌ):
“… أحب أن أهمس قصيدتي
في خلوة..
في آخر الليل
أو عند بزوغ الفجر
مع زقزقة طائر..
عند غصةٍ
في حلق أم ثكلى..
في الحلم
أسطرها
ثم أتجاوزها بممحاة الصحو
أنا لا أقول
لذلك أكره …..
أن ألقي القصيدة
أكره أن أمرِّرَ
الكلمات المالحة
على جراح الحنجرة
أن أكابد الإلقاء
بينما مراهق
يعربد في الشوارع
أو بوق سيارة
ينعق في الجوار
أو ساذج
يلتفت عني
صوب هاتفه …”
 
فَي نَصِّهِ الرَّائِقِ (طقوسٌ) يَتَفَاقَمُ حُزْنُهُ على وَطَنِهِ الَّذِي تَحُفُّهُ الرَّزَايَا وَالمنَايَا مِنْ كُلِّ وَصَبٍ وَمَوْتٍ:
“… قلبي فرشاة
أغمسها كل ليلة
في صبغة حزني
وأرسم على جدار الليل
وطنًا تؤطر
حدوده البنادق
وطنًا يكدِّس أبناءَهُ
على مصاطب الموت
وهو يغنِّي
وطنًا يجوِّع أطفاله..
وهو ينعق بالحكمة!!
 
وَلَيْسَ الوَطَنَ فَحَسْبُ مَنْ يَتُوقُ الشَّاعِرُ لأَنْ يَعُودَ جَمِيلًا نَقِيًّا بَهِيًّا، فَالنَّاسُ أَيْضًا، الأَصْدِقَاءُ الَّذِينَ شَوَّهَتِ الأَحْدَاثُ نُفُوسَهُم، والطُّفولَةُ التِي تَجَرَّأتِ عَلَيْهَا مَقَابِحُ الحُرُوبِ، يَقُولُ من قَصِيدَةِ (طُقُوسٌ):
“… أريد أن أعود
خمسين عامًا
أتشبَّث برداء أمي …
أريد أن أعود لأصدقائي
قبل أن تتلوَّث أرواحهم
بكلِّ هذا الخراب …”
 
وَالشَّاعِرُ لَا يَلْتَفِتُ كَثِيرًا لِلْحُبِّ، وَلَا يَنْغَمِسِ فِي نَهْرِ العِشْقِ إِلَّا ِبِمِقْدَارِ تَذَكُّرِهِ لِمُغَامَرَاتِ شَبَابِهِ الأُولَى، فَهْوَ يَمُرُّ بِذِكْرِ الحُبِّ مُرُورًا عَابِرًا في ثَنَايَا قَصَائدِهِ، فلا يحضرُ غَيْرُ الحُبِّ الإِنْسَانيِّ في مَعْرِضِ استدْعَائِهِ لِصُورِ الَحيَاةِ مِنْ حَوْلِهِ، أو عبرَ تفاصيلَ ارتجاعيَّةٍ لمحطَّاتِ حَيَاتِهِ المختَلِفَةِ، يقولُ من قصيدَتِهِ (رفقةٌ):
“… القصيدة التي رافقتني
حين كنت أتسلَّقُ
درجَ العمرِ
أعرجُ صوبَ شبابي
أنصبُ فِخَاخَ الغزلِ
للبنَاتِ الجميلات
أرسمُ وأشطبُ
على صفحةِ المساءِ
أوزِّعُ ألوانَ الغروبِ
بما تيسَّرَ لي
من وهمٍ وخيالٍ…”
 
وَعلى الرُّغْمِ مِنْ أَنَّ عَبْدَ العَلِيمِ لَا يَعْبَأُ بِاللُّغَةِ، وَلا بِاشْتِعَالَاتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ الفَادِحَةِ، فَالشِّعْرُ يَنْكَسِرُ أَمَامَ هَذَا الخَرَابِ الْمَهُولِ، لِتَنْتَفِضَ الخَطَابَةُ وَالتِّقْرِيرِيَّةُ؛ يَقُولُ مِنْ قَصِيدَتِهِ (تَبَدُّلٌ):
” لم أَعُدْ أهتمُّ للغة
أو أتصيَّدُ الاستعارات الصادمة
لم أعدْ أتجنَّبُ الإنشاء
والخطابة لم تعد عيبًا
لا شعر يتسع
لهذا الخراب العظيم
ولا قلب يحتمل
عبء هذا العبث
دون أن يصرخ بملء بداوته
الشعر ليس ذلك الفن المثير
الذي أتقنه …”
حَتَّى يَقُولَ:
لا أحلم بنوبل!
ومنصَّات التَّكريم أبدًا
لا تروق لي
فقط أشعل بخور الوجد
أعطِّر به نتانة القلوب الميِّتة
أضرب الدفوف
وأنفخ في ناي الحنين
لعلِّي أوقظ فرحًا تاه…
لعلَّ عاشقًا ينتبه
فيجعل من بندقيَّتِهِ عُكَّازًا
لوهنِ الطريق ..!
 
إِلَّا أَنَّ عَبْدَ العَلِيمِ وَهْوَ يَسْتَمْرِئُ هَذِهِ الْمُغَامِرَةَ الشِّعْرِيَّةَ الشَّائِقَةَ، فِي مَرَاحِلِ تَجْرِيبِهِ هَذِهِ، يَنْجَحُ أَحْيَانًا وَيَجْنَحُ أَحْيَانًا أُخْرَى، وَهْوَ يَمْتَحُ مِنْ مَعِينَيْنِ اثْنَيْنِ: الْمُورُوثِ الدِّينيِّ، بِخَاصَّةٍ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَالْمُورُوثِ الشِّعْرِيِّ العَرِبيِّ لَا سِيِّمَا اللِّيبيِّ مِنْهُ الْمُنْتَمِي إِلَيْهِ وِجْدَانِيًّا وَثَقَافِيًّا وَمَكَانِيًّا.
 
لَكِنَّهُ عَلَى الإِطْلَاقِ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا، وَلَمْ يَكُنْ مُكَرِّرًا، وَلا مُتَصَنِّعًا، فَهْوَ عَفْوِيٌّ جِدًّا، هَذِهِ العَفْوِيَّةُ الَّتِي تُسْقِطُهُ أَحْيَانًا فِي هُوَّةِ الْمُبَاشَرَةِ، وَتَخْطِفُهُ بَعِيدًا عَنِ الشِّعْرِ إِلَى الشَّاعِريَّةِ فَحَسْبُ.
 
كَثِيرٌ مِنْ قَصَائِدِهِ ذَاتُ أُسْلُوبٍ دَائِرِيٍّ يَتَخَاصَرُ فِيها أَنْوَاعٌ شَتَّى مِنْ صُنُوفِ الأَدَبِ، وَجُلُّهَا تَبْرَزُ فِيهَا رُوحُ السَّارِدِ الْمُتَمَكِّنِ، والشَّاعِرِ المؤَثِّرِ.
 
جُلُّ التقاطاتِهِ إنسانيَّةٌ تَعثَّرَتْ بِهَا رُوحُهُ الشَّاعِرَةُ، فَهْيَ حَالَاتٌ اِستفزَّتْ أَعْمَاقَهُ القَلِقَةُ، وَأَثَارَتْ قَرِيحَتَهُ المتأهِّبَةَ للنَّزْفِ شِعْرًا، لِذَا فَهْوَ يَفْرِضُ عَلَيْنَا حَالَتَيْنِ مِنَ التَّأَثُّرِ: الحَالَةِ الِإنْسَانِيَّةِ، وَالْحالَةِ الشِّعْرِيَّةِ.
 
لَوْ أَنَّهُ أَعَادَ النَّظَرَ فِي بَعْضِ قَصَائدِهِ، وَحَرِصَ عَلَى تَشْذِيبِهَا أَكْثَرَ مِنَ الزَّوَائِدِ اللَّفْظِيَّةِ، وَالنَّأيِ بَهَا عَنِ المْبَاشَرَةِ فِي َبْعضِ الأَحْيَانِ، لَازْدَادَتْ إِمْتَاعًا وَإِقْنَاعًا، وَلَنَجَا بِهَا وَنَجَتْ مَعَهُ، مِنْ شَرَكِ التَّقْرِيرِيَّةِ، الَّتِي تُشَوِّهُ وَجْهَ القَصِيدَةِ، وَيَخْدُشُ رُوحَ المعَاني، وَيُطِيحُ بِخُصُوصِيَّةِ الشِّعْرِ الْيَحْلَولِي بِالتَّأَشْيرِ وَالتَّلْمِيحِ.
 
فِي الْمُنْتَهَى، يَتَبَدَّى لَنَا بِجَلَاءٍ أَنَّهُ لَمْ تَزَلْ لِلشِّعْرِ سَطْوَتُهُ وَجَذْوَتُهُ وَحَظْوَتُهُ، فَحِينَ نَطْوِي آخِرَ أَوْرَاقِ هَذَا الدِّيوَانِ، تَنْفَرَجُ فِي دَوَاخِلِنَا نَوَافِذُ حُبْلَى بِالضَّوْءِ وَالْحُبِّ وَالأَمَلِ، وَتَنْفَتِحُ آفَاقٌ مَلْأَى بِالشِّعْرِ وَالسِّحْرِ وَالعِطْرِ، وَتَنْفَسِحُ عَوَالِمُ غَرْقَى فِي الفِتْنَةِ وَالإِثَارَةِ وَالإِدْهَاشِ، بَيْنَمَا أَرْوَاحُنَا النَّشْوَى تَتَبَنْدَلُ بَيْنَ سَطْوَتَيْنِ سَاطِعَتَيْنِ، سَطْوَةِ الشِّعْرِ الآسِرِ، وَسَطْوَةِ الشُّعُورِ الإِنْسَانِيِّ العَمِيقِ الْمُوغِلِ فِي الْحَيَاةِ بِمَا فِيهَا، الْمُتَمَاهِي وَتَفَاصِيلَهَا الحَمِيمَةَ، وَاشِيَتَيْنِ بِشَاعِرٍ إنسَانيٍّ مُهِمٍّ يَنْسُجُ بِرِيقِ رُوحِهِ بَرِيقًا ذَهَبِيًّا لِلْغَدِ المُشْتَهَى، المْجْدُولِ مِنْ ثُنَائِيَّةِ الْمَوْتِ وَالحَيَاةِ، ومن مُتَنَاقِضَةِ الْأَمَلِ وَالْأَلَمِ.

____________________________________________________  
بنغازي: 6 أكتوبر 2019م
الديوان سيصدر عن دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان

مقالات ذات علاقة

مداخلة قصيرة حول الغزالة

يونس شعبان الفنادي

بواكير القصة الليبية القصيرة *

خليفة حسين مصطفى

بين المكان المحاصر والزمان الطليق.. قراءة في رواية المولد للكاتب أمين مازن

رضا بن موسى

اترك تعليق