قصة

بيع المراكب للريح


وما أنا غير سهمٍ في هواء.. يعود ولم يجد فيه امتساكا

المتنبي

أخي عمر

حكايتي عجيبة

لقد ألقاني الله ذات يوم في أحدى خرب بنغازي مثل دودة، وقال فيما كان يودعني:

– أفتح عينيك جيداً، وابحث عن فرصك هناك.

ثم اختفى فجأة مثل شبح مبارك، وتركني وحيداً ابحث بعناء قاتل عن طريق ما.

كنت مجرد دودة حقيقية..

وفيما طفقت أتلوى باحثاً عن ثغرة عبر ركام الأقذار، كانت الطيور تصفق بأجنحتها طوال الوقت في الأعالي، فوقي مباشرة.. ثم تسفّ شطر الأرض، وتهوي بمناقيرها الحادة نحوي حتى أظل أتلوى ألف مرة من الذعر، وأدفن نفسي فوراً في محاولة يائسة للبقاء حياً عبر أحد

الثقوب، إلى أن أسمع أجنحتها تصفق مرة أخرى صوب السماء.

كنت مجرد دودة حقيقية..

ولقد تعلمت حينذاك آلاف الحيل للاختباء في قعر ثقوب الأرض، والهروب أمام الطيور العملاقة القاتلة، وكان من الممكن ان تكون حياتي سهلة ومبهجة للغياة لو أنني اكتفيت بذلك، غير أن حلكماً أحمق أخذ يعشش في قاع قلبي.

حكايتي عجيبة..

كنت أزحف ذات ليلة عبر الأعشاب الندية، وكان القمر يهطل شعاعاته فوقي تماماً، وكانت السماء تبدو كلية العمق والصفاء، حتى إنني أغمضت عيني مباشرة، وطفق أحلق داخل فقاعة من الحلم الوردي، طفقت احلم بان أكون طائراً

… وكان ذلك بداية الغربة!

أخي عمر

-الدود الملعون لا يملك أجنحة!

كذلك قال لي الرب بعينين مثل بحريتين من دم، ثم اختفى فجأة مثل شبحٍ مبارك، وتركني وحيداً أبحث بعناء قاتل عن طريقٍ ما.

وهتفت بكل ما أملك في أعماق من حرارة:

-أنا أحتاج إليك…

ولكنه كان قد تخلى عني تماماً، فيما غمر قلبي حزن حالك وشعور بالفقد، وبأنني سأذرع بقية أيامي في وحدة كاملة.

حكايتي عجيبة..

أردت ان اكون طائراً.

وفيما كنت أتطلع إلى سموات الله الرحيبة بعيني حالمتين، وإلى مواسم الهجرة والأشرعة المتخمة العملاقة، والمراعي المترامية على مدى البصر، والفراشات الثرية بالف لون، والقمر الفاتن، والسحابات الريشية المتوهجة الذوائب، وآلاف الأشياء الأخرى الممتلئة بالروعة وسحر الانطلاق..

أقول لك: فيما كنت أتطلع إلى كل ذلك، كنت قد سئمت تماماً الزحف خلال الأعشاب البرية، وصحبة الديدان المطفأة العيون، وتسلق أسوار المقابر، ونهش عيون الموتى، والبحث عن القوت في فضلات الآخرين، والفزع الرهيب حين انهمار المطر، ومرأى الطيور الهمجية القاتلة.

لقد سئمت كل ذلك، وطفقت احلم طوال الوقت بان أصبح طائراً، غير أنني نهضت ذات يوم، وإذ أزحت عن كاهلي حزمة من الأعشاب المتهالكة ودت أن الله قد مسخني فأراً!.

كنت مجرد دودة حقيقية..

ولكن جسدي اكتسى أخيراً بفراء رمادي ناعم، واشرأبت في رأسي أذنان كبيرتان، واكتظ فمي بالأنياب، وأصبحت -في لحظة غامرة بمشاعر الذهول- فأرا.. فأراً حقيقياً لا شك فيه!.

حكايتي عجيبة..

وفيما كانت بقية الفئران تلهث خلف الفتات المتساقط عند الموائد، كنت أتسلى بالتمرغ في الورق، كنت أقرض الكتب، والشعر كذلك، وأنظر إلى كل الفخاخ المزروعة على طول الطريق.

كنت فأراً حقيقياً..

وكان من الممكن أن تكون حياتي سهلة ومبهجة للغاية لو أنني اكتفيت بذلك، غير أن حلماً آخر اكثر حماقة قد نبت في رأسي الصغير الممتلئ بالرعونة والطيش..

لقد بدأت أحلم لان أضع الجرس في رقبة القط.

وكان ذلك بداية غربة من نوعٍ آخر!

أخي عمر..

وبينما كانت الفخاخ تنهش أقدامي دون انقطاع، كنت لا أزال أحمل في قلبي كل العناد والإصرار، وذلك الحلم القديم في أن أصبح طائراً ذات يوم.

حكايتي عجيبة..

ولقد ولجت كل الأقبية، وذرعت كل الأرصفة وتعرفت على كثير من الوجوه الطيبة والرديئة على السواء، ونمت في كل مكان، وشربت كفايتي من كل شيء، وتشاجرت مع الآخرين حتى امتلأ جسدي بالندوب، وسقطت في المصائد الكريهة كثيراً وقالوا عني أنني مجرد فأرٍ أحمق!.

ولكني -يا صديقي- لم أفقد ذلك الحلم العتيق على الإطلاق، إلى أن أفقت ذات يوم ووجدت ان الله قد زرع فوق ظهري جناحين غريبين، وأنني أصبحت -عبر لحظة موغلة بالذهول- مجرد خفاش، خفاشٌ يطير على غير هدى!

وفيما يهبط المساء، وتكتسي السموات بشحوب غامق، كنت أهجر تلك الشجرة، وأظل أطير بقلق زعر خلال أزقة المدينة، على حين يشرع الصغار في مطاردتي، ويوالون قذفي بقبعاتهم، وصياحهم المفزع.

كنت مغلق العينين، غير أنني استطعت مراراً ان أرى وجه الموت الكريه وهو يتنفس عند انفي مباشرة حين كنت أهوي إلى الأرض على أثر إحدى الضربات الموجعة، ولكن يبدو أنني غير قابل للموت، وإذ كان الرفاق يقولون لي:

– أيها الفأر الطائر، الغريب الأطوار، سوف تلقى حتفك ذات يوم.

كنت أرفع أنفي الأسود نحو السماء وأقول لهم ببساطة..

– أنا لست فأراً طائراً، بل إنني لست فأراً على الإطلاق، وسوف لن أموت أبداً.

ويضحك كل الرفاق، فيما يعاودني الحلم القديم نفسه..

حكايتي عجيبة

أدرت أن أعبر الأشياء حتى منتهاها، أن أذرع أيامي بكل خطوط الطول والعرض، أن أسير إلى أقصى نهايات الطرق.. كل الطرق، أن ألمس بأصابعي ما تسفر عنه رحلات الانطلاق المسعود إلى آخر مدى.

وما كنت لأملك في داخلي أي شيء خارق سوى قليل من الإصرار، وتطلع جائع أبداً، واستعداد متواضع لتحمل كل الهزائم، وذلك الحلم القديم.

ولكن كيف تستطيع أن تحقق هذا بجناحيْ خفاشٍ أعمى..

أخي عمر..

حين يشرع الله في تعذيب مخلوقٍ مّا، فإنه -بالتأكيد- ينزع عنه فضيلة الرضا، أعني القناعة، ويدعه يلهث عند سفح الجبل مثل ضبع محموم بينما عيناه تتطلعان باتصال صوب القمة الذهبية المتألقة في وجه الشمس، لقد أدركت كل ذلك على نحو اليقين، قال لي:

– الدود الملعون لا يملك أجنحة.

غير أن رأسي الصغير كان ممتلئاً إلى حافته بالعناد، كما لو كنت أعيش داخل رأس بغل، ولذا فقد سرت في اتجاه أنفي، وكانت عيناي مكتظتين بالصور، والسموات، والألوان!

حكايتي عجيبة

أرد أن أكون طائراً..

ولقد سئمت مناكدة الصغار لي، ودعاباتهم السمجة، مثلما سئمت تلك الأجنحة المصنوعة من ورق التبغ المخترق، وذلك الأنف المسود، والنوم بالمقلوب، والعيون المغلقة، والهروب من القبعات المارقة.. والموت عبر الظهيرة.

أنا سئمت كل ذلك

ولقد ذهبت ذات يومٍ إلى كوخ بومة عجوز في لإحدى الخرب، كانت تجيد السحر، والفسق والغناء في أعقاب الليل، وكانت تجيد أكل الفئران مغمضة العينين.

–          ماذا تفعل هنا؟

كذلك قالت لي فيما كانت تتلمظ بعينيها، غير أنني أجبت:

– أنا يا سيدتي مجرد خفاش سيئ الحظ، وقد تمنين طول الوقت أن أطير إلى أقصى مدى، وأنا وحيدٌ أيضاً..

– حسناً.. اجلس هنا.

كانت رائحة القرنفل والعنبر تملأ المكان، وفيما وضعت في النار بضع حبات، أحضرت لي قطعة ليمون، وكأساً مترعاً مشروب حار نفاذ ظلت عيناي تدمعان على الفور حين تجرعته، ثم طفقت تغني عارية الساقين.

كانت بومة قبيحة غارقة في الأصباغ، غير أنها استطاعت أن تجعلني احلق على جناحي جرعة وقطعة ليمون، أن أحلق بطريقة ما دون أن أبرح مكاني.

وترددت طويلاً على ذلك الكوخ، ثم اعتراني الممل فجأة، وقد رجعت ذات ليلة إلى غصن السنديانة التي أسكن بها، وأخذت أبكي هناك بمرارة، وكنت لا أزال ابكي حين أدركني النوم، وكنت لا أزال أبكي حين زارني (سندباد).

لقد ربت فوق رأسي بلطف، وتطلع إليّ بعينين ودودتين معلقاً طيف ابتسامة على شفتيه، ثم قال لي:

– كفى.. ى تعد تبكي.. فقد انتهى أمر الحياة العجوز.. أحرقت جثتها، ووضعها العبيد في قواربهم، وانطلقوا بها ملتهبين غاضبين، ولقد شاهدتها النوارس تنزلق إلى قاع المحيط مثل محارة متعفنة.

كانت تلك يا صديقي امرأة رديئة، وكانت تقتعد حجراً ناتئاً في كل ميناء، وتغازل رجال البحر حتى يسيل العرق من أصابعهم، وكانت تذهب مع أي بحار يغادر الميناء، وتظل هناك مستلقية على سطع قاربه عارية، متصببة عرقاً، مفجعة مثل الجحيم، وكانت تلد مثلما تبيض السلحفاة، آلافاً من الأكياس اللزجة، المليئة بالأطفال، ملقية بهم في الماء بينما القارب يمضي في سبيله، وإذ تشرع الأكياس تتمزق، وتهب الريح، تنبثق الرؤوس المشوهة منطلقة وراء القارب في ذعر بالغ، بينما هي تواصل إلقاء الأكياس مقتعدة الدفة، مجنونة ممتلئة أكياساً، فاسقة، حالمة بلا انقطاع.

العجوز -تلك المرأة الرديئة- هل تبكي من أجلها يا صديقي؟

ثم ربت على رأسي مرة أخرى، ونظر إليّ بعينين صافيتين، عميقتين مثل مياه المحيط نفسه، وقال لي بود:

–          كفى، لا تعد تبكي.. فأنا سأحملك معي.

–          ونفض عن كتفي كل التعب والحزن، وسرنا سوياً نحو القارب.

حكايتي عجيبة..

ولقد انطلقت عبر كل البحار، ونمت في كل المرافئ والجزر، واستمرت رحلتي ألفاً من السنين أو يزيد، وتعرفت على كل الصيادين، والبغايا، والسكارى، والأمهات، والشحاذين، والرعاة، والمقامرين، والأطفال.. تعرفت على كثير من القلاع، والتيارات، والأمواج، والرياح.

وحين عدت في نهاية المطاف، كنت قد أصبحت طائراً.. طائراً حقيقياً لا شك فيه، وكانت عيناي ممتلئتين بآلاف الصور، والسموات والألوان، وكان جرابي معبأ بالحكايات، وكان في إمكاني أن أطير حتى ألمس قبة السماء.ز أن ألمس سقف العالم.

حكايتي عجيبة..

ولقد بنيت عشاً صغيراً بين فرعي صنوبرة عتيقة، ونفضت قلبي مثل جرو مبتل، وثم طفقت أحكي للآخرين عن الربيع، والمراعي المستلقية باتساع السماء، والأشرعة.

ولكن أحداً لم يكن يرغب في أن ينصت إليْ.. حتى بدا الأمر كمن (يبيع الريح للمراكب) الغارقة…!

لقد انفضوا.. وغادروا..

وعندئذ ظللت أصرخ، وأصرخ إلى أن تفرجت رئتاي، وقيل لي أنني مجرد طائر سيئ السمع والطالع، أعنى مثل غرابٍ تماماً.

وبكيت مرة أخرى..

وكنت لا أزال أبكي حين أدركني النوم.. وكنت لا أزال ابكي أيضاً حين أقبل (سندباد).

تهالك عند قدمي الشجرة دون أن يرفع بصره إليْ، وهتف كمن يحدث نفسه:

– الطيور الزاهية الألوان غطت بأجنحتها الأفق، وملأت النهار بالصداح، اجل الطيور المغنية الراقصة.

ثم نهض وقال -هازاً رأسه- فيما كان يبتعد:

– الطيور الطروبة الراقصة الملونة أفسدت كل شيء!!

وقبل ان أقول له أيما شيء، . اختفى..

وعلى هذا فقد تركت شراعي يشرب الريح ذات ليلة، بدأت رحلة طويلة أخرى إلى أقصى الآفاق، حاملاً معي رائحة الصنوبر العتيقة، وجراباً من الذكريات.

وكان ذلك بداية غربة أخرى.

أخي .. يا صديقي

يقول (أوسكار وايلد): من يعيش أكثر من حياة، يقاس اكثر من موت..

ووداعاً يا أعز الأحباب

أخوك

خليفة..

أكتوبر..1988

مقالات ذات علاقة

مفردات من حيرة الدقائق

محمد العنيزي

صَارَ ابني رئيسًا..!!

جمعة الفاخري

زهرة الرِيْنش

أحمد يوسف عقيلة

تعليق واحد

مبروكه 19 أكتوبر, 2012 at 15:50

incredibly amazing

رد

اترك تعليق