قصة

بيت صغير ضاحية المدينة

من أعمال التشكيلية أسماء بشاشة
من أعمال التشكيلية أسماء بشاشة

 
نجس هنا، وهي هناك .. مدينة أخرى مقترحة .. مدينة أول الضوء، وأول المعرفة، وأول الحب . مدينة لا نعرفها ويقترحها علينا الحلم بفرشاة الالوان الطاغية في يد الرسامة الطاغية، ترسم وجهي كبيرا على ارضية ساحة المرسم الآجورية، وتدعو الاطفال للعب عليه والقاء قشور البندق والبرتقال . وفي السماء عندما تعلن فوانيس الخيطان بداية الموسيقى بين شباك حانات البحارة قرب الميناء، تأخذني الى بيتها الصغير ضاحية المدينة . واخاف ان اهرب من طيشي وتفكيري في المواعيد المؤجلة على ناصية مقهى المثقفين الشباب .
 
وفعلا كدت اهرب من عقلها لو لم تفتح علبة “الهانيكان » الباردة، وتدندن بأغنية “جولين » تلك الفتاة التي خطفت منها صديقتها حبيبنا.
 
* .. وانا معها بوجهي المتعب من طول التجوال في المدن المستديرة في الضوء والمتاهة . وحالما التقتني ورسمتني وحوتني بأناملها الناعمة صرت أنا الوجه الذي حباني ودعا جسدي الى حمامها والى ملابسها الداخلية .. ثم ارغمتني الى الوقوف طويلا أمام باب ثلاجتها الصغيرة المرتكنة بين المطبخ والصالون للاستمتاع بذلك الفرح الذي تعلنه كما فتحت علبة هانيكان باردة، وهمست بتلك الاغنية الحنونة التي ابكت آخر صديقاتي في مطار وارسو شتاء 1979.
 
تركتها تغني أنا الوجه الذي أدخلته معها بيتها الصغير وتركته يتجول في ردهاته وفي عبق عطرها القاتل ساعة اسدلت الستائر على تلك الفوانيس البعيدة واشتعلت في  الانوثة .
 
*.. كان الليل يفتح ذاكرتي على تاريخ هذا المدينة . ان عمرها في الظلام يكبر في الضوء المديد.. وان موسيقاها تغتال العقل .. وان النساء فيها يمرحن تحت فوانيس ارقتها كما تمرح الفراشات العاشقات للشعلة الأولى التي يطلقها الغرباء في ملاذاتهم ..
 
*..لم تكن تلك البنت الرسامة تكبرني بأي عام .. كان وجهي يقودها كطفلة فيلسوفة تبحث عن حديقة مشتهاة روتها الذاكرة، فتفتحت ازهارها وورودها كما يتفتح وجهي في الضوء.
 
كلانا من سلالة واحدة .. عاشقات للضوء وللمدن التي تشتهي عاشقيها في المساء.
 
*..انتهى المساء.. بدأت موسيقى الليل .. أقفلت آخر الشبابيك، وأحكمت الابواب الفاصلة الى غرفة نومها، لم افارقها، كنت معها بوجهي الذي نسج نوتة موسيقاها، ورسم طريق خطواتها الى غرفة نومها. .
 
في غرفة نومها كنت هناك في انتظارها.. تذكرتني ووجهي يلعب مع الاطفال وتكسوه قشور البندق والبرتقال .
 
سحبت اللحاف الى جسدها ونامت ووجهي في مقلتيها الى اول الحلم .. في اول الحلم دخلت .. رأتني بردان تحت برج المدينة الضبابي قرب الميناء.. نزلت من عربتها الرمادية التي تجرها الخيول الاربعة البيضاء وآوتني .. ضمتني الى صدرها راحتين .. وفتحت عيني على وجهها المضيء، وقد تسرب الدفء الى جسدي.. رأيتها تحبني وقد ضمتني بافتراس بمجرد عودة الذاكرة الى وجهي.
 
*..يا وجهي المرسوم في ذاكرتها.. أفاقت وقد قلت لها نامي يا رسامتي فالليل طويل، والمدينة منذ وقت دخلت الى حديقة اماسيها، اشعلت فوانيس شوارعها ونامت تحلم كما نحن ..
 
*..في الصباح عندما افاقت الرسامة من سبات ليلة كنت فيها حلمها الشديد.. رأت ثلاث نجمات من الليل الفائت تصبح على الشمس، وقد غدت مثل ثلاث بيضات مقليات بزيت البحر، الشمس راحلة وشاهدة، والنجمات المتألقات يغطسن في البحر قرب الميناء.. والرسامة امام المرآة تستعيد قيافة قوس قزح الشتاء لتمطر وجهي من جديد على ساحة الاطفال وهم يلعبون . وجهي الذي يشعل الفوانيس في المساء.. ويذهب مع رسامته الى بيتها الصغير ضاحية المدينة .

مقالات ذات علاقة

مهلاً أيها الفتى

عوض الشاعري

الــــوغــــد

إبراهيم الزنتاني

خُـفُّ

محمد الأصفر

اترك تعليق