قصة

بوخنفوسه…

من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد
من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد

 
الرضيعة لا تكف عن بكائها و الأم لم يفلح هزها. لبخ الكمون و الزيت. حليبها الدافئ. في إسكاتها.
الوجع يحاصرها و من شدته تتلوى بين يديها. أي شيء ينقذ فلذة كبدها من ألم لا تفهم معناه؟. هل يصبح الموت ملاذ النجاة لها و لقلب أم تقاسي سهر و برد شتاء لياليه طويلة؟.
الطب عجز عن تشخيص حالتها التي بدأت تتدهور بشكل ملحوظ. الجفاف يزاحم جسدها و الصفرة غلفت خلايا بشرتها. بدت كشبح يعانق آخر لحظاته بالحياة.
لا أمل يستضاء به وسط صراخ الرضيعة و صفير ريح عاصف و اهتزاز يدي أم مسهدة ارهق جفنيها الدمع ..
لم تدرك الأم أنها غفت من الإنهاك إلا حينما جفلت من صرخة عالية من الصغيرة نامت بعدها .في البداية ظنت الأم أن طفلتها قد فارقت الحياة لكن استشعرت النبض فوجدته مازال يسري .. اطمأنت و استكانت.
في الصباح زارتها جارتها المسنة تطمئن عليها و نصحتها قائلة:
   – يبدو أن عين أصابت ابنتك.. عليك أن تبخريها بالجاوي!.
طأطأت رأسها مفكرة و هي تنظر لوجه طفلتها الذابل و العجوز لا تنفك تقنعها.
فجأة قالت للغجوز:
   – البارحة أخذتني سهوة نوم و رأيت حلما اقشعر له جلدي استيقظت معها على صراخها ثم هدأت و نامت.
   – خيرا إن شاء الله.  ماذا رأيت؟.
أجابت بشيء من الخوف:
   – رأيت دجاجة سوداء تحفر الأرض بمنقارها و تخرج خنفساء ثم تأكلها.
بلا تفكير قالت ناصحة:
   – أعوذ بالله من شرها. لقد أصاب الطفلة مرض “طويرة الصغار”.
ردت مذعورة:
   – ماذا يعني هذا يا خالة؟.
   – لا تقلقي كل شيء له دواء فقط عليك الذهاب إلى السوق الشعبي و البحث عن الفقيه بوخنفوسه.  أخبريه عن الحلم و حالة ابنتك و هو سيتصرف.  خذي معك شيئا من ثيابها.
 
ترددت كثيرا في الذهاب لكن حياة رضيعتها في خطر.  يجب التضحية حتى لا تذوق مرارة الفقد.
روت له ما جرى فتبسم و لحس شاربه الجاف بطرف لسانه المبلل و قال لها:
   – محلولة يا بنتي بعون الله.
أخذ خنفساء حية من علبته الخاصة و وضعها في غلاف ورق الاسمنت ثم تمتم عليها لبرهة و بعد ذلك لف عليها الورق ثم لفها في قطعة قماش و خللها في ثوب الطفلة قائلا:
   – ألبسيه إياها و لا تنزعي حجاب الخنفساء حتى تموت و لا تتحرك و سوف تشفى طفلتك بإذن الله.
تعجبت من فعله و يقينه من الشفاء التام و رغم عدم اقتناعها إلا أن مسألة إنقاذها مرهونة بيد هذا الرجل و عليها مسايرة الأمر حتى نهايته.
بعد أيام قلائل من تتبع تعليمات الفقيه وجدت فرقا شاسعا بين طفلة اقتربت من شفير الموت و هذه التي تشع فرحا و مناغاة.
تحسست الخنفساء في حجابها فوجدتها ميتة. غمرها الفرح و أخذت تزغرد و ترقص بالطفلة في فناء البيت و تردد:
   “ياله من بوخنفوسه ..رد الفرح إلى العروسه”…

مقالات ذات علاقة

غيهب

هدى الغول

الثعلب يلج من سمِ الخياط

محمد النعاس

الجروة الضالة ..

زكري العزابي

اترك تعليق