تجارب

بنغازي التي أحبُّها

مدينة بنغازي كما رسمتها الفنانة الإيطالية تيزيانا فانيتي
مدينة بنغازي كما رسمتها الفنانة الإيطالية تيزيانا فانيتي عن بوابة الوسط

في 1986كنا ببنغازي لنحضر مباراة التصفيات الختامية لدخولنا لكاس العالم وهي مباراة العودة بين ليبيا والمغرب والتي خسرناها بعد فوزنا بهدف لصفر كوننا خسرنا بمباراة الذهاب بنتيجة صفر لثلاثة بالمغرب فجاء صالح الاهداف لصالح المغرب.. وكانت تلك اخر فرصة لنا لدخول ذاك المعترك الكبير حينها.

حكايتي هذه ليست رياضية لكننا كنا ثلاث يافعين ومن طرابلس قدمنا لبنغازي لأسبوع سياحة داخلية يتخلله يوم لحضور المباراة. فاستضافنا صديق شهم من السلماني الغربي ببيته طيلة فترة بقائنا (هذه هي بنغازي وخلق اهلها يا سادة).

ذات ليلة حدث لصاحبنا حادث مرور أجبرته شرطة المرور حينها على أن يوقف (تحفظي) ولساعات بمركز الشرطة. حين وصلنا الخبر قرر ثلاثتنا أن أمر استضافتنا قد توقف عند هذا الحد لذا ولحظة هممّنا بالخروج، فاذا بأخ مضيفنا يقف أمامنا يسد علينا باب البيت بكلتا يديه بل زاد الامر حدة حين سلبنا حقائبنا ليعيدها لمربوعة البيت التي وفرها لنا بحمامها مضيفنا (سالم.. هذا هو اسمه). عاندنا الرجل قليلا لكننا فشلنا فشقيق مضّيفنا أخبرنا أن (سالم) قد حلف بأغلظ الايمان على ألا يخرج ضيوفه من البيت مهما حصل أو كانت النتائج التي يترتب عليه التوقيف.. وذلك حتى عودته للبيت واستلامه لشئون وفادتنا وضيافتنا عنده من جديد.

فلم يكن لنا بد فأذعنا للأمر وتركنا شقيق سالم لحاله فهو صاحب شاحنة وكان يهم للخروج لأحد رحلاته البعيدة.. أما نحن فجلسنا ثلاثتنا صامتين بالمربوعة نتبادل نظرات الاستفهام بصمت مع الكثير القلق.

هل ما فعلناه صواب أم إنه خطأ؟ هل يتوجب أن نهرب من البيت أم نبقى التزاما بما اوصى به صاحبنا؟ وبينما نحن في ذروة قلقنا واسئلتنا بلغت الحلقوم، فاذا بصاحبة البيت تدخل علينا متلحفة بالزي الشعبي لأهل بنغازي (أي حولي بيتي بالطرابلسي) هي وأولادها وتضع لنا وجبة عشاءنا والتي يبدو أنها اعدتها كما كل ليلة وكأن امراً لم يحدث لزوجها (تعلمت لاحقا من كرم أهل بنغازي أن الضيف أولى بالخدمة من كل اهل البيت ومهما حلت بأهل ذاك البيت من نائبة فالضيف لا ينقصه ولو مقدار من حقوق خدمته).

تناولنا العشاء ونحن مذهولين لهذا الكرم الذي لم ندرسه إلا بالكتب وبعد أن رفعت هي واولادها صفرة العشاء.. نظفت لنا المكان ثم اتت بصفرة قهوة و(السزوة) التركية وكانون الفحم.. ضعت معداتها تلك وجلست قبالتنا يحيط بها عيالها لتصنع لنا فنجان قهوة عربي وعلى الفحم.

أذكر كيف كانت تتأمل بفراسة بدوي وجوهنا واحداً واحداً وكأنها تحاول أن تقرأ سريرة كل منّا على حده، ثم مباشرة ولأنها التقطت خجّلنا وعدم قدرتنا على التصرف استلمت الحديث لتسألنا عمن نحن؟ ومن أين؟

لقد اكتشفنا ان لها اخوال بطرابلس وأن هذه الفاضلة ليست خادم وزوجة ببيت صاحبنا ولا عمل لها الا إنجاب العيال فقط بل ذهلنا لكونها مثقفة اجتماعيا وبطريقتها الخاصة حين علمنا علاقتها بأنساب اهل ليبيا (منها تحديدا تلقيت أول درس عن قبائل بنغازي أصلها وفصلها وعلاقات النسب والمصاهرة والاحلاف فيما بينها) اكتشفنا علاقتها برواية الشعر الشعبي وغناوي العلم وضرب المعاني (الأمثال) حدثتنا عن الكثير من قصص التهجير والجلوات زمن الاستعمار وكل ما قيل حولها من شعر وغناوي وحكايات.

كنت استمع اليها مبهورا فقد كانت تلك من أفضل اللحظات التي عشتها بمدينتي بنغازي والتي زرتها بعد ذلك الكثير من المرات. فتلك السيدة علمتني كيف أن المرأة ببنغازي ليست ككل النساء فهي قوية حين يحتاج الامر لذلك وشديدة العاطفة حين يحتاج الامر لذلك وتقوم مقام وزجها في كل شي فقد اخبرتنا في أحد حكاياتها كيف اقنعت زوجها سالم بعدم جلب عمال لطلاء البيت كي لا تثقل عليه بالتكلفة واجابت حين سألناها ومن عاونه؟

فقالت وبلكنتها البنغازية (نا عاونته سلومة مش نا زوجته وهذا بيتي) نعم المرأة ببنغازي تقوم مقام زوجها أو اخيها أو أبيها في كل شي فهي تستقبل ضيوفهم تقوم بخدمتهم بل وحراستهم والدفاع عنهم أن استوجب الامر فقد استمرت في خدمتنا حتى عاد زوجها بعد ثلاث ساعات من التوقيف حينها عادت لداخل بيتها تقوم على خدمتنا من داخله في حين أكمل زوجها باقي السهرة معنا والذي دار اول حديث فيه عن ذاك الحادث المروري الذي تعرض له.

إلى هنا ويبدو وكأن حكايتي اكتملت لكن لا الحكاية لم تكتمل (ففي القصة حدثت لنا مشهديه قبل عودة سالم من التوقيف لفاصل لن يتكرر مثله بحياتي ودارت تفاصيله بعد أن اعدت لنا فنجان القهوة على منقل الفحم)

 فبعد أن نضجت القهوة وضعت السيدة (السزوة) على منشف لكي تهدأ قليلا وتنزل (تنوتها) ويستقر وجهها.. بعد ذلك سكبتها لنا في ثلاثة فناجين كلا منها بوجه ثم قامت لتقديمها لنا رفقة الحلويات.. استلمنا قهوتنا وأخذنا رشفاتنا الأولى منها وكي تقصر علينا الوقت لحين قدوم زوجها فاجأتنا سائلة: هل سبق أن قراء لكم أحدهم الفنجان؟ إذا كنتم لا تمانعون فاسمحوا لي أن اقراء لكم فناجينكم.

كنا يافعين ولم يعرض علينا هذا الأمر سابقا وبالنسبة لي كان امر فيه دهشة ثم أنني لتوي اكتشفت (غابرييل غارسيا ماركيز) فلم لا فانا اريد ان يكون لي أساطيري وواقعيتي السحرية.. أصحابي أيضا راو في الأمر متعة وتقصير وقت فوافقنا جميعا على ذلك.

أخدت السيدة فناجيننا نحن الثلاث فقلبتها على صحونها. وكانت وكأنها تؤدي عمل ساحر محترف فالصمت ساد لحظات انتظار جفاف الفناجين تلك، ثم انها ببعض إيحاءاتها اضافت الكثير على تلك المشهدية الرائعة تلك حتى وكأنها كانت تعد لنا ما يرعبنا كأن تخرج لكلا منّا اسدا من الفنجان الذي شربه.. وبعد فترة الصمت تلك تناولتها واحدا واحدا لتقرأ رسومها، كان فنجاني الأول فرات فيه حصان ابيض يعدو في طريقاً سالكاً أسعدني الامر مع أنني لم افهمه.

وكان صديقي جعفر هو التالي فرات في فنجانه طريق طويلة لا تنتهي في حين كان يجتهد راجلا وهو يسير فيها.. لربما صدقت رؤيتها فصديقي هذا يقيم الان في المانيا ومنذ اكثر20 عام.

أما ثالثنا (خليفة.. فنص طياب) فقد كان أكثرنا تردداً واكثرنا رعبا و(لاحقا أدركنا أن هذه السيدة أدركت صفاته هذه وهي تتفرس وجوهنا في بداية جلستها قبالتنا) صديقي هذا لم يأخذ الأمر مثلنا على سبيل المتعة والاكتشاف فحين قلبت فنجانه سارع بالجلوس قبالتها.. فقراته له وأخبرته بنجاحه في الدراسة وأن صبية تلتحف البياض قد ظهرت في فنجانه (لن تصدقوني ان اخبرتكم أن اجنحة قد ظهرت على كتفيه وهو يستمع لذلك) لكنها وبعد أن بلغت به السماء طولا.. سحبت من تحته البساط فسقط كـ(حمراية) هوت سريعا على المصيدة فقد ختمت تأملها لفنجانه بقولها لكن يا خسارة يا احمد (انت بتموت في نص عمرك).

وتحساب صاحبنا هذا بيتحشم وبيقول نحن في ضيافة سيدة وننتظر عودة زوجها الذي غمرنا بكرمه بل على العكس تماما فقد أرغد وازبد وقال للسيدة: كيف تقولي عليا بنموت في نص عمري انا نعرف ان عمري طويل … بعدين الاعمار في يد الله.

 وقس على ذلك ما شابه من هذه الجمل، كانت هي وكأن شي لم يحدث فقط اكتفت بالابتسام وأوحت الي أن استلم الأمر واشرح له ما تقصده.

اخدته جانبا وأخبرته بعد أن وبخته بقولي (حشمتنا مع المرأة) وأضفت في النهاية هذا تنجيم يا (خليفة) ومش حقيقة، وبعدين أنت تعرف شن معناها تموت في نصف عمرك، معناها مرات عمرك 200 وتموت عمرك مية!!! ولا نيتك تبي اتطول أكثر من هكي؟ حينها هدأت ثائرته وعاد لمجلسه واعتذر عما بدر منه نحو تلك السيدة الفاضلة لكنه أصر على ان يتحصل ع قراءة جديدة لحظّه وفرصة تانية لفنجانه فلم تمانع مضيفتنا ابدا بل على العكس تماما.

أخدت المروحة ومروحت على (كوجينة الفحم) بعد ان زادتها فحمتين فأعدت له بتلك السزوة التركية فنجان قهوة جديد (كنت وجعفر محسوبان نحن ايضا لكن للشرب فقط وليس للتأمل) وبعد أن جهزت القهوة مارست نفس الطقوس الأولى وبعد أن أكمل شرب فنجانه وكالمرة الاولى ايضا قلبته على وجهه بالصحن خمسا ثم وضعته تحت ناظريها تتصفحه بصمت مهيب بعد ان ملئت الغرفة بالرهبة وقوة شخصيتها كان مجلسنا بتلك اللحظة روحانيا بامتياز هي من اوحت لنا بهذا وهي ايضا من وضعتنا فيه وبعد قليل من الصبر وثلاث همهمات نظرت اليه وقالت.

اسمع يا خليفة (مش اسمك خليفة ولا لا؟)

اجاب: نعم.

فقالت: كلامك مزبوط يا خوي مش ح تموت في نصف عمرك بل بالعكس ح تعيش عمر نوح.

نظرنا لرفيقنا ذاك كان وكأن الحياة لتوها سكنت جسده من جديد فقد أشرق وجهه وتهللت اساريره وانتفخ صدره كطاووس. لم تتركه السيدة الفاضلة لتلك الحال فبادرته قائلة..

وتمام كسيدنا نوح ستركب سفينة لكن لوحدك هذه المرة وستدخل بها المحيط لكن لا كائنات اخرى معك لأنك لن تنقد العالم هذه المرة.. ستجوب المحيط وحيداً لكن الى حيث لا يوجد جزر ولا يابسة ولا بر لترسوا عليه.

اقترب رفيقنا من قارئة فنجانه مبهوتا مصفّر اللون منتظراً ان تختتم تأملاتها. توقفت السيدة عند اخر جملّها وتأملت وجه رفيقنا قائلة له: لكن للأسف يا خوي واضافت بلكنة اهل بنغازي (خلاص هذا اللي هناك في فنجانك وما عندي ما نزيد عليك)..

ارتعش رفيقنا وهب واقفا ويردد شن قلت.. غير شن فيه وشن بيصير فيا؟

فأجابته: هذا ما أخبرني به الفنجان يا خليفة وزي ما قتلك ما عندي ما نزيد عليه.

كنت ورفيقي جعفر لتونا قد أدركنا ابتسامتها الماكرة وهي تقوم من مجلسها تجمع فناجين القهوة لتعيدها لصفرتها، حينها كان رفيقنا قد سقط ارضا من وقفته واصفر وجهه كمن لبسه جان في حين اخذ الزبد يخرج من فمه وكأنه يحتضر وفي انتظار ملاك الموت أن يمنحه الراحة بسلب روحه..

صراحة لم أقحم نفسي بمحاولة انقاذه فمن ابتسامتها فهمت ما كانت ترمي اليه …

مع سوء حالة الرجل تلك كنا جميعا نغرق بالضحك، ولم ينقد رفيقنا الا باب البيت وهو يفتح ليدخل صديقنا ومضيفنا (سالم) ليجدنا كلنا نغرق في نوبة هستيرية من الضحك ووحده (نص الطياب) رفيق سفرتنا يخضّر ويصفّر في انتظار ملاك الموت، حينها سألنا سالم قلقا …

خيره الراجل بالك مريض وسال زوجته لائما عليها. لما لم تكلمي خوي يرفع يعالجه في المستشفى سكتت هي احتراما له … أدركنا نحن ذلك فاختصرنا الامر على سالم واخبرناه بكل القصة.. حينها ابتسم سالم وجلس لجوار رفيقنا ووضع تحت راسه وسادة وأخبره قائلا

يا خليفة زوجتي عمرها ما قرت فنجان.. ولا حتى القهوة تحبها وزيد عليها عندها بداية قرحة والدكتور مانعها عليها نهائي. ومادارتها غير ع خاطركم.

 كان يختتم حديثه مع رفيقنا وكانت تهم بالخروج بعد أن أعدّت لنا منامنا واغطيتنا وهي تسحب أصغر اولادها من يده وتبتسم لنا ابتسامة (ماكرة) قائلة (هي تصبحوا ع خير).. واضافت لزوجها (تبوا اي حاجة انا فايقة سلومة) …

بعد خروجها أختتم سالم حديثه معنا بقوله مع انني متأكد مما سأسألكم عنه لكن مع ذلك. ارجو ان لا تكونوا قد شعرتم بالقلق في غيابي.. وأكمل حديثه ضاحكا وهو يمازحنا..  اما عن زوجتي فصحة ليها مش ع كونها هنتني عليكم وقامت بخدمتكم لكن لكونكم ثلاث (غرابة) ومتع جامعات… وضحكت عليكم (شرقاوية بدوية من بنغازي ابتدائية ما عندها) لين واحد منكم قريب جابله اجله الخوف من الوهم ومات (بالصفير).

أكملنا سهرتنا الصباحية تلك ونحن نضحك ع كل ما دار من احداث تلك الليلة.. قبل النوم سحبت مذكرتي وسجلت ع غلافها (بنغازي ساحبك ما حييت 1986م)..

9/2021

مقالات ذات علاقة

الهروب للثمانينات.. الطريق المخاطر نحو السندباد

زكريا العنقودي

بَرَّاكةٌ خَيرٌ مِن وِزَارَة!!!

المشرف العام

والمغرب مرة اخرى (2)

سالم الكبتي

اترك تعليق