دراسات

بناء القصة القصيرة على نمط بناء السيرة الشعبية

قصة أحدب القرية لأحمد فكرون أنموذجا

(سلسلة دراسات حول القصص المشاركة في مسابقة سيكلما للشعر والقصة)

Detail of new work 2020 Adnan Meatek

أولا. مدخل حول خصوصية القصة

قصة أحدب القرية فيها وصف مميز وأحداث تنتمي للبعد العجائبي، حيث نتابع حدث ولادة أحدب القرية، ثم حدث حضور الصياد ثم حدث الطوفان وجفاف نبع القرية. القصة فيها بعد تراثي وتناص مع السير العربية حيث هناك إنذار من شخص خاص بوقوع مصائب تتحقق اخر القصة. لغة جيدة ومعالجة طيبة للموضوع.

وظف احمد فكرون في قصته: احدب القرية، تقنيات تشبه كتابة السيرة الشعبية مما جعل القصة مميزة رغم انها تنهل من الرصيد السابق للقصص التراثية، حيث كانت تحتوي على الإنذار والوعيد على لسان درويش القرية، وهو ما تحقق في اخر القصة. المجمع القصصي في هذه القصة حاضر ومميز بكونه منفصل عن الحقيقة وحامل الحقيقة : الدرويش، ما جعلهم يقعون في وطأة الهلاك في اخر القصة. وهي بذلك قصة تراثية فيها تناص مع السير العربية حيث هناك إنذار ووعيد من شخصية  خاصة (درويش من العادة) أو إنذار يأتي في صورة منام، بوقوع مصائب تتحقق نهاية القصة. لنتابع هذا المقطع في بداية القصة:

“اجتمع حوله بعض فتية القرية وهو ينادي بصوت عال ” لن ينجيكم إيمانكم عندما تحل الكارثة، عندما يجيء الطوفان لا تلجؤوا إلى رؤوس الجبال، لن يطفأ غضب الماء إلا الماء”. انفض الجميع من حوله وهم يسخرون من قوله وكلماته، وسحبته والدته إلى داخل البيت.”

الدعوى النصية السابقة (كما يسميها سعيد يقطين)[1] أساسية في هذه القصة فقد بدأت القصة بها كما أن شخصية الأحدب هي عنوان القصة مما يحيلنا اكثر على مركزية الشخصية (حاملة الدعوى النصية ومبلغها) في هذه القصة.

ثانيا. الشخصية المناسبة لحمل السر او شخصية الدعوى النصية في القصة

المقطع التالي نجد فيه سردا لولادة هذا الأحدب مع ربط ولادته بظروف صعبة شديدة وأحداثا مختلفة تتضمن موت القابلة وإحضار قابلة جديدة:

“ولد في ليلة عسيرة عرفها أهل القرية باسم ليلة العجائز فبرودة الطقس تلقفت أرواح شيوخ القرية وعجائزها؛ والرياح العاتية قضت على نخيل القرية وشجرها العتيق، كان من بين من رحلوا قابلة القرية التي أشرفت على ولادة كل نساء زمانها في القرية، كانت ألام المخاض تحاصر والدته بينما توارى القابلة الثرى؛ جاءتها إحدى نساء القرية لتتولى أمر توليدها، ولنقص في خبرتها ومعرفتها سحبت الجنين بقوة من رحم أمه فأدى إلى عيب في جسده مما جعله أحدب الظهر.”

طبيعة الشخصية السابق ذكر قصة ولادتها تجعل منها الشخصية المناسبة لحمل السر أو قول النبوءة المختلفة وهو ما يتعاضد مع النبوءة التي يحملها ويقولها باستمرار.

ثالثا. بناء الشخصيات في القصة

تكونت شخصيات القصة من ثلاث مكونات يمكن أن نحددها كما يلي:

1- أهل القرية:

نجد حديثا عاما عن مجمل سكان القرية، ويتضمنهم البعد الرمزي الذي تتضمنه القصة، فهم يسمعون ما يقوله الأحدب لكن لا يهتمون، سنجد صورتهم في آخر القصة قرب نهايتهم وهم غائبون عن الوعي، لنتابع الصورة التالية:

” في تلك الأثناء كان كل من في القرية غارقين في سكرهم وسهرهم وهم لا يشعرون، حل الصباح اسودت السماء زفر البحر غضبا علت الأمواج، عم الطوفان وغرق الجميع وجف النبع وخلت القرية.”

بينما نتابع تصرفات تلك الشخصيات منذ بداية القصة التي نجد فيها تناص كبير مع حدث الطوفان زمن النبي نوح عليه السلام، وحدث الطوفان حاضر في ثقافات عديدة أيضا، لنتابع صورتهم وسخريتهم في بداية القصة من الأحدب:

“أجتمع حوله بعض فتية القرية وهو ينادي بصوت عال ” لن ينجيكم إيمانكم عندما تحل الكارثة، عندما يجيء الطوفان لا تلجؤوا إلى رؤوس الجبال، لن يطفأ غضب الماء إلا الماء”.

انفض الجميع من حوله وهم يسخرون من قوله وكلماته، وسحبته والدته إلى داخل البيت.”

2- شخصية الأحدب

يبدو كما أسلفنا الأحدب النموذج المثالي للشخصية الحاملة للنبوءة والقادمة إلى الناس بالسر، سواء من خلال صورة ولادته، أو جسمه المختلف عن الأخرين، أو من خلال طبيعة الوحدة التي يعيشها وجلساته اليومية قرب النهر، ثم في النهاية موقفه عند حدوث الطوفان؛ وهو ما ينسجم مع كل ما رسم حول شخصيته المختلفة.  لم ينتبه إلى خصوصية هذه الشخصية إلا الصياد القادم من مكان بعيد، سنتابع في نهاية الدراسة الصورة العجائبية لموته.

القاص أحمد فكرون

3- الصياد الغريب.

نتابع كيف قدم الصياد إلى القرية وكيف جعل منه الراوي أداة لتحريك السرد ولتصوير شخصية الأحدب، حيث كنا نتابع الأحدب من عين الصياد، فيما لا يهتم أهل القرية بالأحدب ولا معيشته:

“… في إحدى الليالي الصيفية حط قارب غريب على مرسى القرية نزل منه شاب يافع وسيم الوجه يصاحبه كلب أبيض اللون، نزل الصياد الغريب في مضافة كبير أهل القرية عدة ليال إلى أن اشترى منزلا عند الشاطئ، لم يعرف احد سر هذا الصياد، قال بعض اهل القرية انه أتى لطلب الرزق وينعم بخيرات شواطىء قريتنا.”

رابعا. تحريك الأحداث

كانت الأحداث مستقرة تمضي على وتيرة واحدة، وتم تحريك الأحداث عن طريق الصياد الغريب حيث نتابعه هنا وهو يحاور ذاته:“… بالقرب من المرسى جلس الصياد يحاور نفسه ودخان نرجيلتيه يعلو في الهواء وكلبه باسط ذراعيه ومع زفرات دخان النرجيلة حدث نفسه قائلا سآخذ بثأرك من هذه القرية سارد لهم الصاع صاعين، ليعلموا قدر الرجال.”[2]

بينما تستمر الأحداث فهو نفسه يساهم في بناء الشخصية المركزية في القصة (الأحدب) من خلال متابعته له :

” لفت نظره أحدب القرية يأتي كل يوم إلى الشاطئ عند الجرف السحيق لطالما شاهد الأحدب يجلس على شاطئ البحر منفردا يرقب غروب الشمس فيبدو للناظرين كأنه يغتسل بحمرة الشفق الوليد .. ولا يبرح مكانه حتى يكاد لهيب الأفق المتماوج أن يهدأ ويسكن ويغيب”[3]

وعندما قرر أن ينتقم من أهل القرية وجد أن القدر قد سبقه حيث تتحقق نبوءة أحدب القرية في تلك القرية التي يبدو أن أهلها ظالمين، لحظة التنوير في القصة تكون من خلال ثلاثة مشاهد تعكس المكونات الثلاثة السابقة: مكون الغرباء ويمثله الصياد، ومكون الملهمين ويمثله أحدب القرية، ومكون الغارقين في غيهم ويمثله أهل القرية النائمين لنتابع ذلك هنا:

” (أ) نظر الأحدب نظرة شاخصة في الأفق هرع مسرعا نحو نبع الماء تبعه الصياد نزع الأحدب ثيابه ووقف تحت مصب ماء النبع وهو يردد ” لن يطفأ غضب الماء إلا الماء” حتى ابتلعه الطين. (ب) عاد الصياد إلى قاربه مرعوبا مسرعا وجد مياه البحر تتراجع وتبتعد عن المرسى قال بصوت منخفض اتاهم انتقام اقسى من نقمتي صعد القارب وركب الموج وغادر القرية. (ت) في تلك الأثناء كان كل من في القرية غارقين في سكرهم وسهرهم وهم لا يشعرون، حل الصباح اسودت السماء زفر البحر غضبا علت الأمواج عم الطوفان وغرق الجميع وجف النبع وخلت القرية.”[4]

لاحظنا في (أ) صورة الأحدب وهو يخرج من القرية أو من القوم الظالمين في صورة سينمائية تؤكد انتماء القصة لما يمكن أن نسميه بنص السيرة الشعبية، بينما في (ب) نتابع النتيجة التي توصل لها الصياد الذي هرب من القرية وأهلها بعد ان شاهد قرب وقوع الحدث الأكبر وهو غرق أهل القرية، بينما في (ت) تابعنا أهل القرية النائمين وقد داهمهم الطوفان.

خامسا. خلاصة

ركز الراوي على شخصية الأحدب المختلفة من كل الجوانب عن أهل القرية، فقد ولد ولادة خاصة في ليلة خاصة وضمن ظروف خاصة، وقد عاش عمره يردد نبوءة يبدو أنه كان مسئولا عن تبليغها، القصة مميزة مع اقتصاد في السرد وفي الشخصيات والاكتفاء بما هو ضروري.

اللغة جيدة ومعالجة الموضوع طيبة. القصة فيه حضور فواجع عديدة تعد منطقية بحكم النبوءة التي كانت تنهل من المخزون السردي العربي في بنيته السير شعبية.



[1] سعيد يقطين، قال الراوي، ص.24

[2] أحمد فكرون، قصة أحدب القرية.

[3] أحمد فكرون، قصة أحدب القرية.

[4] أحمد فكرون، قصة أحدب القرية.

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 42 (شَنْطَة)

عبدالرحمن جماعة

ليبيا واسعة – 28 (فاهـق)

عبدالرحمن جماعة

المواقع الثقافية الليبية على شبكة الإنترنت

رامز النويصري

اترك تعليق