دراسات

بناء الحكاية وجماليات السرد في قصة قرنا كبش أبيض للكاتب اسماعيل القائدي

من أعمال التشكيلي محمد التونسي
من أعمال التشكيلي محمد التونسي

1.1 حكاية القصة

تحكي قصة قرنا كبش أبيض حكاية يوم من أيام قبيلة في البادية خاص بجز الصوف، القصة مكونة من عدة لوحات منفصلة جزئيا ومرتبطة كلها ضمن نسق القصة الكلي. يبدأ الراوي باللوحة الأولى التي ترسم صورة ظهور الضياء صباحا، ثم تنتقل لترسم  صورة خيمة الجز، وهي خيمة كبيرة كما يرسم الراوي طبيعة التربة المشبعة بعبق الأعشاب والأشجار، في اللوحة الثانية نتابع عملية جز الغنم، حيث يقوم الراوي بتصوير المجتمع في الخيمة مكونا من رجال الجز مع أجلامهم وهم يجزون صوف الأغنام، كما نتابع الشخصيتين الأكثر حضورا وهما: (الشوهاي) و(الغناي)، الشوهاي يقوم بإعداد الشاي مترنما هائما، والغناي يطرب الناس ويختلط صوته مع صوت الأغنام الثاغية، وصوت قص الأجلام للصوف، وزغاريد النسوة التي تحفز الرجال على العمل والجد. بينما نتابع في اللوحة الثالثة شخصية عبدالله صاحب الأغنام وحضوره المميز، كما نتابع صورة كبشه الجارح الضخم وصورة الشباب وهم يحاولون وضعه أرضا لجز صوفه وقد قرر عبدالله أن يجزه بنفسه. في اللوحة الرابعة يتوتر الكبش ويرفع راسه فجأة فيفقأ عين صاحبه عبدالله الذي ارتمى بجانبه صارخا من الألم ومن خسارة عينه.

في اللوحة الخامسة الأخيرة نجد صورة للشيخ مراجع ونلاحظ طبيعة اسمه المختلفة. الشباب أقبلوا على الشيخ مراجع في خيمته وأخبروه بما حدث لعبدالله فطلب منهم أن يذبحوا الكبش الجارح بسرعة، وبعد ذبحه أخد منشفة بيضاء غمسها في دم الكبش ورمى بها وجه عبدالله فعاد بصيرا.

2.1 مدخل حول تميز القصة وكيف ستتم بدراستها:

تتميز القصة ببناء حكاية منظم، كما تتميز بتوظيف تقنيات سردية مختلفة، وهي مكونة من عدة لوحات منفصلة يجمعها عقد نسق سرد الراوي.

سنقوم بتحليل حكاية كل لوحة وكذلك سنتابع طبيعة التقنيات السردية في كل لوحة من اللوحات السردية متتالية، وسنحاول في آخر الدراسة أن نناقش بعض ملامح التناص في القصة.

3.1 بناء الحكاية وتقنيات السرد في اللوحة الأولى (الخيمة وظهور الصباح)

أولا. بناء الحكاية في اللوحة الأولى

 بنيت الحكاية في اللوحة الأولى من احداث صراع بين الليل والنهار: الليل الجاثم يقاومه ضياء الفجر الوليد وهذا الجزء من الحكاية هو تثبيت للقصة في بيئتها وإبراز لمكونات ثقافية عامة تخص الليل والنهار، والتراب المشبع بعبق روائح الأشجار، والأعشاب في الصحراء، كما ظهرت في اللوحة تلك الخيمة الكبيرة في الوادي.

الفواعل هي كما يلي: الليل والنهار والظلام والضياء، الأرض ورائحة الأعشاب الرتم والسبط والعرفج، وقطرات الندى. كما يتم تصوير الخيمة التي تبدو كنورس، والروائح والأرض الرطبة الندية. كما تابعنا فواعل طبيعية ليس فيها شخصيات محددة، ولكنها تقدم بانوراما عن المكان وخلفية للقصة، تقوم بوضعنا في طبيعة ما يحبه أهل المكان من عشق للفجر الوليد وكراهية الليل وحبهم لرائحة الأرض المشبعة بالندى والروائح المميزة، كما تبدو صورة مهيبة لخيمة الجز. المكان في مكان ما من البادية، والزمان في الفجر( صباحا).

ثانيا. التقنيات السردية في لوحة البداية

تبدأ القصة بمقطع فيه تأطير للسرد واشتغال مميز على الحواس من خلال صورة لا تنقل بشكل عادي وإنما بشكل يعكس رؤية خاصة عن طريق راو مندمج مع شخصيات المكان. الراوي يصور الفضاء المحيط بالخيمة بطريقة مميزة خاصة لنتابع بداية القصة:

“(أ) بدأَ الفجرُ المسجونُ تحتَ عباءةِ الليل الثقيلةِ يتسلل من صدر السماء، (ب) ينفث نورًا باهتًا خجولاً على وجه الأرض، (ت) لمعت قطرات الندى على أطراف، الرتَمْ و السبَطْ والعرفَجْ) فرحة مستبشرة بخلاص قريب.

(ث) على طرف الوادي انتصبت الخيمةُ كنورسٍ أبيض شرع جناحيه للريح، (ج) تحفها نسائم الفجر الوليد المتشبعة بضباب خفيف، (ح) يحمل رائحة الأرض الطرية وعبق أزهار الرتم.”

تابعنا في المقطع (أ) صورة الفجر وهي صورة مؤطرة بحضور الزمن فيها وبالمكان المتخيل وهو الليل الذي صارت له عباءة، ونجد صورة الفجر وكأنما يبكي الراوي على بساطته وبطء ظهوره، في صورة بصرية مميزة في (ب).  الرؤية تعبر عن القلق من الليل الجاثم على الصدور، كما أن الفجر يتسرب من صدر السماء، والضياء وهي تتسلل كأنما هناك قوة تمنعها.  صورة بصرية متخيلة لصراع موجود بين الليل والنهار في ذهن الرائي، مع تأطير الحدث زمنيا ومكانيا من خلال الليل والنهار والفجر والسماء ووجه الأرض.

 الصورة في (ت) ترسم مكونات المكان كما يقوم الراوي بتحويل الفواعل إلى ما يشبه الكائنات البشرية/ انسنتها، ومنها قطرات الندى وهي تلمع على أطراف (مكونات المكان): الأعشاب والأشجار من الرتم والسبط والعرفج. صورة الضياء تبدو هنا أيضا في (ت) خلاصا يستبشر به.

الصورة البصرية للخيمة مميزة فيها بعض من آثر حاسة اللمس ونحن نتابع كيف تحف الريح الخيمة التي على طرف الوادي، كما أن السرد كله مؤطرا؛ فالخيمة محدد مكانها، ولحظة الحدث حاضرة، وهي فجرا سبق الحديث عنه، ونجد تأكيده من جديد في مقطع (ج) التالي. الخيمة مكان يجتمع الرجال لجز صوف الأغنام، الخيمة تمّ تصويرها نورسا شرع جناحيه للريح، بينما يختلط في الصورة في (ج) البصري واللمسي من خلال صورة ضباب خفيف والشعور بلمس تلك النسائم للخيمة، هذه النسائم تصبح أداة لتصوير حواسي شمي في (ح) من خلال صورة ما تحمله النسائم من روائح للأرض وللرتم، المقطع (ح) فيه جانب لمسي (متخيل غير حقيقي) أيضا من خلال صورة طراوة روائح الأرض .

الصورة السابقة في (ث)، و(ج)، و(ح) مؤطرة بشكل مميز من خلال حضور الزمن والمكان ومكونات تشكل بانوراما الفضاء المكاني لذلك الوادي؛ حيث الخيمة منتصبة، بينما تظل صورة الخيمة المنتصبة كنورس شرع جناحيه للريح مدخلا مميزا لقصة شديدة الخصوصية، تقدم من وعي راو يندمج مع شخصية تحب هذه الفضاءات، تعشق النهار وتبغض الليل.

4.1 بناء الحكاية وتقنيات السرد في اللوحة الثانية (جلسة جز الأغنام)

أولا. بناء حكاية اللوحة الثانية

المفردة الرئيسية في اللوحة الثانية هي مفردة وصف يوم جز الأغنام في قبيلة بدوية. تتكون من شخصيات وفواعل مختلفة منها الرجال الذين يجزون والرجال الآخرين الذين يحضرون الغنم، والشخصيات الضرورية في ذلك المكان: وهما الشوهاي والغناي بالإضافة إلى النسوة، ونجد فواعل منها الاجلام السوداء والعمائم البيضاء فوق الرؤوس والأغنام الجاثية تحت الأقدام. بالإضافة لحدث الجز فإن حدث زغردة النسوة تحفز على العمل وتبرز المكون الثقافي السائد. بينما المكان في خيمة الجز وحولها والزمان ضحى.

ثانيا. التقنيات السردية في اللوحة الثانية

اللوحة الثانية توضح طبيعة القصة وموضوعها، نحن هنا في جلسة جز صوف الأغنام، وهي جلسة معروفة لدى مربي الأغنام، رسمها الراوي وأحسن توظيف تسميات شعبية أدخلها فجعلت القصة مميزة وقريبة من الواقع. الراوي أحسن توظيف الألوان أيضا، لنتابع الصور التالية: في (أ) و(ب) صورة بصرية للخيمة ومن فيها من رجال وهم يعصبون رؤوسهم بعمائم بيضاء فيما بين أيديهم أجلام جز سوداء. الصورة بصرية والتأطير حاضر باستمرار ضمنها لنتابع بعض من ذلك لندرك القصد:

 افترش بعض الرجال – بساط الأرض.

  عاصبين رؤوسهم ب- عمائم بيضاء.

يحمل كل واحد فيهم – جلما أسودا.

نفس الأمر نتابعه في الجزء (ت) و (ث) فالشياه مسجاة – تحت الكرب

جلب الشياه – من زرائبها

نلحظ مما سبق أن الصورة البصرية مستمرة وهي صورة يرسم فيها الراوي مكونات جلسة جز الغنم بلغة مميزة وعبارات منتقاة بعناية، كما يتم هنا فعل رفد (دعم) للسرد بالتأطير وذلك  بإحضار مكون ما يدعم تلقي الحدث أو يدعم حضور فعل الفاعل أو الشخصية لدى المتلقي.

ويستمر الراوي في إكمال لوحة فريق الجز بشخصيات لا غنى عن حضورها مع فريق الجز، وقد ذكر اثنين منهما داخل الخيمة، والبقية متابعين من الخارج لهذه الجلسة التي لا تخلو من حنين ما غامض اجتماعي ضمن أفراد القبيلة. 

الشوهاي والغناي هما الشخصيتين اللتين لا غنى عنهما في هذه الجلسة الخاصة. تمّ في المقاطع (ج، ح، خ) رسم صورة من يعد الشاي/ (الشوهاي) وما يقوم به، بدأ الراوي التصوير في هذه الصورة البصرية المتحركة (السينمائية) في سرد تأطيري يرسم فعله في (ج) بين اليمين واليسار، ثم يرسم ما يفعله سرا من غناء يترنم به، ثم في (خ) يختلط فعل الشاي مع تذكر الفتاة من خلال محادثة صورتها في وجه الشاي في الكأس، بينما نجد إكمال اللوحة بالصورة السمعية في (د) ليكون صوت الغناي متداخلا مع صوت الاجلام مع ثغاء الأغنام وزغاريد النسوة. هذه الصورة السمعية المتداخلة تكون محفزا للرجال في خيمة الجز على العمل وعلى المزيد من بذل الجهد ضمن ثقافة تترابط فيها العلاقات بين ثنائيات من شخصيات وفواعل مميزة.

“(أ) في جوف الخيمة الكبيرة افترش بعضُ الرجالِ بساط الأرض عاصبين رؤوسهم بعمائم بيضاء، (ب) يحمل كل واحد فيهم جلما أسود، (لون) (ت) يجز الصوف عن الشياه المسجاة تحت الركب، (ث) فيما هم بقية الرجال بجلب الشياه من زرائبها .

(ج) على طرفٍ قصي من الخيمة جلس (الشوهاي ) يرفع (براد الشاهي) عاليا بيمناه ليسكب محتواه في كوب معدني بيسراه، (ح) يترنم همسا بأنشودة يحفظها ويُسمِعُها لنفسه ولمحبوبته التي كان طيفها يجلس قبالته تارة، (خ) ويرى وجهها في رغوة الشاي تارة أخرى.

(د) ارتفع صوت (الغناي) منشدًا على إيقاعات أجراس الجلام وكورال ثغاء الأغنام الممزوج بزغاريد النساء من وراء أروقة الخيمة , محفزا الرجال”.

5.1 بناء الحكاية وتقنيات السرد في اللوحة الثالثة (مالك الأغنام عبدالله وكبشه الجارح)

– أولا. بناء حكاية اللوحة الثالثة:

في اللوحة الثالثة تظهر صورة عبدالله مالك الأغنام وهي صورة مميزة، فهو واسع العينين، وهو صاحب الكبش الضخم الجارح. نتعرف على عبدالله وكبشه الجارح، وكليهما قد تمّ تصويرهما ضمن الحدود القصوى للأشياء، وهنا نحن نستعد للحدث الأكبر. هذه اللوحة التي تقربنا من الحدث التالي المهم، وتضعنا أمام وضع الشخصيات جميعها وتركيبة القبيلة، لعل أهم ما في هذه اللوحة من أحداث رغبة عبدالله أن يجز صوف كبشه الضخم الجارح بنفسه.

المكان في خيمة الجز والزمان لا زال ضحى.

ثانيا. التقنيات السردية في اللوحة الثالثة

الأحداث حتى بداية اللوحة الثالثة عادية هنا سيأتي الحدث الذي يخرق الوضع الطبيعي الهادئ السابق، عبر تصوير مميز يخرق هذا العادي من خلال صورة عبدالله صاحب الشياه وكبشه، الذين يعدا معا (كما رسمهما الراوي) في أعين الحاضرين ضمن الحدود القصوى للأشياء. نتابع صورة مالك الأغنام (عبدالله) بعينيه الواسعتين يصول ويجول بلا كلل، بينما نجد في الجزء (ب) والجزء (ت) صورة الكبش الجارح في الحدود القصوى للأشياء؛ فهو كبش ضخم فريد جدا، جيء به ليُجَزَ صوفه، وكان حوله أربعة من الشباب يمسكون به. بينما في (ث) عبدالله يعلن عن ملكيته للجارح ورغبته في جز صوفه بنفسه، ثم صورة مميزة لعملية إسقاط الجارح تمهيدا لجزه في (ج) و (ح)، نلاحظ الصورة المميزة لسقوط الجارح، وهي صورة بصرية متحركة يحضر فيها بعد السمع وكذلك بعد اللمس؛ البعد السمعي من خلال ثغاء الكبش الجارح، والبعد اللمسي من خلال ملامسة جسده لثرى الأرض الرطب . تكتمل الدائرة في (خ)، حيث يقوم صاب الكبش عبدالله بجزه. الحدث معتاد كما تابعنا لكن ما يميزه هو عبدالله بشخصيته وكبشه الجارح، وهما الآن معا تحت عين الراوي المدققة والمصورة.

 الصور في اللوحة السابقة تخلت قليلا عن التأطير، لكن الراوي عاود توظيفه في المقاطع الأخيرة.

“(أ) في وسط الخيمة وقف (عبد الله) مالك الأغنام ينظر بعينيه الواسعتين الى سير العمل، يصول ويجول بلا كلل في قلب الخيمة وعند أطرافها، شاحذا همم الرجال .

(ب) جيء بالكبش العظيم ( الجارح ) لخيمة الجز، (ت) أوقفوه عنوة فامتدت قامته ثاغيا بصوته الأجش، وقف كغول بين أربعة من الفتية، اثنان يمسكان بقرنيه الضخمين المسننين، واثنان يشدان على عجيزته الضخمة.

(ث) صاح عبد الله:

–      هذا كبشي , ولن يجزه أحد غيري .

(ج) بعد عناء وعناد من الكبش استطاع الفتية الإيقاع به أرضًا وتقييده من قوائمه الأربعة.

(ح) انفجرت حنجرة (الجارح ) بالثغاء، لم يقبل بالقيود، فبدأ جسده الضخم بالتململ، ممرغا صوفه الأبيض الكث بثرى الأرض الطرية .

(خ) فيما وضع عبد الله ركبته على جسد الكبش الجاثم تحته، وبدأ بجز الصوف عنه، بدأ (العهن المنفوش) يتطاير في الأرجاء كسحب بيضاء”.

6.1 بناء الحكاية وتقنيات السرد في اللوحة الرابعة (الجارح يفقأ عين عبدالله)

– أولا. بناء حكاية الحدث في اللوحة الرابعة

الكبش (الجارح) خوفا من الجلم الذي يحركه عبدالله قرب عنقه حرك رأسه بقوة، فأصاب بقرنه عين صاحبه عبدالله ففقأها، وسال دمها وزلالها خارج العين، وارتمى عبدالله آلما وخوفا بجانب كبشه الجارح.

الحدث يتركز هنا بين عبدالله وكبشه الجارح وعين عبدالله وقرن الجارح.

المكان خيمة الجز والزمان ضحى.

ثانيا. التقنيات السردية في اللوحة الرابعة

نتابع في اللوحة الرابعة الحدث لرئيسي وهو إصابة الجارح لعين صاحبه عبدالله، حيث فقأ عين عبدالله بقرنه، السرد مؤطر  كما نتابع في (أ) الراوي يسرد الحدث وهو اقتراب فكا الجلم من عنق الجارح، ونجد صورة حملقة الجارح في عبدالله، والصورتين السابقتين بصريتين مسلحتين بالتأطير. بينما في (ب) يدخل الراوي ليعبر لنا عما يشعر به الجارح من خوف ومن ثم انتفاضته في (ت) واصابته لنقطة في رأس عبدالله لم يحددها الراوي من البداية وإنما تكلم عنها بشكل غامض، ثم نجد الراوي وقد وضعنا أمام الحدث في (ث)؛ حيث عين عبدالله فقئت وزلالها اختلط مع الدم.  الصورة الدرامية مميزة في (ث) وفي (ج) حيث وظف الراوي في (ث) صورة بصرية في نهايتها بعد لمسي من خلال صورة الدم والزلال وهما يسيلان من عيني عبدالله، ثم في (ج) صوَّرَ الراوي تحلق الرجال حول عبدالله وهو يصيح صياحا فاجعا فأختلط في الصورة الدرامية المميزة البعد البصري المتحرك بالبعد السمعي ممثلا في صياح عبدالله وهو راقد بجانب كبشه وهذا يدخل ضمن ما نسميه بالتاطير؛ حيث يقدم كل الشخصيات أو الفواعل في حضور مكونات الإطار المكاني والزماني وهي هنا مكونات مكانية. 

“(أ) اقترب فكا الجلم من عنق الجارح الذي بدأ يحملق في عبد الله، (ب) شعر الجارح بالخوف ، ارتعدت فرائصه ، انتفض، (ت) رفع رأسه للأعلى جازعا وجلا ، فارتفع قرنه المدبب إلى رأس عبد الله الذي صاح هلعا وخوفا و ألما.

(ث) ارتمى جسد عبد الله على جنبه بالقرب من كبشه العظيم ، يضع يديه على عينه المفقوءة، والدم والزلال يسيل من مقلتيه سيلا، (ج) تحلق الرجال حول عبد الله وصياحه الفاجع يهز أطراف الخيمة وجعا .

7.1 بناء السرد وتقنيات الحكاية في اللوحة الخامسة (الشيخ يعالج عبدالله بدم الجارح)

أولا. بناء حكاية اللوحة الخامسة

تظهر في هذه اللوحة شخصية شيخ القبيلة الشيخ مراجع، وصف شكله، ومكان جلوسه، وما يقوم به من خربشة على التراب. الشيخ مراجع قدم الحل السريع لعلاج عين عبدالله؛ حيث أمر بذبح الكبش وأخذ جزء من دمه في منشفة بيضاء، ورماها على عين عبدالله المصابة فارتد بصيرا.

الشخصيات هنا: الشيخ مراجع وعبدالله والفتيان وهناك فاعل هو الكبش الجارح. الأحداث شخصيات القبيلة وتراتبها كما تبرز حلا اسطوريا قدمه الشيخ لعلاج عبدالله.

ثانيا. تقنيات السرد في اللوحة الخامسة (الشيخ مراجع يعالج عبدالله)

اللوحة الخامسة فيها حكاية معالجة الشيخ لعبدالله وهي تمثل لحظة التنوير في القصة، حيث تمثل الحدث الذي حرك الأحداث في أن الجارح فقأ عين عبدالله صاحبه، وهنا شيخ القبيلة يعالج عبدالله بدم الجارح الذبيح. الراوي في المقاطع (أ)، و(ب)، و(ت)، و(ث) يرسم شخصية شيخ القبيلة في مكان وجوده في خيمته في (أ) وهذا سرد تأطيري، ثم يمضي في سرده التأطيري راسما جسم الشيخ من خلال صورة مرفقه المدبب، وهي صورة بصرية فيها بعد لمسي من خلال لمس مرفق الشيخ المدبب للتراب، ويقوم في (ت) و (ث) بوصف ما يفعله الشيخ في لحظات فراغه ووحدته؛ فهو يخط بعود الزيتون ويمحو.

الصورة أغلبها بصري، تتحول للبصري المتحرك (السينمائية) وهي تصور الشيخ: مكانه، ووصفه، وما يمسك به في يده، وما يقوم به مع حضور التأطير باستمرار كما هي عادة الراوي في هذه القصة المميزة.  هذا البطء في الجزء السابق من اللوحة الخامسة الأخيرة سيقابله سرعة ونشاطا؛ حيث حضر الفتيان ليخبروا الشيخ عن الحدث وهو ما أصاب عين عبدالله من قرن الجارح. الشيخ مسرعا يطلب منهم ذبح الجارح، الراوي في (ح) قام بتصوير وضع الشيخ وهو مقبل على أمر جلل مستفزا خبرته مستعجلا، وقال بضرورة ذبح الجارح، بينما نجد في (خ) صورة سينمائية لتنفيذ أمر الشيخ وذبح الكبش. علاج بصر عبدالله كان بالمنشفة المغموسة بدم الجارح في (د) تلك التي رماها الشيخ على وجه عبدالله فارتد بصيرا وهي صورة بصرية متحركة فيها شيء من اللمسي، كما نجد ما فيها فواعل بصرية لونية مؤثرة وهي اللون الأبيض والأحمر كما يوجد بها آثر من حاسة اللمس حيث المنشف الاحمر القاني بالدم يلمس وجه وعين عبدالله المصابة.  لحظة تنوير مميزة تعود فيها الأحداث للسكون بعد صخب حدث اصابة عين عبدالله. لنتابع اللوحة الخامسة الأخيرة في القصة:

“(أ) في خيمته كان متكأً على جنبه، (ب) غارسا مرفقه المدبب كسهم في التراب، (ت) يحمل بيده الاخرى عودا من زيتون ، (ث) يرسم على الارض خطوطا ودوائر مبهمة ، ويمسحها بكف يده ليرجع يرسم مثلها مرة أخرى.

(ج) أقبل الفتيان مجزوعون إلى خيمة (الشيخ امراجع):

–      يا شيخ امراجع!  الجارح فقأ عين عبد الله بقرنه.

(ح) جفل الشيخ، جحظت عيناه، جلس القرفصاء على عجل :

–      اذبحو الكبش بسرعة .

(خ) رجع الفتية بسرعة إلى الكبش المقيد، وجهوا عنقه شطر القبلة، فيما هم أحد الرجال بحز عنقه، انفجر الدم من رقبته، وتجمع في حفرة صغيرة تحت رأسه.

(د) أمسك الشيخ امراجع بمنشفة بيضاء، غمرها بالدم القاني، احمرت المنشفة، واتجه بها صوب عبد الله ، رمى المنشفة على وجه عبد الله ، فارتد عبد الله بصيرا “.

8.1 التناص في القصة:

وظف الراوي التناص ليجعل حدود معنى قصته مفتوحة، كما كان هناك تناص فكري طبيعي بحكم أن أي نص هو فسيفساء من نصوص سابقة، لنتابع الصورة العربية الأصيلة لليل وكراهية الليلة في بداية القصة؛ حيث يرسم الراوي صورة الظلام الذي يجثم على الأشياء والفجر المسجون تحت ظلام الليل، وما يمثله الضياء للراوي ولمن يرى (معه). يبدو الضياء في (ت من اللوحة الأولى) بمثابة الخلاص؛ وهو خلاص يستبشر به. هذه صورة أصيلة في ثقافتنا العربية؛ منذ أمرو القيس وليله الذي كموج البحر لا ينتهي.

صورة الصوف الذي يتطاير عند جز الكبش الجارح الضخم تمّ وصفه بكونه كالعهن المنفوش، وهي صورة فيها تناص مع القرآن الكريم، بينما في نهاية القصة نجد تناصا مميزا بين المنشفة وارتداد بصر عبدالله والقصة القديمة في القران الكريم عن عودة بصر سيدنا يعقوب بعد أن وضع على وجهه قميص ابنه يوسف، خاصة في جملة القصة الأخيرة: ( فارتد عبد الله بصيرا). التناص كما أسلفنا يجعل المعنى مفتوحا، ويضع آفاق اخرى للمعنى غير تلك المعاني البسيطة الموجودة قريبا، بينما هناك تناصات طبيعية بحكم أنها تعكس ثقافة الراوي أو ما يريد أن يبرزه من وعي شخصياته، خاصة مسالة مفهوم الليل والنهار عند الشخصيات.  

9.1 خلاصة

يمكن أن نلحظ ان الكاتب قد أختار بيئة محلية من المنطقة المجاورة، وأختار يوما مميزا من أيام أهل تلك البيئة وهو يوم الجز، وانطلق وهو يصور يوم الجز ذلك وصنع حدثا حرك به الأحداث، وأبرز به طبيعة المكونات في القبيلة وكيفية حل الأمور فيها. وظف الكاتب التناص وحقق لنصه المحلي حضورا مميزا، وهو يعطينا درسا في كون مادة النص المحلية منهل مهم يجب عدم اغفاله، ويمكن إبرازها بهذا الشكل المميز ورسم عالم حياة غير ظاهر للآخرين ولكنه موجود في ثقافتنا وبيئتنا.

وظف الراوي تقنيات الاشتغال على الحواس وانتقل من صورة بصرية ثابتة إلى صورة متحركة، ووظف التأطير؛ فكانت أغلب مادته التصويرية مميزة وفاعلة ومؤثرة على المروي له.

جعل الراوي من قصته مقسمة في صورة لوحات منظمة انتقل فيها من العام (صورة الخيمة) إلى الخاص (داخل الخيمة)، ثم ركز عدسة تصويره على عبدالله وكبشه الجارح في اللوحتين التي فيهما تحريك للحدث، وكانت اللوحة الأخيرة مركزّة على الشيخ مراجع شيخ القبيلة، الذي كان منه الحل في لحظة تنوير القصة بذبح الكبش ورمي عبدالله بمنشفة فيها دمه.

وظف الراوي الألوان بطريقة مميزة وكان حريصا على خلق نوع من التضاد في الصورة التي تحتويها فالرجال ذوي العمائم البيضاء يمسكون بجلام سوداء، والمنشفة التي كانت بيضاء صارت بحكم نقعها في الدم حمراء.

 كانت صورة الأرض في هذه القصة مميزة فهي طالما كانت رطبة طيبة ندية، بينما كان الضياء أروع وأجمل وهو يخلص الأرض من الليل الجاثم.

 وظف الراوي ضمن قصته أيضا أسماء مناسبة فالشيخ اسمه مراجع وهو اسم معتاد في البيئة البدوية ومناسب لشيخها، كما وظف أسم الجارح للكبش، وكل هذه مكونات تجعل المعنى متعددا خاصة مع توظيف تناص مفتوح غير محصور بدلالة واحدة.

التقنيات السردية كانت مميزة مع الوصف المسّرد؛ حيث كان النص مكونا من لوحات اختلط فيها الوصف بالسرد بشل متناغم ومميز، مع راو كان ينسحب لصالح ثقافة سائدة عند مجموع الشخصيات الحاضرة في ذلك الفضاء المكاني. نص مميز بل أعتبره مكسبا للقصة الليبية القصيرة بالاقتصاد في سرده وقدرته على تمثل ثقافي كبير مع اتقان لعبة التقنيات السردية وتوظيف تقنيات القصة القصيرة التقليدية بأسلوب جديد وبيئة جديدة مميزة وفاعلة.

مقالات ذات علاقة

المواقع الثقافية الليبية على شبكة الإنترنت

رامز النويصري

جماليات السرد وبناء حكاية قصة من يسمع قصة المطرة الأولى لعلاء الدين كويدير

عبدالحكيم المالكي

المراكز الثقافية في ليبيا… المسؤولية والإشكاليات والدور المنوط من أجل التنمية الثقافية المكانية المُستدامة

حسن أبوقباعة

اترك تعليق