دراسات

بناء الحكاية وجماليات السرد في القصة القصيرة

قصة (خطيئة تسير على قدمين) لأميرة الكلباش أنموذجا

(سلسلة دراسات حول القصص المشاركة في مسابقة سيكلما للشعر والقصة)

من أعمال التشكيلي رضوان أبوشويشة

أولا. حكاية القصة

 تحكي قصة (خطيئة تسير على قدمين)  عن عائلة تعيش أزمة بسبب الوالد المتسلط الذي طالما كان  يضرب ويحطم في البيت وأفراده مع الأم الضعيفة. الوالد حطم شخصية ابنه محمد الذي طالما تعرض للضرب. تقدم القصة على لسان الأخت التي تبدو عنيفة ومتوترة، وبذلك نحن أمام حكاية نفسية اجتماعية فيها حِدة في التعبير، وقدرة على رصد التعاسة، مع لغة مميزة وقدرة على التعبير، بحيث وضعتنا الفتاة المتوترة مباشرة في أزمة قد تكون غير معتادة ولكنها بدون شك موجودة.

 بكاء الأخت على أخيها كان فاجعا وصورة الأب المجرم كانت بالغة لسوء، النص مميز واللغة طيبة، وقد صوّر الراوي أن المقصود ليس المؤسسة الأسرية فوالد صديقتها (فاطمة) السيد عبدالحفيظ، محب لأبنته، والفتاة المأزومة تتمناه والدها، ولكن المقصود هو هذا الوالد الظالم. توزع أذى الوالد السكير على الجميع حتى ولده الوحيد محمد الصغير الذي تعرض لنكسة نفسية نتيجة لضرب والده وإهانته المستمرة له.

ثانيا. بناء مجتمع القصة

المحيط الاجتماعي حاضر في هذه القصة ولكنه محيط بائس نتيجة للوالد السكير التعيس، وعلى الرغم من البؤس الذي تعيشه هذه الأسرة من خلال الأب الظالم؛ إلا أن حجم العواطف بين أفرادها كبير، لنتابع المقطع التالي حيث يكلم الأب ابنته:

“تقصيري في ركل والدتك أنجبك للعالم” قال والدي مرّة بشكل مسعور في نوبة من نوباته، صارخًا في وجهي لأنني تأخرت في الخروج من المدرسة ذات اليوم، بسبب انشغالي مع إحدى زميلاتي. تأخرت سبع دقائق تدرجت فيها على ما يبدو سلّمًا للخطايا، لأصل في أخره للخطيئة الكبرى، وجودي على قيد الحياة وكوني ابنته. لم يفقد والدي أعصابه بشكل هيستيري بسبب انتظاره لي تلك الدقائق أمام المدرسة، بل لأنني أجبته لأول مرة قائلة بشكل أقرب للهمس: “لا أرى مشكلة يمكن أن تتسبب بها سبع دقائق يا أبي، كنت فقط أتفقد ما فاتني من دروس”.

ثالثا. ترابط بداية القصة ونهايتها

نجد الراوي في مدخل القصة يحكي (على لسان الشخصية) بما يشبه الحلم عن تصورها لقتل أبيها وهو ما سيصبح في آخر القصة فعلا حقيقيا تقوم به، لنتابع البداية هنا:

“طعنت والدي في صدره، ثمّ هشّمت يديه. سحقت أصابعه سحقًا، حتى امتزج اللحم بالعظام والأظافر الناتئة. لا أدري إن كان محض حلم أو خيالات. في الآونة الأخيرة، الحد الفاصل بين النوم والصحو بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا كسراب ينقشع عن هاوية.”

كما نجد في نهاية القصة إيحاءً بأن الفتاة قامت بقتل والدها، إننا إذا مع الأسرة وهي تدفع الشخصية لتمتلك المبادرة ولكنها مبادرة فيها عنف:

“أخرج من الغرفة بحثا عنه. هناك، يقف والدي في غرفة المعيشة ممسكا به من صدره الصغير حيث يقف بدوره بينه وبين والدتي الجاثية على الأرض غارقة في دموعها. يلتصق كف والدي بوجه أخي، يمسكه من شعره ويلقي به أرضًا، تحاول والدتي دفعه، ترجوه أن يتركه، تركله وتحاول خدشه، صرخاتها تعلو، تنشج بشكل مرير، يجثو أبي فوقها لاكما إياها، تأوهات أخي تخفت، قلبي يكاد يمزق لحمي ويقفز خارجًا. أمسك بشيء قربي وأهوي به على رأسي أبي. يتهاوى ويسقط، وأسقط أنا في غياهب سوداء ليغيب كل شيء لمدّة.

أين أنا؟ ما الذي حصل؟
محمد، أين أخي محمّد؟
يتمتم صوت حولي لبرهة، تعلو ابتهالات أجهل مصدرها في محيطي، ويحتضنني الظلام مجددا.”

الفتاة التي تفكر طول النص او تحلم بقتل والدها تقتله في أخره؛ حيث البعد النفسي للفتاة متوتر جدا.

رابعا. تقنيات سرد مختلفة استخدمت في القصة

أستخدم الراوي عديد الأساليب المميزة لوضعنا في إطار ما تعيشه الشخصية المتوترة والعنيفة لنتابع بعضها من خلال المقاطع التالية

1- تقنيات سرد مختلفة في المقطع الواحد

نجد هذا المقطع الذي يلخص الأزمة التي تعيشها تلك الفتاة الحساسة المختلفة، السرد مميز والقدرة على التصوير السردي للأحداث والعودة للماضي ثم للحاضر مميزة أيضا، لنتابع هنا حوارها الداخلي والدقة في تحديد العمر التي تدل على دقة في نظام كافة أبعاد الشخصية الداخلية، كما نلاحظ إثارة المروي له بسرد النفي في البداية في (أ)  ثم بسرد يتضمن توجيه الأسئلة في (ب) ثم في (ت) نتابع سرد الشخصية لما هو معلوم عندها، وفي (ث) تمّ استخدام اللهجة عند نقل كلام الخالة لتقديم التصور الشامل حول الأزمة، ثم في (ج) نجد توظيف أسلوب النفي مرة أخرى لوضعنا في إطار وعي الشخصية وألمها، ثم في (ح) نجد الإثبات لتأكيد رؤيتها المتمثلة في أن الوجود في هذا البيت لم يكن قرارهم، ثم في (خ) تضعنا بين صورتين متناقضتين السعادة التي تراها في عيني والد صديقتها فاطمة مقابل البؤس الذي عليه أخيها الوحيد الصغير محمد، كل ما سبق من إتقان لفن السرد جعل من السرد رشيقا مميزا ومن الصورة قابلة للتمثل على الرغم من قسوتها:

“(أ) لا يؤلمني شتمه لي، بل أنني أجهل أسبابه. أبلغ من العمر 13 سنة و9 أشهر(ب)  وأتساءل في كل يوم لما نلاقي معه هذه العذابات؟ (ت) أعلم أسباب والدتي في عدم هجره، فلم تكن توجد أذرع في بيت جدي لنا، اللهم سوى لحثّنا ودفعنا للعودة لمنزلنا في المرة اليتيمة الذي استنجدنا فيها بجدتي وخالتي؛ فقد فارق جدي الحياة قبل أن أرى ظلام العالم وترزق بي والدتي. (ث) “معليشي تحمليه علي خاطر صغويرتك” تمتمت خالتي مرة مخاطبة والدتي التي تسبح في دموعها وتغرقنا نحن في بركة من دماء لا تُرى؛ لكن طعمها يلسع حناجرنا الصغيرة.

(ج) لم يسألنا أحد -نحن – الذين يتحججون بنا لإبقاء والدتي رهينة عبودية تتخذ “الزواج” كاسم مستعار، إذا ما كنا نستطيع الاحتمال أكثر من ذلك. (ح) لم يكن قرارنا أن نأتي من راحة العدم للدنيا، ولم نختر والدينا، ولو بالإمكان فعل ذلك، لاخترت والدًا يشبه والد صديقتي فاطمة. (خ) أبتسم لرؤية السيّد عبد الحفيظ. يمسك بيدها، ويستحيل بؤبؤ عينه إلى لون السعادة. إن كان للسعادة لون، فسيكون لون عينيه لدى رؤيته لفاطمة. وإن كان للأسى لون وطعم ورائحة فيسكون الكيان الذي يمثله أخي محمد تجسيدا له.”

2- سرد عدم الدراية

استخدم الراوي في المقطع التالي أسلوبا سرديا مميزا وهو يخلي مسئولية شخصيته من وزر الموقف الذي يرسمه من خلال سرد عدم الدراية أو السرد الذي يبرز عدم فهم الشخصية لما تقوم به من أفعال، لنتابع ذلك:

“طعنت والدي في صدره، ثمّ هشّمت يديه. سحقت أصابعه سحقًا، حتى امتزج اللحم بالعظام والأظافر الناتئة. لا أدري إن كان محض حلم أو خيالات. في الآونة الأخيرة، الحد الفاصل بين النوم والصحو بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا كسراب ينقشع عن هاوية.

3- السرد من خلال القيم المتباينة

ليضعنا الراوي في حرارة مشاعر الشخصية وتوترها فإنه يرسم أمامنا قيما أو مفاهيم متباينة، لنتابع تفكير الشخصية ونمط تصورها بين الحمد باعتباره مفهوما للطهر والقداسة وبين فعل الشياطين على الوالد كنقيض يعمل على وعي الوالد البائس أصلا.

“لكن هوينة السكون الحاد اندثرت، فيبدو أن الشياطين شهدت حمدي الله على الهدوء، وأسرعت لتوسوس لوالديّ؛ فيصدحا بما أوتي لهما من قوة خلال طقس عائلتنا المفضل- الشجار.

4- السرد من خلال الصور المتباينة

لنتابع في المقطع التالي تباين الصورة بين والد (الصديقة فاطمة) السيد عبدالحفيظ والسعادة التي تغمره برؤية ابنته وبين محمد أخوها وما يتعرض له من ضرب من أبيها، او سعادة والد بأبنته مقابل تعاسة ولد من أبيه.

“…، لاخترت والدًا يشبه والد صديقتي فاطمة. أبتسم لرؤية السيّد عبد الحفيظ. يمسك بيدها، ويستحيل بؤبؤ عينه إلى لون السعادة. إن كان للسعادة لون، فسيكون لون عينيه لدى رؤيته لفاطمة.

وإن كان للأسى لون وطعم ورائحة فيسكون الكيان الذي يمثله أخي محمد تجسيدا له”

5- صورة مميزة لأخيها محمد هنا: بين الطفولة والرجولة.

“… لكنه لم يصبح بعد رجلا، ولم تسنح له الفرصة أن يكون طفلا يوما.”

خامسا. الأساليب الإنشائية في القصة

1- النفي والتأكيد في السرد :

استخدم الراوي في هذه القصة أساليب إنشائية مختلفة لتفعيل السرد، ولتحقيق حضور مميز لما يصوره من أحداث تبدو غريبة أو غير متوقعة، لنتابع النفي والتأكيد في المقطع التالي:

” لم يفقد والدي أعصابه بشكل هيستيري بسبب انتظاره لي تلك الدقائق أمام المدرسة، تأكيد  بل لأنني أجبته لأول مرة قائلة بشكل أقرب للهمس: “لا أرى مشكلة يمكن أن تتسبب بها سبع دقائق يا أبي، كنت فقط أتفقد ما فاتني من دروس”.

2- رسم الشخصية وتأكيد تواتر الضرب والصفع من خلال نهج الأسئلة في السرد

نتابع في المقطع التالي المزيد من السرد من خلال حضور تقنية إظهار الراوي لتوجيهه السؤال  لنفسه وهو يحدث المروي له وكله في إطار وضعنا في الطبيعة المختلفة لهذا الوالد:

“فلطالما تساءلت: لماذا؟ لماذا يبدو والدي وكأنه ممسوس أو مجبول على إلحاق الأذى بنا؟ لماذا لم تتخلى عنه والدتي منذ أول صفعة؟ لا يجب أن أبالغ! امرأة تترك زوجها من أجل صفعة؟ فضيحة في مجتمعنا لا طاقة لنسائنا بتحمل تبعاتها.”

سادسا. الصورة النهائية والتأطير في السرد:

يتم التصوير كما يمكن أن نلحظ في المقطع التالي الأخير مع حضور الأطر المكانية من خلال تحديد أماكن الشخصيات ووضعها بالنسبة لبعضها البعض مكانيا، تابع ذلك من خلال الكلمات التي تحتها خط في المقطع التالي:

“أخرج من الغرفة بحثا عنه. هناك، يقف والدي في غرفة المعيشة ممسكا به من صدره الصغير حيث يقف بدوره بينه وبين والدتي الجاثية على الأرض غارقة في دموعها. يلتصق كف والدي بوجه أخي، يمسكه من شعره ويلقي به أرضًا، تحاول والدتي دفعه، ترجوه أن يتركه، تركله وتحاول خدشه، صرخاتها تعلو، تنشج بشكل مرير، يجثو أبي فوقها لاكما إياها، تأوهات أخي تخفت، قلبي يكاد يمزق لحمي ويقفز خارجًا. أمسك بشيء قربي وأهوي به على رأسي أبي. يتهاوى ويسقط، وأسقط أنا في غياهب سوداء ليغيب كل شيء لمدّة.

أين أنا؟ ما الذي حصل؟  محمد، أين أخي محمّد؟
يتمتم صوت حولي لبرهة، تعلو ابتهالات أجهل مصدرها في محيطي، ويحتضنني الظلام مجددا.
في كل الجمل المكونة للمقطع السابق هناك حضور للبعد المكاني أو الاتجاه أو موقع ما في علاقة مع الفعل المسرود، وهو ما يحقق تفعيلا للسرد، وجعل الصورة الدرامية أكثر تأثيرا وقوة في الفعل على متلقيها.

سابعا. خلاصة

نجح الراوي في تصوير البعد النفسي المأزوم عن طريق السرد الرشيق وتمثل الراوي المميز لوعي الشخصية مع رسم أفعال جائرة قام بها الوالد، كما أجتمع في القصة الجانب النفسي مع الجانب الاجتماعي لشخصيات مأزومة اجتماعيا مما أبرز الأزمة نفسية تعيشها الفتاة التي جعلها الراوي حاملة للواء السرد.

القصة مميزة والتصوير رائع والقدرة على تمثل الحالة النفسية للقهر كاملة، وعلى الرغم من كون القصة تقدم نهاية صعبة القبول  لكنها من خلال السرد وشعرية اللغة حقيقية وممكنة جدا.

 القصة فيها بكائية شديدة وتعبير عن بيت مأزوم وحياة صادمة حقيقية نجحت الكاتبة في تجاوز كونها تحكي عن قضية كبيرة بلغتها المميزة وشعريتها العالية وتمثلها للموقف السردي، كما تتمثل إيجابية القصة في تصوري على الرغم مما يبدو من سلبية فيها (في جانب توضيح الراوي لموقف الفتاة من مشروع الأسرة، فهي تتمنى والدا عطوفا رحيما مثل والد صديقتها فاطمة).


مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 23 (روشن)

عبدالرحمن جماعة

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (4) .. الكتابة والصمت، ولعبة ملء الفراغ

المشرف العام

ليبيا واسعة – 41 (قـرمـان)

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق