المقالة

بلفاست: تفاقم الهموم وانحسار الخيارات

بلفاست عاصمة آيرلندا الشمالية مدينة صغيرة تعودت منذ عقود طويلة على العيش بقلب مشطور شطرين غير متساويين، وبهوية متنازع عليها، وبتاريخ ما زالت جروحه طرية تنزف دماً وحمله يثقل كاهلها. مدينة بهدوء مخادع يتمدد متشعباً في شوارعها حيث يمتزج التاريخ بالجغرافيا والدين بالسياسة في خلطة عجيبة بمذاق مر ومؤلم في تفاصيله.

أتاحت لي الظروف أكثر من فرصة لزيارتها لكن جنسيتي الليبية والدور الذي لعبه نظام العقيد القذافي في ساحتها والضرر الذي أحدثه وقف حائلاً بيني وبينها حتى عام 2013 حين دُعي وفد رسمي من المجلس الوطني العام (البرلمان) لزيارتها وكلفت من قبل محمود الناكوع أول سفير لدولة ليبيا لدى المملكة المتحدة وشمال آيرلندا في مرحلة ما بعد العقيد القذافي بمرافقة الوفد.

لم تكن هذه المرة الأولى التي أكلف فيها بمرافقة وفود رسمية ليبية قادمة لزيارة بريطانيا لكنها كانت الأولى التي أتاحت لي مرافقة وفد برلماني ليبي إلى بلفاست للاطلاع على والاستفادة من تجربتها في المصالحة الوطنية بين طرفي النزاع من الاتحاديين والجمهوريين التي قاد إليها ما صار يعرف باسم اتفاق الجمعة الحزينة عام 1998 وأدى إلى منح آيرلندا الشمالية حكماً ذاتياً ترتب عنه مبدأ مشاركة السلطة وإجراء انتخابات نيابية واختيار حكومة ممثلة لكل الأحزاب.

كانت خطوة ذكية صممت ونفذت بمهنية وتنظيم يدعوان للإعجاب، وكان النواب الليبيون المدعوون من الجنسين يمثلون مختلف مناطق ليبيا وبخبرات وتجارب سياسية وبرلمانية تكاد تكون معدومة وكل معرفتهم بالوضع السياسي المتأزم في بلفاست وكل الإقليم مستقاة مما كان إعلام نظام القذافي يقدمه لكل الليبيين من معلومات مربكة من شدة فجاجتها سياسياً.

أوكل إعداد برنامج الزيارة إلى شركة علاقات عامة من القطاع الخاص تمكنت من إعداد برنامج لأعضاء الوفد أتاح لهم الالتقاء بكبار اللاعبين من السياسيين في بلفاست من الاتحاديين ومن الجمهوريين وزيارات عدة مقرات لعدة هيئات مدنية مهتمة بالسلام، كما شمل لقاء بالوزير الأول ونائبه ووزراء آخرين وزيارة لمجلس النواب ولقاء مع رئيسه، وكذلك لقاءات بعدد من الشخصيات التي قادت أو شاركت في الصراع المسلح العنيف وزيارة إلى رئاسة قوات الشرطة. وبين هذه اللقاءات والاجتماعات أتيحت لأعضاء الوفد زيارة أحياء المدينة ومناطقها المختلفة وتحديداً الجزء الشرقي معقل الاتحاديين البروتستانت والغربي معقل الجمهوريين الكاثوليك وجدار «شانكيل روود» الذي شيد بغرض الفصل بين الطرفين منعا للاحتكاك والعنف.

ثلاث ملاحظات جديرة بالذكر: 

أولها أن الزائر لبلفاست للمرة الأولى يفاجأ بالعدد الهائل من الكنائس المنتشرة في أنحاء المدينة مما يثير استغرابه في البداية، لكن في مدينة مقسومة على أساس اختلاف طائفي ديني فالأمر ليس بمستغرب لأن الخلاف البروتستانتي – الكاثوليكي ظل طوال السنين واجهة للصراع الدائر يستخدم بمثابة دخان ومرايا لحجب وإخفاء صراع سياسي تاريخي عميق حول هوية الإقليم.

وثانيها أن جدار «شانكيل روود» كان أول جدار شيد للفصل بين الطائفتين المتنازعتين، وليس الجدار الوحيد بل هو واحد من ضمن عشرة جدران شيدت عبر كل المناطق المتاخمة بين الطرفين المتنازعين منذ بدء الصراع في الستينات من القرن الماضي.
المدهش كما علمت فيما بعد أن اثني عشر جداراً آخر شيدت بعد التوقيع على معاهدة السلام الأمر الذي يضع الكثير من علامات الاستفهام حول المصالحة.

وثالثها ما أكده لي البعض ممن التقيت بهم في جلسات خاصة من سياسيين ومثقفين من الاتحاديين في بلفاست، وهو أنهم رغم أصولهم الإنجليزية وحرصهم على إبداء ولائهم للوطن الأم فإنهم لدى وجودهم في إنجلترا سواء للعمل أو الدراسة أو الزيارة أو غيرها يعتبرون آيرلنديون في نظر نظرائهم من الإنجليز!


نشر بصحيفة الشرق الأوسط.

مقالات ذات علاقة

الفن.. بين الأخلاق والجمال

المشرف العام

فك اشتباك بين الكتاب والصحفيين

عبدالرزاق الداهش

ﺣﻮﺍﺭ ﺑﻼ ﻣﻨﻄﻖ .. ﺛﺮﺛﺮﺓ ﻭﻫﺪﺭ

منى بن هيبة

اترك تعليق