طيوب البراح

بقايا غصات

سمية أبوبكر الغناي

من أعمال التشكيلي عمران بشنة
من أعمال التشكيلي عمران بشنة

حينها اختلطت مشاعري فكيف لعاقل أن يلجأ للخوف من الأمان، وللقلق من الاطمئنان. ها أنا اليوم اعترف أنني كنت مسيراً بإكراه وحب على سواء و لم تكن معادلة بسيطة و لا تحدٍ سهل، و لكن كان ترجمة لواقع غير مريح.

أذكر أنني رمقته حينها بنظرة أخيرة كلها أسى ولم أستطع الاستمرار بالتمعن في تفاصيله فلقد غشى الدمع ناظري. أردت ابلاغه بقراري، لم يهتم بكلامي كثيراً وتجاوزه بأنها عاصفة وستمر و ما علي إلا الصبر.

سرحت بتفاصيلٍ لم أعهدها فترائ لي وحش الهم يستوطن تفكيره “فأي صبر سيحتوي نيران الغيرة الهائجة وأي هدوء سيعقب عنفوان التملك”.   كان مشتتاً يحاول احتواء زاوبع الغضب، فتراه حيناً يتفادى هزات مدمرة ويتمسك برياء المسؤولية أحياناً، فأردت أن أعتقه من المسؤولية لعل بؤر الزلازل تستكين.  

 كل ما أذكره ليلتها أنني لم أستطع النوم فلقد خنقتني العبرات وأعلم أنها لن تخرج بهدوء لهذا تمالكتها حتى تمكنت منها وأخمدتها بعد أن سفعت شغاف قلبي.

ومع بزوغ الفجر حملت كل أثر لي وارتحلت لوجهة أخشاها بقدر ما أريدها، وأنا أعلم أنها ستزيح غيوم الشحناء من أجواء تلك الديار الهادئة. 

وصلت لمحطة مفصلية بحياتي، قطعت تذكرة بلا عودة واستقليت أول قطار في جدول الرحلات.  

جلست أقرب ما يكون لأمتعتي ومرت ساعة صمت كنت خلالها في مرحلة عبور وكانت من أثقل الساعات في حياتي. ظلت عيناي تطالع المشاهد من نافذة القطار ورأسي يعج بفرضيات وأفكار وتساؤلات عن الماضي والآن. وما أن وصلت وجهتي أدركت أنه الآن قد بدأت غربتي.

هي الأيام تتسابق وتمضي على عجل بكل ما فيها وتطبب ما خلفته فيما فات. ومر عام ووصلت نهاية الغربة لم يكن فيها طريقي سهلا ولكنني عبرته وحيداً معززاً بالإرادة والوفاء لعهود وآمال. 

 في النهاية كان لابد من العودة مجدداً لتلك الديار لإلقاء نظرة وداعية، مجبرة على التناسي لأستطيع ترميم ما خلفته العواصف الهوجاء.  وما إن وصلت المحطة وصعدت للمقطورة حتى تزاحمت عبرات تلك الليلة وذاك العام، لم أنطق كلمة ولكنني لم أستطع كف أدمعي و كأني أجيز لنفسي البكاء بعد كل ذاك العناء. وكان اللقاء وكأن شيئا لم يكن ورغم أن الأرواح تخفي الكثير من العتاب.

وها قد مر اليوم أعوام، ولا زالت تحاصرني التفاصيل. أختلس نظرات إليها فتلاحقني وتغوص بي في أعماق الذكريات بالطبع حينها لم أشأ الرحيل فليس خياري، ولم أرى في حماك إلا قراري ولكنك تخليت. فما عاد التمر تمراً ولا اللبن لبناً ولا الأضلع سكنا ولا مقلتيك. ألوم نفسي ولا أرتجيك. فما السكون ضعف ولا الرحيل قوة ولكن خانتني العهود وازدرتني النوايا. ولا زال في قلبي من الغصات بقايا.. ورقع خذلان تعود إليك. فهل تراني أعود إليك؟

مقالات ذات علاقة

يا سيدي الشهيد

المشرف العام

اعتناق قصيدة

المشرف العام

سنظل نكتب عن الحب

المشرف العام

اترك تعليق