قصة

بــزنــس

أقتله ..

اسأل عنه سطور الكتب المحظورة ومظاهرات الساخطين وجمعيات حقوق الإنسان والزنازين التي تعفنت بأجساد من دخلوها… الهواء مشبع برائحة الورق… والكتب تحتل كل مساحة الجدران والأرض وعلى إفريز النافذة المغلقة… نظر من خلف زجاج نظارته.

تفضل..؟؟

قالها وهو يفسح لي الطريق إلى كرسي قريب…، لم يتلق رداً مني … كنت أتفحص تفاصيل وجهه الصغير … قال في إنجليزية طليقة ..

“كان أي هيلب يو؟..CAN I HELP YOU”

تراجع خطوتين فيما كفه الصغيرة تختفي داخل جيب سترته الخارجي.. كان واضحا أنه فوجئ بصمتي وسكوني …

أقتله..

لا تخدعك نظرة الطفولة في عينيه.. قطعة الفولاذ الصغيرة الكاتمة تندس بين لحمي وثيابي فتحتويني طمأنينة مطلقة…

أقتله ..

أصابع يده تعالج علبة التبغ في اضطراب ظاهر، عندما أشعل عود الثقاب تأكدت أنه يغرق في بحر جليدي… لم يبتعد بنظراته عني.. خلف زجاج النظارة رأيت عينين قاطعتي .. تقدمت نحوه خطوتين.. لم يتراجع لكن العرق نز من جبهته وتقاطر على أرنبة أنفه وشفتيه فظلل زجاج نظارته بغيمة ضبابية، امتص أنفاساً شرهة متلاحقة من لفافة التبغ ثم سحق ما تبقى منها بالمنفضة الصغيرة التي توشك أن تختفي في ركام من مجلات اختلاف رسم حروف عناوينها.. فعل ذلك بقسوة متعمدة.. واجهني مرة أخرى.. تمتلكة حيرة فيما يجب عليه أن يفعل.. فرد ذراعيه ثم أسقطهما في استسلام غاضب.. فجر رنين الهاتف بغرفة داخلية الصمت بيننا، التفاتي جهة الباب المغلق كانت خاطفة نظر إلى بعينين لم يخف إطار نظارته هالة زرقاء تحيط بهما فيما الانتفاضة الخفيفة من ذراعه القصيرة تقول “لا تهتم…” تفضل ؟ قال بصبر نافذ ..

أقتله.

كنت أفكر في تسارع الزمن أو مفاجأة غير متوقعة.. عندما ضغطت على زر الجرس الخارجي كان هو الذي فتح.. لم يكن حذراً.. ابتسم وفتح الباب على مداه كأنما يستقبل صديقاً لم تقصر غيبته.. سبقني، كان في إمكاني أن أنهي مهمتي في تلك اللحظة، لكن الاستدارة السريعة لجسده وهو يخطو بخطوات قلقة إلى الداخل لم تسعفني من رصد ملامح وجهه الذي تبين لي فيما بعد أنها ملامح موظف أرشيف عتيق ..

أقتله.

لم يكن ضوء الغرفة قويا أو هكذا خيل إلي ولم يكن هو بعيداً عني.. تفصلني عنه مسافة ذراع ليس إلا.. لم يجلس.. كان يتوقع مني أن أفعل ذلك قبله لكنني تجاهلت نظراته المتسائلة كأنما هي جدران الغرفة، هذه الكتب.. كل شيء أمامي يتحول إلى كتاب.. لماذا يقرؤون الكتب ؟ اجتاحتني موجة حقد عاصف…

أقتله..

هي المرة الأولى وأنت جدير بها كذلك قال الرجل الذي يقف في المساحة المعتمة من الغرفة الشاسعة.. فيما أصابعه تفتح محفظة صغيرة أنيقة..

يكفي أن تصوب، ثم تضغط… لن يستغرق الأمر سوى ومضة.. لا تلقي (به) في وعاء النفايات… سنحتاج إليه وربما إليك ..

انقطع رنين الهاتف عند النداء الرابع.. أيقنت أنه وحيداً… أشعل لفافة تبغ أخرى ولم يقدم لي واحدة، كنت سأرفضها وكانت من نوع رديء.

انطلقت كفي بوهج البرق.. ثم صوت مكتوم وصوت آخر لزجاج يتناثر.

مقالات ذات علاقة

طماطم يابس

عزة المقهور

اللوحـة المتـمردة

عائشة المغربي

أزمـــــــــة

زكري العزابي

اترك تعليق