من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
قصة

بعوض في المستنقع

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

 

“لا تنفك حبات المسبحة عن الاسترسال تترا خلف بعضها بين سبابته و إبهامه، كأنه في سباق مع الزمن. لسانه يرطن بتسابيح متداخلة، لا يجف كنهر جاري !.زبده نائم فوق طرفي شعر فمه المصهب. عيناه الزائغتين لا تملان الدوران في كل اتجاه كخذروف الصبية. لا يتوقف عن وعظه أينما وجد، فرح، مأتم، شارع، بيت،مقهى، جامع. لا فرق لديه في نصحه بين الكبار و الصغار. يخالط إرشاده الديني بعضا من الحكايا و القصص الطريفة المشوقة التي يحبها سامعيه. إلى جانب ثرثرته الممتعة كان يغضب بسرعة إذا قاطعه أحدهم.

الشيخ الوقور دائما ماتراه وقت الضحى يجمع حوله صبيان الحي في حلق صغيرة يعلمهم القرآن الكريم و أحكام التجويد، و بعض الدروس في القراءة و الخط و الإملاء. بإسلوب سهل يحببهم في البقاء إليه.يمازحهم و يضاحكهم حينا، و حينا تداعبهم عصاه الطويلة شاقة روتين مزاحه في طريق أكثر طراوة، دالة على سماحة نفسه و نقاوة سريرته.

كان قريبا من الجميع، يحبه الصغير قبل الكبير،طيب القلب. يتفقد جيرانه بالصدقة. لا يرد أحدا يطرق بابه.  بالغ الكرم يقصده كل من سمع عنه خارج نطاق حيه. وجهه البشوش يشعرك بأنك تعرفه منذ سنوات خلت. كل ما امتاز به من خصال و صفات حسنة جعلته يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة.

في بيته المتواضع كان يعيش لوحده . لقد جرب الزواج ثلاث مرات و في كل مرة يخرج خاسرا بلا أطفال.  زوجته الأولى توفيت سريعا إثر مرض ألم بها، ثم تزوج بالثانية فلم يتفقا فطلقها، ظل بعدها عاما كاملا ثم ارتبط بالثالثة التي اكتشف بعد سنتين من زواجهما أنها عاقر بسبب إزالة مبايضها !!. منذ ذلك الوقت لم يعد يفكر في الزواج. هو الآن في السادسة و الخمسين من عمره.  عمر يحتاج فيه المرء من يعيله و يرعى شؤون بيته و يلبي رغباته رغم صحته القوية و لكن هو في الحقيقة عاجز في داخله،  مهشم الكيان .

كانت له جارة حديثة السكن في بيت مجاور.  تعمل مغنية في أحد النوادي الليلية و أحيانا تقيم السهرات في بيتها حتى وقت متأخر من ساعات الفجر. صوتها الرقيق الشادي يصل لكل بيت و هي تغني لكوكبة من الفنانين الكبار و الموسيقا تصدح في الآفاق.

اشتكاها أهل الحي إلى شيخهم العاقل بعدما فشلوا في محاولاتهم السابقة،  بعضهم اقترح أن يبلغوا الشرطة للقبض عليها و تأديبها،  لم تأبه لتهديدهم و استمرت في إزعاجهم ، مرضية عشاقها الساهرين لأجلها. ناهيك عن فضلات الطعام و قنينات الخمر المكومة أمام البيت تقذي المارة و تخدش شعور الحياء فيهم .

هو أيضا ضاق ذرعا بقصفهم الصاخب و عزفهم المجون. صوتها الآخآذ يثير دخيلته، كلما تبدأ سهرتها يعقد العزم ليطرق بابها و يكلمها،  ما إن يخطو إلى باب داره حتى يرجع أدراجه كأنما يخيل إليه رؤية شبح مخيف أو حيوان مفترس يود الوثب عليه؛  فيثنيه عن عزمه .

الليل ثاب إليه هدوئه .هجعت الأرواح لمضاجعها. القى الشيخ تسليمة آخر ركعة صلاها. استرخى على فراشه مطلقا العنان لمسبحته و لسانه. فجأة توقف مستغرقا مع ترنيمة هادئة تخترقه ممزقة ستارة النافذة،  هاتكة ظلمة زمنه. بلا صخب تعلو محياه ارتعاشة و هو يقف أمامها كرضيع ينتظر عطفا و حنانا. هي ترنو نحوه بعينين صافيتين . مرتدية ثوب النوم الشفاف . جسدها البض يغويه . كانت كحسوة نبيذ فاخرة وعد نفسه بها مع كل هزيع أخير لليله.

أهل الحي رأوا شعر لحيته و حبات المسبحة منثورة فوق كومة القنينات…”

مقالات ذات علاقة

تَكَدُّسٌ ..

جمعة الفاخري

لوحة من الحي اللاتيني

عزة المقهور

الخيول البِيض

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق