دراسات

بعد ربع قرنِ من الزمن – 1

(ويل للعالم من العثرات، فلا بد من أن تجيء العثرات – ولكن ويل لذلك الذي به تجيء العثرات)
السيد المسيح عليه السلام


إن دواعي واقعنا المُعاشُ راهناً في ليبيا وفي المنطقة العربية كلها، بل لا نبالغ حين نقول في العالم كله، تفوق كل دواعي الثقافة والفكر وإغراءات النخبوية والتميز، التي لمّا يتحرر منها كثيرون ولمّا تزل تدفعهم إلى الثرثرة قولاً وكتابة ومواقفاً وسلوكاً، دون أن يميزهم مميز عن بلهاء بيزنطة الذين انشغلوا (فيما فيليب المقدوني يحاصر مدينتهم)، بهل الملائكة ذكور أم إناث؟ وبكم منها يمكن لها الوقوف مجتمعة على رأس إبرة؟

الصادق النيهوم (الصورة: عن الشبكة)

أقول: الواقع الراهن الذي نعيش فيه ونعايشه، أقوى وأشد إلحاحا من كل الدواعي إلى إعادة قراءة “الصادق النيهوم”، وإلى الوقوف على دقائق فكره ومواجهة الأسئلة التي استخلصها من حواره مع الوجود والحياة والعالم والعصر، وفَهْمِ صراعه مع الثقافات والأفكار والرؤى التي عرفها وأوغل فيها وحاورها، وهي الأسئلة التي ما انفك يمعن النظر فيها ويعيد صياغتها وطرحها بلغته وبما لا يناقض فهمه ورؤاه وأفكاره، والتي بقيت (وهو الأمر الأهم) حتى بعد رحيله تنتصب أمامنا حيثما وجّهنا أنظارنا، وأينما يممنا السير، مجسدة في هذا الواقع الراهن بكل أبعاده وجوانبه، وبكل ما يكتظ به من مظاهر الارتباك والفوضى والتخلف، وبكل ما قد يكون منطوياً عليه من إمكانيات التحرر من كل تلك المساوئ وتجاوز الراهن الغائم والمتردي إلى غدـ نحلم به ونأمل في تحقيقه.
 
ومسوغ القول بأن واقعنا يدعونا إلى إعادة قراءة “النيهوم”، هو أثر أفكار “النيهوم” الذي يطالعنا فيما نعيشه ونعايشه في مختلف جوانب هذا الواقع، وبأشد نصاعة ووضوحاً وقوة مما تطالعنا به أفكار من يتوهمون أنهم يمسكون بناصية هذا الواقع  ويحركونه وفق ما يَعِنُّ لهم وما يشتهون،  فمن  اللغة التي لا تخلوا من تفكك وانقطاع صلة بما يفترض أن تقوله وتدل عليه، إلى المواقف والسلوكيات  الخاضعة لما تخضع له اللغة من أدواء التناقض والتفكك والانحلال، مثلما نطالع ذلك الأثر في غلبة الأنانية في فرديتها، وحين انتفاخها وتورمها إلى عنصرية وتعصب قبلي وجهوي وأيديولوجي وإلى كل ما يعلن الجهل والتخلف ويطوبهما، بل ويقدسهما.
 
وإن بدا لأحد ما أن فيما يساق هنا محاولة لاتهام “النيهوم” بأنه المتسبب فيما نحن فيه اليوم، وأن به (وفق قول السيد المسيح الذي يتصدر هذا المقال) جاءت العثرات التي اربكت وما زالت تربك سيرنا وتعرقل حركتنا، فلن يكون ما بدا لذلك الأحد إلّا نتيجة مباشرة للافتقار إلى الموضوعية، وللخضوع إلى انحياز ما متدنِ يكتفي بالسطحيات ليؤوِّلها بما يوافق انحيازاته، إذ ليس صعباً أن نسلم أنفسنا للانحيازيات المتدنية ولما يجيء عنها من فوضى الانفعالات العاطفية، لنجد في متناولنا ما لا حصر له من المبررات لإدانة “الصادق النيهوم” (أو غير “الصادق النيهوم”)، وما لا يعد من الحجارة، وما تطيب به نفوسنا من الشتائم والنعوت المقذعة التي لا تكلف جهداً لاستدعائها، أو أن (في المقابل) ننحاز إليه بانبهار به يورثنا عَشَىً لا يترك  لنا إمكانية أن نرى غيره، فننزهه عن كل مثلبة وهنة بشرية ونوثنه بأن نضفي عليه من سمات الكمال والسمو ما لم يفكر به هو نفسه ولا ادعاه ولا سعى إليه، ليس صعباً أن نفعل أياً من ذلك، لكن الصعب فعلاً ” والذي قد يكون مستحيلاً للبعض ” هو الإنصات لصوت العقل لا ثرثرة العواطف والأهواء وما نشتهي الأنفس أو لما يجيء به الخرّاصون.

الصادق النيهوم.. رضوان أبوشويشة.. إبراهيم الكوني.. عبدالرحمن شلقم.. فاطمة محمود.
الصادق النيهوم.. رضوان أبوشويشة.. إبراهيم الكوني.. عبدالرحمن شلقم.. فاطمة محمود.

 
في هذا الصدد يجيء النظر في علاقة “النيهوم” بـ”القذافي” ومحاولة فهم ماهية تلك العلاقة وأبعادها وحدودها، بموضوعية وتجرد، كضرورة لا بد منها ولا يمكن تجاوزها لمن يهدف إلى فهم واقعنا الراهن، وذلك في مقابل تركيز النظر القاصر والفهم المتهافت الهادف (بمجانية مخزية) إلى تشويه وإدانة أي من الرجلين أو إلى تنزيهه وتوثينه، وذلك ديدن الصبية البلهاء ومدعي الثقافة والوعي والتميز ممن يتبعونهما وممن يناوؤنهما على السواء.
 
بقي القول أن هذا المقال مجرد مدخل إلى محاولة لقراءة “النيهوم”، وهي لا تدعي ولا تنسب لنفسها تميزا من أي نوع ولا تفوقاً على غيرها، بل تعي حدودها وحدود ما تستهله وما تحمله، وتكتفي بأن تكون محاولة متواضعة في درب لا يقل عن طرقاتنا وشوارعنا امتلاء بالحفر والمستنقعات وأكوام النفايات، وتوقن أن هناك ” دون شك ” من هو أكثر أهلية وقدرة على السير في هذا الدرب، والتغلب على ما تتوقع أن يبدر عنها من قصور وتقصير، وتحقيق ما لن تحققه.

مقالات ذات علاقة

سيكولوجية التناص في القصص المغتربة (حكايات من البر الإنجليزي نموذجا)

فريدة المصري

نهر العذوبة: فيروز في كنف الفصحى

ناصر سالم المقرحي

أين موقع المصراتي في حياتنا الأدبية؟

أمين مازن

اترك تعليق