دراسات

بعد ربع قرنِ من الزمن – 2

في فترة من فترات تاريخ اليابان القديمة بلغت الصناعات المعدنية درجة كبيرة من التطور، وكانت السيوف والمرايا تُصْنَعُ من البرونز وتُصقٓل بطريقة مذهلة أثارت خيال الشعراء وصاغة الأساطير والحكايات الشعبية، الذين كان من نتاجهم أسطورة تقول: – (إن فلاحاً اقتنى مرآة لأول مرة، وعندما نظر فيها ظنّ أنه يرى صورة والده المتوفى، فخبأها عن أهل بيته وصار يتحين الفرص للاختلاء بها والنظر إليها، فيخرجها كلما أتيح له ذلك ليلتقي بمن ظن أنه والده، وكان لابد لذلك من أن يؤثر في سلوكه ويحدث تغييراً في تصرفاته، وهو ما لاحظته زوجته، فأخذت تراقبه إلى أن تمكنت في إحدى المرات من أن ترصد مخبأ المرآة، وانتظرت خروجه في إحدى المرات وابتعاده عن البيت، لتتجه إلى حيث خبأ المرآة، وعندما نظرت فيها ظنت أن المرأة التي تواجهها في ذلك السطح المعدني المصقول هي عشيقة زوجها).

الكاتب الصادق النيهوم
الكاتب الصادق النيهوم (تصوير: فتحي العريبي).

ومناسبة هذه الأسطورة هنا في كونها تقدم إلينا شبها بعملية القراءة (أية قراءة وكل قراءة) والتي يبدو أنها تنطوي على هدف تتجه إليه وغاية تسعى إلى تحقيقها، وهو ما يُحَمِّلُ القارئ من المسؤولية قدراً لا يقل عما على الكاتب تحمُّلَهُ وهو يصوغ نصه، وتلزمه بالموضوعية وتجنب فخاخ المصادرة على المطلوب والانحيازات اللاعقلانية (مع أو ضد) ما يقرأ، والتسامي على فوضى الانفعالات العاطفية التي ” إذا ما تمكنت منه أفسدت قراءته.

ووفقاً لهذا الفهم لا أزعم لمحاولتي قراءة “النيهوم” أن تكون مثالية ولا نموذجية، كما أنها بالتأكيد لن تحيط بـ”النيهوم” في شموله فكراً وأدباً (وحسبها وهي مجرد محاولة) أن تُعَدَّ قراءة فعلاً، أما عن الداعي إليها فليس فقط مرور ربع قرن على رحيل الرجل رحمه الله، ولا حتى لما أزعمه من أثر كتاباته في واقعنا منذ عقود مضت وإلى يومنا هذا، بل أن ما لقيته وماتزال تلقاه أفكار “النيهوم” من سوء فهم وتفسير من جهتين متناقضتين جسدت إحداهما مواقف عداءٍ (مبطن أو صريح) تبدّت و مازالت تتبدى في محاولات التبخيس والتسفيه، بمقابل تعلق صبياني دافعه الواضح مجرد الاعجاب والانبهار بالأديب ولغته أكثر مما هو بفكره، و لا يمنع الإقرار بما قرره “النيهوم” يوماً من أن (سوء الفهم مشكلة لا تُحْتَمَل) من قول أن بالإمكان مواجهة سوء الفهم إذا ما كان عفوياً وجاء عن سبب ما معقول ومقبول مثل قصور القدرة على الفهم أو محدودية المعارف والمعلومات لدى المتلقي والتي يمكن أن تلقي ضوءاً على المادة المقروءة، أو عن سوء تقديم لتلك المادة من صاحبها نفسه أو تقصير في عرضها بالصيغة المناسبة، ولكن ما لا يمكن احتماله فعلاً هو (إساءة الفهم المتعمدة) و التي تبدو بوضوح ملقية بظلالها، على بعض (وهو بعض ليس على أي حال قليلاً) من القراءات التي تناولت “النيهوم” وفكره.

وتلك قراءات تغيب عنها حقيقة أننا عندما نقرأ ما كتبه “النيهوم”  أو “غير النيهوم”، فإنما نحن نقرأ قراءته للموضوع، أي أن فيها شيئا من مرآة ذلك الفلاح الياباني، ولا يتنافى هذا القول مع ما نراه من تميز لغة “النيهوم” أو أي كاتب نعتقد بتميزه ونهتم بكتاباته ونحرص على فهمها، برشاقة الصياغة ودقة التكوين وصلابة البناء دون الافتقار إلى عمق الدلالة وثراء بالمعاني مما يتيح لها انفتاحا فريداً على آفاق من الإيحاءات التي تقدح زناد الذهن لدى متلقيها وتأخذه إلى عالمها لتضعه في مواجهة ما واجهته من أسئلة واشكاليات فكرية، لا تقسره على القبول بما تقدمه إليه، بل تدعوه إلى أن يتحرر من سجن ما اعتاده من أفكار سائدة ومتداولة ومن مواضعات لا يبرأ كثير منها من ابتذال وتهافت ومن مجانبة للعقل ” إذ لا تبدو كتابات “النيهوم”، وأشدد هنا على (تبدو) غير هادفة ولا ساعية إلى استعباد قارئها ولا إلى وضعه في بوتقة ما من الرؤى والقناعات، بل تتركه ليواجه عالمه، ويحدد موقعه إزاءه ومكانه منه، و لكنها إن استنكفت عن القسر والتهديد شأن الدعاوى والدعايات الأيديولوجية الفجة، لا تتخلى عن محاولة إقناعه بما تسوقه، حتى بالإغراء بمحاسن التحرر مما هو فيه، بل قد تسقط في الخلط وتحول الحرية نفسها من هدف سامٍ إلى وسيلة ومجرد أداة غواية، إن كل ذلك احتمالات ينطوي عليها كل مقروء أصلاً مضمرة في كل كتابة، وذلك يرتب على كل قراءة لتكون ذات معنىً وقيمة ولتكون مجدية ومثمرة أن تضع في حسبانها كمون تلك الاحتمالات في كل ما تتطرق إليه.

 وفيما خص موضوعنا، قد نتذكر بالعودة إلى الأسطورة اليابانية ما كان من تأزم أوضاع اليابان القديم، ومن تأزم علاقته بذاته وبعالمه، والذي قابلته تلك الثقافة بالنكوص إلى الماضي من خلال التشبث بوهم الأب في المرآة، ومعاداة الآخر ( الحاضر عبر وهم العشيقة في المرآة )، كما نعرف أيضاً أنه كان على تلك الثقافة أن تنتظر ردحاً طويلاً حتى جاء (عصر الميجي) في القرن التاسع عشر، وبدأ الانفتاح الياباني على العالم، واستطاعت الثقافة اليابانية أن تستعيد نفسها من تيه المرآة وأن ترى ذاتها وعالمها رؤية واقعية مباشرة، وأن تحدد موقعها من ذلك العالم ومن أحداثه ووقائعه.

إن تصوراً لما أنجزته الثقافة اليابانية في عصر الميجي، قد يكون من بين متضمنات قراءة “النيهوم” للثقافة الانسانية وواقع العالم، وفي الأسئلة التي واجهها واجتهد في الإجابة عليها، وفيما كتبه لنا وعنا، قد يكون الأمر كذلك وهو يدعو إلى أن نراه احتمالا معقولاً، ولكن أيضاً قد يكون ما أقوله هنا مجرد تهويمات شخص لما يزل يرسف في أسر مرآة ما.

من يدري؟

مقالات ذات علاقة

مدخـل لمـسألة الشـعرية الليـبية

رامز النويصري

المعالم الاجتماعية التباوية

امراجع السحاتي

موازنةٌ بينَ شعرِ الفصحى والعامَّيةِّ الليبيَّةِ – 2

جمعة الفاخري

اترك تعليق