طيوب النص

بسبب نعيق حديدي

 

Elgeddafi_Alfakhri_04

أنت الآن مجرد خرزة صغيرة باهتة في مسبحة بشرية. أعني شخص يقف في طابور طويل متعرج قدّام سلم يفضى إلى طائرة رأيت أن تصفها بغراب أسود مجرد أن وقع نظرك عليها.

أنت الآن تقف بقدمين هزيلتين فتشعر بين حين وآخر بأنهما ليستا لك . إلى جانبك حقيبة بنية اللون متوسطة الحجم تكفي لأغراض رجل يقصد الأراضي المقدسة ليتخلص من ذنوب قديمة أثقلت ميزانه.

أنت الآن الخرزة الثامنة والأربعين التي حان صعودها.. تنفلت من الخيط صوب سلم ذي حضور مائل. هناك في أعلى السلم تجد نفسك أمام فم الغراب الحديدي.. وثمة ابتسامة مرسومة بعناية تشرق من فم المضيقة لتنتشلك من ليل حيرتك وتقودك إلى جوف الطائرة (معدة الغراب) وسط ممر أنيق يفضى إلى مقاعد فاخرة تخضع لتسلسل رقمي دقيق. ليكون مخدعك المؤقت في المجلس العائم في الفضاء لبضع ساعات

أنت الآن في المقعد المخصص لك ‘ إلى جوارك نافدة صغيرة ستكون هامشا ضروريا على السماء الآخدة في الإفساح. إلى جانبك امرأة محجبة ترتدي نظارة قاتمة وفي صحبتها حقيبة مزكرشة ورجل في سنك تقريبا يتميز عنك بثياب منسقة وقلب أنيق ربما يكون زوجها وربما أخاها ( في سفرات كهذه لا تخرج المرأة بدون محرم ) ولأنه شرقي مثلك وغيور على متاعه أصرّ أن يقلب ناموس النظام ( نظام الجلوس حسب الرقم المقيد في بطاقة الصعود ) فجلس مكانك ليكون ففاصلا بينك وبينها. بمعنى آخر : مادة عازلة!!

أنت الآن صريع دوار رهيب بدء يعصر دماغك .. بدليل أنك تتقيأ.. فتثير بتقيئك حرج الجالسين واستيائهم بما فيهم جارك ورفيقته. تأتي المضيفة على الفور ومعها كيسا من النايلون تحشر بداخله وجهك المتشح بالعرق وتدعوك لتكمل بقية قيأك.. لكنّ جوفك ناشف مثل عمرك تماما. يغمى عليك في نهاية الأمر . فتأخذك إلى مقطورة خاصة وهناك تلدغك بعطر نافذ يعيد إليك صوابك فتعود منتشياً إلى مقعدك المعتاد .

أنت الآن جائع كما لم تجع من قبل .. تجئك عربة الأكل وتتسمر أمامك بكل ما لذ وطاب لدرجة انك لا تستطيع أن تلجم جواد لعابك . تستلم وجبتك .. لكنك لم تعرف آلية الدخول فيها فتأكل على طريقتك مع مساعدات مجانية من جارك الذي يخفي ابتسامة بين حين وآخر.

أنت الآن أسير غفوة مفادها : ( تهطل خرافك التي بعتها لتؤدي بثمنها فريضة الحج من سماء بعيدة وتسيل نحوك في هيئة نهر يسبقها صباح وهدير وحنين لا يوصف لملقاتك ومعاتبتك على هذا التفريط البغيض !!)

أنت الآن وبسبب نعيق حديدي تشبّ من غفوتك مثل حصان مسّته صعقة.. تستل جذورك من أرض الغفوة التي بلا قرار.. تم تقف في هلع مفضوح تخترق فضاء جيرانك صارخا في وجه الهبوط الذي ترتكبه الطائرة إيذانا بوصولها . غير عابئ بتحويطات الآمان ولا بصيحات المضيفة التي هبت لاحتوائك .. يسبقك هياج مظفور بفرح عتيد ، يصدح من فمك صوت ممزوج بالشهقة : لقد عاد قطيعي ..عاد قطيعي من غربته . وعلي الآن أن استقبله عند سفح الجبل وأعيده إلى زريبته الكئيبة ..يا له من يوم ..يا لها من عودة .

أنت الآن رهبن يقظة فادحة في غرفة دافئة بقسم طوارئ المطار.. يهدون من روعك ويهنئوك بسلامة الوصول.

مقالات ذات علاقة

المرة الأولى

الصديق بودوارة

أهـواك وجـدا

سعاد الورفلي

عَــــنِ الشِّعْـــــــــرِ .. ( الجزء الثالث )

جمعة الفاخري

اترك تعليق