قراءات

باليسرى.. من هنا إلى مكة

يوشك نصف قرن أن يمضي على صدور رواية “من مكة إلى هنا” للكاتب الليبي المرحوم الصادق النيهوم. تلك الرواية التي كانت أحد عناصر الجدل حول الصادق النيهوم ومشروعه الثقافي المختلف والغريب بالنسبة للثقافة في ليبيا.

أصبح النيهوم، آواخر ستينات القرن الماضي، الكاتب الليبي الأكثر شعبية وانتشارًا بين القراء الليبيين، وكان جيل جديد من المتعلمين يقف طوابير أمام أكشاك الجرائد يوم صدور المقال الأسبوعي لـ”النيهوم” بجريدة “الحقيقة”، ما جعل من هذا الكاتب صوت ذلك الجيل الجديد والمعبر عن طموحاته ورؤاه لليبيا والعالم بأسره.

 غلاف رواية من مكة إلى هنا

الصادق النيهوم، على عكس جيل كامل من الكتاب الليبيين آنذاك، التفت شمالًا، بينما ظلت عيون الآخرين معلقة بالمشرق العربي ونتاجاته الفكرية. كان يفتش في أوروبا وكانوا يفتشون بمصر والشام. كان يقلب الحلم الأميركي وكانوا يقلبون خطابات عبدالناصر؛ لذا كان النيهوم بالنسبة لأولئك المثقفين والكتاب “الكاتب الأجنبي السائح”، على الرغم من لهجته البنغازية. كان، بالمختصر، مستشرقًا يخدم ثقافة الغرب ويعمل على نشرها في ليبيا.

النيهوم، الذي صار ظاهرة في ليبيا، كما كتب عنه أحد الكتاب مرة، استهوى أسلوب كتاباته وحياته الكثير من الشباب. وكان، على الرغم من كل ما قيل عنه، كاتبًا ليبيًّا حتى العظم، هاجسه الأول كان موضوع النهضة والخروج من دائرة التخلف، والفرق بينه وبين غيره من كُتاب ومثقفي ليبيا في ذلك الوقت أنه لم يرَ في التجربة المشرقية العربية للنهضة مثلًا يُمكن أن يُحتذى به، بل كان يحاول صياغة مشروع نهضة فكرية اجتماعية تخص ليبيا؛ لذا ظلت مواضيعُه حكرًا على المجتمع الليبي، مبتعدًا عن الأطروحات القومية التي تقدم التغيير السياسي كحل لكل مشاكل المجتمعات. طرح التنوير الفكري والاجتماعي كمدخل مهم للنهضة، بدل الانقلاب السياسي.

أقحم النيهوم التنوير الفكري في الموضوع الديني، واهتم بالفكر الديني الاجتماعي، وكانت رواية “من مكة إلى هنا” المدخل المهم لـ”النيهوم” في محاولة فهم رؤية الإنسان الليبي البسيط للإسلام. كان يحاول أن يرصد كل التحولات والتشوهات التي لحقت بالإسلام في رحلته الطويلة من مكة؛ حيث وُلد نقيًّا بسيطًا وصافيًا، وحتى “هنا”؛ حيث لونته وغيَّرته الكثير من الأساطير والخرافات المحلية والمتوسطية الموروثة.

في شرق ليبيا -حيث تدور أحداث الرواية- تمثل قرية سوسة رقعة التفاعل الحضاري الحي لحضارات المتوسط في ليبيا؛ فسكانها مهاجرون من جزيرة “كريت” اليونانية، وبطل الرواية “مسعود الطبال” ليبي زنجي تعود أصوله لإفريقيا وكذلك زوجته.

والإسلام هنا في “سوسة” ليس إسلام مكة في القرن الأول للهجرة، بل هو خليط من الإسلام وموروث ذلك المكان الليبي المختلف. وعلى الرغم من هذا الاختلاف الظاهر، يعيد النيهوم سيرة “الحركة السنوسية” التي نشأت على الأصول والأسباب نفسها، والتي حاولت أيضًا أن تقدم مشروع إصلاح ونهضة دينية واجتماعية، وأضرت بالمشروع الوهابي في المشرق.

“من مكة إلى هنا” موضوعية فكرية وتاريخية حكمت التفكير والاجتماع والسياسة في ليبيا والوطن العربي منذ الفتنة الكبرى وحتى الآن، وظل يعاد طرحها دائمًا “من هنا إلى مكة”. إنها حج الفكر الإسلامي وحنينه “النوستالجي” الدائم. أول قل “سلفية الحداثة” العربية، وإن تنوعت واختلفت مظاهرها وطقوسها.

إن النيهوم، وقد يشكل هذا صدمة للكثيرين، سلفي يرتدي “الجينز”، بالضبط كما يبدو ابن تيمية على قنوات الخليج “نيهومًا” حليق الشعر ويرتدي الجلباب الأبيض!. الكل يرحل “من هنا إلى مكة” بحثًا عن التطهر من إضافات العصور للفكر الإسلامي، ومن تأثيرات ثقافة وموروث المكان في هذا الفكر، وكل ذلك من أجل العودة للنبع، للأصل والسلف.

مقالات ذات علاقة

عمر جهان يرسم الأمل والالم  والدخان …. !!

سالم أبوظهير

عزة المقهور وثلاثون قصة طرابلسية (4) والاخيرة

المشرف العام

دردشة على حافة (سمها .. وخذ بلاداً) للشاعر عبدالباسط أبوبكر محمد

سالم أبوظهير

تعليق واحد

سعاد الورفلي 7 فبراير, 2014 at 13:27

عرض جميل ..رغم أني لم أتوغل في قراءاتي للنيهوم ..وأحب الأقلام الليبية عن غيرها من أقلام الوسط الدولي…كما أنني أودّ أن أكوِّن َدارسة لأغلب أقلامنا وقوفا على إثراءاتها الأدبية .
وأودّ أن يكون لنا منهج مدرسي لبعض الأعمال الليبية التي تبرز لطلاب المدارس : أن بلادنا فيها كتّاب وأدباء ، بيد أننا ندرس ودرسنا كذلك في مدارسنا وجامعاتنا عن أدباء دول أخرى حتى صرنا نستشهد بهم ..وغاب عن الساحة الأديب الليبي
شكرا لكم

رد

اترك تعليق