كتاب موافقات الأحكام والحكمة.. منهجية لتجديد الخطاب الديني
طيوب المراجعات

باحث ليبي يرى أن الفقه المذهبي غدا في طريقه إلى الزوال

MEO

محمد الحمامصي

ظاهرة الانغلاق داخل آحاد النصوص ينجم عنها خلط كبير بين الفقه والتفسير في قراءة القرآن الكريم، وبين الصحة والقطعية في فهم الحديث الشريف.

يرى الباحث الليبي د. عبدالرحمن هابيل أنه إذا كان ثمّة تلازم بين تجديد الخطاب الديني وإعادة قراءة النصوص الدينية، فثمة تلازم آخر بين التطرف الديني والتشبّث بالنصوص الفردية؛ فالتقوقع داخل النص الفردي، بالتعامي عن كلّ ما يشوبه من ظنيّة، وبمعزل عن النصوص الأخرى المتضافرة، وعمّا آل إليه النص في العمل، يُثني العزم عن التعليل، ويُغري المرء بالقطع والجزم، ومن ثمّ الإقصاء والتطرّف.

ويؤكد هابيل في كتابه “موافقات الأحكام والحكمة.. منهجية لتجديد الخطاب الديني” أن إشكالية النصوص الفردية ليست طارئة على الفكر الإسلامي، فلا تبدو ثمّة إشكاليّة واجهت الفقه الإسلامي منذ نشأته، ولا تزال إلى اليوم تواجهه، مثل مسألة ظنية النصوص الفردية، سواء كانت آيات أحكام في الكتاب أم أحاديث أحكام من السنة. فالنصوص الفردية، آياتٍ أو أحاديثَ، ظنية الدلالة بطبيعتها لما يكتنفها من احتمالات التخصيص والتقييد والتفصيل والنسخ، ناهيك عن ما يعتري أحاديث الأحكام من ظنية الثبوت، ما يجعل النصوص الفردية بصفة عامة تفتقر إلى القطعية التي هي أساس بناء الأحكام على الأدلة.
ويرى هابيل في كتابه الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود أنّ مذاهب الفقه التقليدية نجحت في الماضي في مواجهة هذه الإشكالية الكبرى بمناهج محدّدة للتعامل مع ظنيّة النصوص الفردية، ولمحاولة إكسابها القطعية؛ بل لعلّ المذاهب ما تميّز بعضها من بعض، واكتسب كل منها هويته الخاصة، إلا بفعل المنهج الذي سار عليه كلّ مذهب في مواجهة ظنيّة النصوص الفردية. وهكذا، فإن مبدأ “عمل أهل المدينة”، مثلا، قد وُجِد خصيصاً لكي تُعرض عليه النصوص الفردية، وأصبح، في الوقت نفسه، السمة المميزة للمذهب المالكي، على الأقل في عصوره الأولى، وكذلك مراعاة “القواعد العامة”، ومبدأ “عموم البلوى”، وباقي الشروط التي وضعها الحنفية للأخذ بأحاديث الآحاد، فإنّها قد ميّزت مذهبهم من بقية المذاهب.

كتاب موافقات الأحكام  والحكمة.. منهجية لتجديد الخطاب الديني
كتاب موافقات الأحكام والحكمة.. منهجية لتجديد الخطاب الديني


كما أنّ مراعاة الناسخ والمنسوخ في آيات أو أحاديث الأحكام، مع الاقتصار على الحديث المسند، كانت من الأصول المميّزة للفقه الشافعي. وهكذا أمكن، عبر القرون الطوال، استيعاب النصوص الفردية في المنظومة الفقهية، وأمكن، بفضل مثل هذه المناهج، إسباغ القطعيّة على هذه النصوص بدرجة أو بأخرى بحسب المنهجية الخاصة بكل مذهب.
ويشير إلى أن الفقه المذهبي أخذ يتلاشى تدريجياً ما أن حلت العصور الحديثة، نظراً إلى أسباب يطول شرحها، وتعود في معظمها إلى الانقلابات المختلفة التي عصفت بشتى مناحي الفكر والحياة في هذه العصور، والتي لم يكن ممكناً للفقه المذهبي أن يتصدى لها، وهو، في صفته الغالبة، فقهٌ قياسي قوامه النصوص الفردية والقياس الجزئي عليها حالة بحالة. ولا نرمي هنا إلى الانتقاص من قدر هذا التراث الفقهي العظيم، فقد أدّى في حينه دوره الحضاري بما جعله في مصاف أعظم الأنظمة القانونية العالمية، ولكنّه لم يعد قادراً على النهوض بمثل ذلك الدور، بدليل أنه موشك على التلاشي في صورته المذهبية. بيد أنّه، في أثناء تلاشيه، قد خلّف فراغاً هائلاً ما تمّ تلافيه بأيّ منهجية بديلة في مستوى مناهج الأئمة العظام؛ بل أدّى ذلك الأفول إلى مفارقة خطيرة؛ إذ قد انزاحت مع الفقه المذهبي مبادئه التقليدية التي كانت عبر القرون ضوابط للتعامل مع النصوص الفردية.
وهكذا طغى طوفان الفوضى الفكرية، وأصبح من الممكن إضفاء القطعية على أيّ نص فردي، ومن ثمَّ بناء الأحكام عليه، بغض النظر عن ظنية ثبوته، وبغض النظر عن ظنية دلالته في حال صحة ثبوته، في خلط واضح بين الصحة والقطعية.

أمّا وقائع العصر المتسارعة التي لا تغطيها النصوص الفردية، فتجري محاولة التعامل معها حالة بحالة عن طريق الفتاوى التلفيقية التي تتكلف المواءمة بين أقوال المذاهب أو القياس المحدود على اجتهاداتها السالفة، على نحو خطير يتجاهل الأصول التي قام عليها كل مذهب، والتي أدّت إلى الاجتهادات والفتاوى التي تخصّه. وهكذا يطرح “فقه النصوص الفردية” نفسه بديلاً للفقه المذهبي، غافلاً عن إشكاليّة ظنية الدلالة في النصوص الفردية وعن الضوابط التي استعان بها الفقه المذهبي في هذا الخصوص.
ويؤكد هابيل إنّ تحولاً جذرياً قد طرأ على التفكير الإسلامي نتيجة لحلول “فقه النصوص الفردية” محلّ الفقه المذهبي. وبينما لا يمكن التهوين من شأن الأزمات السياسية والاجتماعية الحالية، فإنّ الانقلاب الذي أصاب منهجية قراءة النصوص على يد “فقه النصوص الفردية” قد أصبح أزمة فكرية كبرى لا تقلّ جسامة عن الأزمات السياسية والاجتماعية؛ بل قد غدا معلولاً وعلة في خضمّ كل أزمة؛ فتارة يبدو عرضاً من أعراضها، وتارة يشحذها بما يذكي أوارها. إن ظاهرة الانغلاق داخل آحاد النصوص ينجم عنها خلط كبير بين الفقه والتفسير في قراءة القرآن الكريم، وبين الصحة والقطعية في فهم الحديث الشريف.
يطرح هابيل في كتابه منهجية عملية تطبيقية هي الإجماع «المتواتر» في العبادات، والمقاصد المنضبطة في غيرها. فيوضح أنّ ظنية الدلالة في “النصوص الفردية” (سواء أكانت آياتٍ أم أحاديث أحكام) لا تتضح فحسب من طبيعتها العامة والمطلقة والمجملة، وحاجتها إلى التخصيص والتقييد والتفصيل، ويأخذ ظاهرة “الناسخ والمنسوخ” بالجدية التي تستحقها. ويرى “إنّ ادعاء أن النسخ، كما هو مذكور في القرآن، لا يعني سوى نسخ القرآن للرسالات الإلهية السابقة إنّما هو ادعاء غافل عن المبدأ الذي يؤكّده، وهو أنّ الوحي قد ينسخ بعضه بعضاً! فإذا كانت أحكام التوراة، وهي وحي، قد نُسخت بالوحي القرآني، فما الذي يمنع من حيث المبدأ أن بعض أحكام الوحي القرآني قد نُسخت بأحكام أخرى من الوحي القرآني نفسه؟ إن الاعتذاريين الرافضين للنسخ، الذين يتوهمون أن العلماء الأوائل ابتدعوا نظرية النسخ لعدم قدرتهم على التوفيق بين هذه الآية القرآنية وتلك، إنما يغفلون عن أن أولئك العلماء لم يكونوا أسارى داخل النصوص الفردية؛ بل كانوا يقرأون القرآن في ضوء الفقه، ويدركون أن النسخ أكبر من مجرد مسألة تفسيرية، لصلته الوثيقة بالأصالة التاريخية للقرآن والفقه كليهما.

إن وجود آيات منسوخة جنباً إلى جنب مع الآيات الناسخة هو – لا شكّ – دليل على تاريخية القرآن وأصالة المصحف. كما أنّ ثبوت النسخ في آيات ليس معمولاً بها في الفقه إنّما هو دليل على أصالة الفقه وارتباطه التاريخي المباشر بالقرآن. إنّ إنكار نسخ مثل هذه الآيات لا يعني سوى إنكار أصالة الفقه! إن المحاولات التبسيطية الرافضة للنسخ، القائمة على وهم أن مسألة كبرى كهذه ستحل بمجرد حشد الحجج اللغوية للتقريب بين هذا النص أو ذاك، إنما هي محاولات اعتذارية تظنّ أنّها تنبري للدفاع عن القرآن من ناحية، بينما تثير إشكاليات أعمق من عدة نواحٍ أُخر“.
ويواجه هابيل السؤال الذي طرحه في أكثر من فصل في كتابه: إذا كان لا يمكن التعويل على النصوص الفردية، وإذا كان الفقه المذهبي في طريقه إلى الزوال، فعلامَ التعويل؟ وهنا تتمّ الاستعانة بالتقسيم التقليدي للفقه إلى عبادات و”معاملات”، وكذلك بأصلين تقليديين آخرين هما الإجماع والمقاصد؛ حيث يرجع في العبادات إلى الإجماع، وهو هنا بمعنى الإجماع المتواتر لـ “المدارس الثماني” جيلاً عن جيل، ويرجع في “المعاملات” (أي غير العبادات) إلى المقاصد، التي هي هنا بمعنى المقاصد “المنضبطة” بالاستقراء من “النصوص المتضافرة” أو “العلل المطردة”. فالإجماع هنا ليس بالمعنى الذي أصبح سائداً، فهو ليس الإجماع الاجتهادي أو إجماع أفراد العلماء، كما أنّ المقاصد هنا ليست “المقاصد المرسلة” على النحو الفضفاض الغامض الذي كثر تداوله مؤخراً.
لقد سار هابيل في دراسته على خطا الامام مالك وتلميذه الشاطبي؛ أي على هدي مؤسس مدرسة العمل والمصلحة ومريده الأندلسي، صاحب “الموافقات” الكبرى، الذي نضج على يديه فقه المقاصد؛ ويوضح أن “مفهوم الإجماع المتواتر يحيل إلى عمل (أو إجماع) أهل المدينة، ومنهجية المقاصد “المنضبطة” تجد أصولها في الاستصلاح أو العمل بالمصلحة. فما فتئ الفقه المالكي يتشوف إلى إرساء الشريعة على أسس قطعية من مالك إلى ابن عاشور مروراً بالمحاولة التجديدية الكبرى على يد الشاطبي، الذي أدرك أنّ الفقه أعمق من مجرد «آحاد الأدلة». فهذان المفهومان، الإجماع المتواتر، والمقاصد “المنضبطة”، يؤسسان لمنهجية فقهية وتفسيرية تجديدية، تتميّز بأنها منضبطة في ذاتها وراسخة الجذور التقليدية في أصولها.

فإذا كان يقال إن مالكاً روى في “الموطأ” نيفاً وسبعين حديثاً لم يعمل بها هو نفسه، فإنّ هذا يؤكد صحة سند هذه الأحاديث لدى مالك، وإلا لما رواها بنفسه، على الرغم من عدم عمله بها، ولكنه، في الوقت نفسه يؤكّد الفرق بين صحة الثبوت وقطعية الدلالة في النصوص الفردية؛ أي إنّ النص الفردي – وإن كان صحيحاً – يظل ظني الدلالة ولا يثبت به فرض أو تحريم ما لم يعضده دليل قطعي. فالنص الفردي لا يكتسب القطعية بمجرد ثبوت صحته؛ بل يفتقر إلى دليل قطعي من خارجه، كإجماع أهل المدينة مثالا.
وفي خلاصته يرى هابيل إن ما يروى من اجتهادات الصحابة يثبت أنهم لم يكونوا يصدرون عن نصوص فردية، مثل إيقاف سهم المؤلفة قلوبهم وعدم توزيع الأراضي المفتوحة على الفاتحين، على الرغم من النصوص الفردية التي إن قُرئت على انفراد تفيد عكس ذلك. وذلك لأنّ المسلمين في العصر الأول لم يكونوا أهل كتاب يدرسون فيه نصوصه الفردية؛ بل كانوا أهل سنن عملية تستلهم روح الكتاب ومقاصده. وحتى لما أتى عصر التدوين وأصبحت النصوص الفردية، من آيات قرآنية وأحاديث نبوية، تستأثر بالاهتمام على حساب العمل والاجتهاد، كان لكل مذهب من المذاهب الفقهية ضوابطه في التعامل مع هذه النصوص، مثل عمل أهل المدينة عند مالك ومفهوم السنة المشهورة عند الحنفية والحديث المسند عند الشافعي. وعلى الرغم من أنّ بعض المذاهب كانت أمْيل إلى النصوص من غيرها؛ ومن غلبة «فقه الحديث» في العصور المتأخرة، احتفظ الفقه المذهبي بصورة أو بأخرى بضوابط للتعامل مع النصوص الفردية، سواء تلك الضوابط المذكورة أم غيرها.

ويخلص إلى أن الفقه المذهبي قد غدا في طريقه إلى الزوال، شئنا أم أبينا، وغدت الخطورة تكمن في محاولات إحلال النصوص الفردية والفتاوى التلفيقية محله. إنّ النصوص الفردية مصادر أولية لم تقم بدورها الذي قامت به في السابق إلا لأنها كانت مدعومة بما ذكرناه من مصادر «تكميلية» ومناهج وضوابط خاصة بكلّ مذهب؛ فهذه الضوابط هي التي مكنت الفقه من استيعاب النصوص الفردية، على الرغم من ظنيتها بفضل تغليب المعايير القطعية على ظواهر النصوص الفردية.
أمّا والفقه المذهبي يغيب تدريجياً، فلم يعد ممكناً التعويل على النصوص الفردية. إن الزوال التدريجي للفقه المذهبي لا يترك لنا خياراً سوى التماس منهجية تجديدية لقراءة النصوص الفردية، بحيث لا تُقرأ هذه النصوص إلا في ضوء أصول قطعية. إنّ مثل هذه المنهجية لا بد من أن ترتكز على الأسس التقليدية الكبرى نفسها بعد إعادة قراءتها.

مقالات ذات علاقة

كتاب جديد: فتنة الأدب وغواية النقد للكاتب حسن المغربي

المشرف العام

الصادق النيهوم.. مثقّفٌ على يسار السّلطة

محمد الأصفر

عائلة الطغيان

علي المقرحي

اترك تعليق