طيوب عربية

بئر أبي ذر الغفاري

د. ماجدة غضبان المشلب

من أعمال المصور.. نصر العنابي
من أعمال المصور.. نصر العنابي

البئر أظلم عميق..

سمعت صراخهم..

_أتسمعون يا رفاق؟، هنالك من يصرخ..

_عاد لما كان عليه..

_أنت تسمع ما لا نسمع، و ترى ما لا نرى..

_عدت الى جنونك من جديد..

_الدليل اننا خمسة افراد، و لم نسمع شيئا..

حطمت دائرة الأذرع المغلقة، المبطنة بضحكات السخرية و الاستهجان..

_الى أين ذاهب؟

تدلت اصواتهم في الهواء كثمار مجوفة..

_الى البئر حيث يصرخون..

_دعه انه مجنون..

_لن يجد البئر، و سنكون في استقباله بنكات لاذعة..

_سيكون تسليتنا الوحيدة هذا المساء..

غادرتهم مسرعا، و انتهى لغطهم عند الخط الفاصل بين الشمس و حمرة البحر الهاديء حتى ذاب كعدم لم يكن..

الى الأمام، و على بعد بضعة خطوات انفجر بركان الصرخات..

تناثر الزعيق و كلمات الغوث كالحمم من فوهة بئر يقذف ما فيه نحوي بغضب و قوة..

بخار و دخان و عواء بشري مرعب لامس جلدي دون أن أشعر بحرقة أو ألم..

_من هناك؟..

_نحن هنا في الأسفل..

بدا التشابه بين الأصوات التي ودعتني بسخريتها قبل قليل و بين بوق الاستغاثة الجماعي واضحا..

_من انتم؟

_ من سخر قبل لحظات منك..

_كيف سقطتم في البئر، و قد تركتكم خلفي؟..

_لا ندري.. هات لنا بحبل، و اربطه بصخرة لعل احدنا يخرج و يعين من بقي على الخروج أيضا..

_لا أملك حبلا..

_مد لنا يدك..

_البئر ليس عميقا..

_لكنه شديد اللزوجة..

_لا نستطيع التسلق نحو الأعلى..

تدلت ذراعي صوب عتمة شديدة..

_هل ترون يدي؟

_اني ارى سبابتك

_انا لا ارى سوى ابهام..

_لا ليس هناك سوى الخنصر..

_كلا انه بنصر فحسب

_ايها الحمقى هذا اصبع الوسطى و لكنه شديد الضخامة..

شعرت بابهامي يكاد ان يتحطم تحت ضغط يد هائلة الحجم..

_اترك ابهامي و امسك بيدي كلها..

_الظلام شديد لا ارى سوى الابهام..

_انا سأتعلق بالخنصر فهو واضح امامي جدا..

_انا سأمسك الوسطى الضخمة..

_و انا لدي السبابة..

_و هذا البنصر يبدو لي كعمود كبير..

_ايها الاغبياء اتركوا أصابعي.. انكم تسحبونني نحو الظلام، اتركوا أصابعي، ليمسك أحدكم بيدي كلها، لا يمكن ان اخرجكم جميعا..

كادت أصابعي ان تغادر أماكنها، و الايادي تطبق عليها و باصرار شديد..

أصبح نصف جسدي في عتمة الهوة..

رفست الارض بساقي و انا اقاوم السقوط..

_اتركوا يدي..

تمادت صرختي برفرة نحيلة مغتالة سكون خمد بين أرض و سماء.. الا انها كانت متأنية بموازاة سرعة التهام الهوة لي..

أحاط بي الظلام و اللزوجة معا..

سمعت قهقهة أحدهم في الأعلى حيث لم يعد بامكاني ان ارى أي شيء..

_انظر الى هذا الغبي، قد رمى نفسه في بئر عميق لا قرار له..

_قد صدق حقا ان هنالك أناسا في البئر..

_صدق الاصوات التي ضجت في رأسه..

_هذا الجنون بعينه..

_اتركوه في البئر، انه يستحق البقاء هناك..

ابتعد ضجيجهم.. ساد الصمت بعد رحيل آخر خطوة..

أحاط بي طوق هائل من أشواك الوحدة و اليأس و بدا كأنشوطة مشنقة معدة لقتلي..

لا أظنهم سيسمعون صراخي.. ، فهم لا يسمعون ما أسمع..

و إن سمعوا.. فلا أظن ان لديهم رغبة برؤيتي على وجه الارض مرة اخرى..

مقالات ذات علاقة

لأجل أن أسمعك لك آذان يائسة

إشبيليا الجبوري (العراق)

الأردن يتألق في عيون الفنانين

المشرف العام

أشرف البولاقي في إنتظار المجاز

مهند شريفة

اترك تعليق