قصة

اِستيقاف للاستفهام

من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد
من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد

 كانت من أحد عادته الصباحية في يومه. الولوج إلى بعض من صفحات وحسابات الفيس بوك. يطالع ما تحّمله من جديد. وكان نادر ما يعالج اِدراجاتها بمداخلاته. عدى ذلك اليوم. الذي طالعته فيه إحدى الصفحات وهى تتحدث عن الجنوب الليبي. بصيغة تقطر ألماً وضيقاً حول مُساكنة فزان واستكانتها. لهذا الواقع العابث. الذي اجتهد على تهّميشها وإبعادها عن المشهد الوطني. بل وشطبها كمفردة من مفردات الجغرافيات الليبية.

دفعه ما جاء في إدراج تلك الصفحة. إلى تدوين ردٍ سعى به نحو إثراء ما جاء به الموقع وصفحته. فكان رده على هذا النحو:

(أعتقد بأن هذا الجنوب الذى يُؤلمك. قد اُسس له وظهر للوجود على يد العقود الأربعة الماضية. فقد اجتهدت وسعت هذه العقود. نحو تهميشه ومن ثم شطبه. واستبّدلته بجنوب وافد. نفخت فيه من روحها وحقنت عروق هذا الوافد. بقدر هائل من أموال النفط. فصارت له وبها مخالب وأنياب. وبتحّريض ودعم من تلك العقود. ابتلع هذا الوافد الجنوب قاطبة. فصار بذلك الجنوب هو الوافد. والوافد هو الجنوب. وعندما طٌوّى سجل تلك العقود. ورحلت إلى الماضي. عجز هذا الوافد عن التواصل مع الجغرافي الديموغرافي الثقافي الليبي. وذلك لنشأته في حواضن جغرافيات بعيدة عن الجغرافية الليبية. ولكن الاستفهام الضاغط يقول: هل كان هذا التهّميش ومن ثم الشطب. هو خطوة مبكّرة على الطريق. الذى انتهى بالجنوب وليبيا الى هذا المنتهى؟؟؟ والاهم من ذلك. والذي يجب أن ينشغل به جميع الجنوبيين والوطنيين الليبيين يقول. هل من سبيل. وكيف النفخ في روح الجنوب. كي ينتفض كعنقاء من تحت الرماد في جنوب جديد. تكتمل به خريطة ليبيا الجغرافية الديمغرافية الثقافية.؟؟؟)

ما أن انتهى من معالجة ما حمله رده. بإرساله إلى ذلك الموقع وصفحته. حتى اَلِف ذاكرته تستدعى حدث من ماض يفّصله بعقود ثلاثة ونيف من الزمان. عن حاضره الذي يحتوى لحظة ما خطه في سُطوره هذه.

كان، وجاء الحدث مع بداية تسعينات القرن الماضي. عندما جرّته الحاجَة إلى ولوج الأحياء السكنية الجنوبية. لحاضرة الجنوب الليبي. حيث التمركز السكاني الكثيف للجنوب الوافد. كانت بغّيته منزل لصديق يقطن ذلك الحيي السكنى. استوقف أحد المارة. كان شاب في عشّرينات العمر. للاستفهام عن المنزل المطلوب. فجاءه الرد بأن المنزل المعنى يوجد في نجع (عَيتْ فُلان). فعاود الاستفسار عن نجع (عَيتْ فُلان). فأشار الشاب العشّريني بيده. في اتجاه عمارة ذات أربعة طوابق تتدثر بلون أصفر فاقع. وتتوسط الحيي السكنى قائلا. أتشاهد تلك؟ هو عين المكان لنجع (عَيتْ فُلان).

في طريقه نحو العمارة ذات الطوابق الأربعة. انشغل تفكيره بما تحّمله عبارة (نجع عيت فلان) من مضامين وايحاءات صحراوية. فتساءل فيما بين نفسه. هل جيء بهؤلاء كأداة لتصّحير كل ما هو حضري؟ ولماذا؟ هل سعى من أتى بهم إلى الجغرافية الليبية لليي عنق الحياة بعيدا عن مسارها الطبيعي، عسفا صوّب تَصّحير الحياة والتصحّر والصحراء؟؟ ولكن أيضا لماذا؟!

لقد نجحت تلك العقود في الترويج. لمضامين اُخْتزلت في مفردات. النجع. الخيمة. الراحلة. الخ. وصارت العقود الأربعة تحّتفى بكل هذا. فتُزيّن بها شوارع مُدنها وساحتها. وتُفّسح لها حيزا مضاء بمصابيح النيون. جنباً إلى جنب لمزاحمة ماركات مسجلة أبدعها عقل عصر الجينوم والاتمتة وثورة الاتصال والربوتات الخ.

ولكن لماذا كل هذا؟! هل كان هذا وفى مجّمله. خطوة مبكّرة. في اتجاه تأهيل الجغرافية الليبية. لتكون جزأ من حاضنة جيدة وواسعة. عندما يحين الوقت لتُغدى كل هذا الذى نشاهده ونحسّه ونعايشه وهو يعصف بكل أنحاء ليبيا. ويتشعب بتمدده. ليطال فضائها الإقليمي القريب والبعيد؟؟!

كان كلما حاول ومرارا أن يتخطى هذه الاستفهامات ليجعلها من وراء ظهره، كان ومرارا يتعثر. بما تحتوي مخازن ومعسكرات تلك العقود الأربعة من أسلحة وذخائر حربية. تفيض عن حاجتها. بل وحاجة فضائها الإقليمي فيعاود من جديد. الى استيقافاته واستفهاماته.

مقالات ذات علاقة

الـغـائـب

عبدالله هارون

كـذبـة

علي جمعة اسبيق

الصقـيع

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق