ترجمات

انطونيس ساماراكيس .. شارع البريد

 (قصة ـ ليست قصيرة تماما ـ من مجموعة: إنني أرفض)

.

ترجمة عن اليونانية: ز. العزابي

*     *     *

مقدمة:

ولد انطونيس ساماراكيس لأسرة فقيرة في اثينا عام 1919، وعاش طفولة بائسة في تلك السنوات التي اعقبت الحرب الأولى، والتي كانت بائسة لمعظم الناس في بلده. درس القانون، وشارك في المقاومة ضد الاحتلال النازي لليونان. قبض عليه النازيون عام 1944 وحكم عليه بالموت، غير انه تمكن من الهرب من المعتقل. كما شارك في العمل ضد نظام الكولونيلات بين 1967 و 1974.

حصل على جائزة الدولة اليونانية للقصة القصيرة عام 1962. ثم على جائزة الدولة الفرنسية التقديرية للقصة البوليسية عام 1970. وعلى جائزة الأدب الأوربية (اوروباليا) من بروكسل عام 1982. ترجمت اعماله إلى اكثر من 30 لغة. عمل كخبير في منظمة العمل الدولية، وعين سفيرا للارادة الطيبة باليونيسيف عام 1989، حيث قضى سنواته الأخيرة متنقلا بين عدد من الدول الافريقية التي كانت المنظمة تقوم بمساعدتها.

تحولت بعض رواياته الى اعمال سينمائية، واستخدمت كليه الحقوق في جنيف الفيلم الماخوذ عن روايته (الخطأ) كمثال للتدريب العملي في علم الجريمة.

من أهم أعماله (مطلوب أمل) 1954، (إشارة خطر/ رواية) 1959، (إنني ارفض/مجموعة قصص) 1961، (الخطأ/رواية) 1965، و (جواز سفر) 1973.

توفي يوم 8 اغسطس عام 2003، وطبقا لوصيته، مُنح جثمانه لكلية الطب بجامعة اثينا.

*     *     *

مضى ليقف امام المرآة.. المرآة البيضاوية التي كانت تحتل وسط الصالة على دولاب البوفيه.

حدّق.. ومرر يده على وجهه..

ـ حسنا.. احتاج إلى حلاقة ـ قال بصوت عال كما لو كان يتحدث إلى أحد آخر معه في الغرفة. حرك يده اليسرى، وحدق في ساعته..

ـ بعد ست دقائق.. ستكون الحادية عشرة وعشر دقائق بالضبط.

فتح ياقة قميصه التي كانت تضايقه منذ برهة..

ـ تؤجل الحلاقة لضيق الوقت.. بدا كما لو كان يزمع أن يقول شيئا آخر، ولكنه لم يتفوه به، ثم تناول مشطا وشرع يرجل مفرق شعره باهتمام زائد. من المرآة.. اتجه نحو غرفة الأكل، امسك بمقبض الباب ليفتحه، إلا أنه غير رأيه وذهب نحو باب الشرفة المثلث. جذب الستارة قليلا والصق وجهه على الزجاج. أجال بصره خارجا تجاه الحديقة، الأشجار، خزان الماء، وأحواض الزهر الملونة، ثم باتجاه الأشجار مرة أخرى، نحو خرطوم السقاية الملتوي مثل أفعى ضخمة تحرس بيت الكلب الذي حمل التحذير التالي:

“انا هنا..

وأعض”

ضبب الزجاج بأنفاسه، وشرع يكتب إسما.. إسما صغيرا محببا اليه..

عندما كان صغيرا، عندما لم يكن في الخامسة والعشرين بعد، بل في الخامسة عشر، كان يفعل نفس الشيء، يضبب زجاج غرفته بانفاسه، ثم يكتب عليه إسما.. إسما حبيبا إليه، وقد شرع يفعل الآن نفس الشيء، يكتب على الزجاج المضبب بأنفاسه إسما حبيبا إليه.. ولكنه توقف.. لم يكتبه. وبقوة، رسم خطا على الزجاج.. فقط.

تناول علبة سجائره، كان بها خمس سجائر كاملة ونصفان، تناول سيجارة كاملة وأشعل عود كبريت.. أحد ما كان يغني في غرفة الأكل.. ركز انتباهه ليتعرف على الأغنية دون جدوى، كان الصوت خفيضا، واحترق عود الكبريت في يده دون ان يشعل سيجارته. حدق مرة اخرى في ساعته.

ـ بعد اربع دقائق ستكون العاشرة وعشر ددقائق ـ قال بصوت مرتفع مرة اخرى ـ واشعل عود ثقاب آخر لسيجارته، إتكأ على عازل الباب معطيا وجهه نحو الصالة الداخلية. الطاولة المربعة الثقيلة، والزهرية ذات القرنفلات الحمراء فوقها، والكرسيان المصنوعان من القش، دولاب البوفيه، والمرآة البيضاوية، وصورة على الجدار بين غرفة الأكل والدولاب.

تحرك ليقف امام الصورة..

بمناسبة عيد ميلاد العمة إليني

22 يناير 1945

العمة إليني في الوسط، ليس في الوسط تماما، كانت تقف إلى اليمين قليلا محاطة بالأقارب، وعلى وجهها إبتسامة ملائكية.. ملائكية بالفعل.

ـ لقد سمنت مؤخرا.. عليها ان تهتم بضغطها.

ثم تحرك بخطوات واسعة كما لو كان يريد قياس إتساع الغرفة. إنتقل من جوار الصورة إلى النافذة الوحيدة للصالة.. انحنى وحدق نحو الخارج، الشارع طافح بالشمس.. الشمس الصباحية المحببة في مايو، واللافتة المتآكلة إلى حد ما في الزاوية..

شارع البريد..

وفي الرقم 44

آليغانس

مصفف شعر على النمط الحديث

نقوم بتسريح الشعر “ميزامبليه”

في الرقم 42ـ أ.. لافتة تقول..

مكتب ايكاروس للسفريات

تذاكر لجميع انحاء المعمورة

تاريخ التأسيس ـ 1899

وفي الرقم 42 كان يوجد مدخل العمارة

اما في الرقم 40..

فهناك الفندق الشعبي الكبير

(مون ريبو)

كان ثمة بعض الملابس الداخلية في نافذة الطابق الرابع، وأخرى في الثالث. وعلى الجدار، بين فندق (مون ريبو) ومدخل العمارة، كان هناك ملصق اعلاني كبير متعدد الألوان..

المسرح الشعبي

الخميس 8 مارس 1945

الساعة 09:30

الحفل الموسيقي الكبير لأوركسترا مدينتنا

الجزء الأول

موتسارت/ الناي السحري.. مدخل

بيتهوفن/ كونشرتو بيانو.. واوركسترا رقم 3 في (دوـ صغير)

استراحة

الجزء الثاني

موتسارت/ سرناده رقم 5 (رى ـ كبير)

وأمام الملصق على الرصيف، رقد كلب اسود كبير منقط بالأبيض

نظر إلى ساعته..

ـ وإحدى وعشرون دقيقة ـ قال بصوت عال ـ العاشرة وإحدى وعشرون، وانا اجلس إلى النافذة وأمضي الوقت.. ثمة دقيقة تأخير.

اتجه نحو البوفيه، وتناول المايكروفون، حدق فيه قليلا، عصره في قبضة يده، وجاء صوته دافئا.. دافئا وهادئا:

ـ إننا نخوض هذه الحرب، من اجل ان ياتي عالم جديد بعد ان تنتهي، عالم مختلف، عالم يمنح جميع البشر الحرية والسلام والخبز..

توقف.. وحدق مرة اخرى في المايكروفون، وضغطه في قبضته.. عليه ان يكرر نفس الشيء الآن.. نفس الكلام.. بالضبط. وجاء صوته مرة اخرى دافئا.. دافئا وهادئا:

ـ اننا نخوض هذه الحرب من اجل ان ياتي عالم جديد بعد ان تنتهي، عالم مختلف.. عالم..

وهنا جاءت رصاصة.. أتت عبر النافذة، استطاعت ان تخترق أكياس الرمل التي تحميها، عثرت على شق ما، كيس مرتخية، وعبرت، لامست يده اليمنى واستقرت في الزهرية ذات القرنفلات المتيبسة منذ زمن..

*     *     *

كانت فترة الاستراحة قد انتهت منذ خمس دقائق، وربما اكثر.. وبدأ الجزء الثاني من الحفل الموسيقي في المسرح الشعبي، الذي أقيم ليلة الخميس الثامن من مارس 1945.

عندما انفجر الخبر في الصالة المزدحمة، مثيرا إحساسا ما كان ليثيره وقوع السقف ذي الثريات البلورية لو قدّر له ان يقع، ويتناثر فوق رؤوس الحاضرين. كانت الاوركسترا تعزف السرنادة الخامسة لموتسارت في (ري ـ صغير)، وبالتحديد، اكثر اجزائها إثارة للمشاعر.. (اندانتي موديراتو)، عندما انفجر الخبر.

انتشر الهلع، فيما كان ما يقرب من 1300 من الحاضرين يهرعون نحو المخارج مذعورين. كانوا يتصايحون وسط الذعر.. ودون ان يفهم احد ما كانوا يصيحون به حتى هم انفسهم ما كانوا يعرفون تماما ماذا كانوا يقولون. البعض كان يغني النشيد الوطني بصوت عال، نائب رئيس المجلس البلدي المحلي كان يصرخ بصوت عال ايضا، واقفا على اريكة في موقع متميز:

ـ يعيش الامبراطور

الواقع انه لم يكن هناك اي امبراطور في اي مكان، ولكن هذا لا اهمية له، المهم في الأمر ان الخبر قد انهى الحفل خلال ثوان، ووقع الكثير من الجرحى.. كما قيل بأن البعض قد ديسوا بالأقدام وماتوا مختنقين.

خلا المسرح الشعبي في تلك الليلة، وتدفق ما يقرب من 1300 من الحاضرين نحو شوارع المدينة الصغيرة، فيما كان جمع آخر من البشر ينداح عبر نفس الشوارع هاربا تحت جنح الليل، كل واحد منهم يحمل ما تمكن من أخذه معه.. تقريبا.. ثم لا شيء.

هكذا خلت المدينة في ليلة الخميس الثامن من مارس 1945، خلت من السبعة والعشرين الفا، وهو عدد سكانها على وجه التقريب.

طوال سنوات الحرب هذه، لم تبد الحرب اي اهتمام خاص بالمدينة، ولكن في ليلة الحفل الموسيقي، تغيرت بواقع 180 درجة، ودارت على نحو لم يكن يتوقعه احد.

وطوال الليل، كان الخصمان يتحركان باتجاه المدينة، واحد من الجنوب الغربي، والآخر من الشمال. وقد استمر هروب الناس حتى الساعات الأولى من الصباح. لم يبق احد.. باستثناء بعض الكلاب التي لم ترد المغادرة بدافع العناد.

آخر الهاربين اصطدموا في المدخل الغربي بأول الفرق الآلية والمشاة.

هكذا اتت الحرب فجأة إلى المدينة.. فجأة مثل وابل مطر ربيعي.

ولكن الوضع لم يحسم تماما وبسرعة كما قد يتوقع المرء، لم يحسم لصالح هذا ولا ذاك. شهر كامل، بل شهر وبضعة ايام، كانت المدينة، وباستمرار، تحت قصف الجانبين. معارك الشوارع كانت ضارية بالفعل ولا هوادة فيها، وتحول الكثير من المباني إلى رماد، ولكنها بقيت تقريبا وراء المتناول. لم يبق شارع لم تسل فيه الدماء، وبما ان الشوارع لم تكن قد صممت اساسا للحرب، وخاصة حرب الدبابات، إذ كان معظمها ضيقا، وعادة ما كان القتلى يعيقون مرور الأحياء. كما قتل عدد من الكلاب التي بقيت في المدينة. ومع ذلك، وبعد ذلك الشهر والبضعة ايام، لم يتمكن اي من اللاعبين ان يكسب اللعبة، وبقيت المدينة معلقة بين الإثنين. وكان الحد بينهما، الخط الفاصل، هو شارع البريد، الشارع الرئيسي الذي كان يقسم المدينة. من مبنى البلدية وحتى محطة سكة الحديد. وبوجود شارع البريد كخط فاصل، صار احد الخصمين يحتل الرصيف ذا الأرقام الفردية، والآخر يحتل الرصيف ذا الأرقام الزوجية. وهكذا، طبقا لهذا التقسيم لشارع البريد، جاءت فترة الهدوء المبشرة بالأمل.

وبالطبع، فإن فترة الهدوء هذه لم تكن اكثر من مجرد فترة هدوء. فقد كان الجانبان بحاجة ماسة لأن يتوقفا قليلا، ليلتقطا انفاسهما، ويهتما بجراحهما، ويعيدا تنظيم قواتهما استعدادا للهجوم القادم.

وقد سادت فترة الهدنة تلك جانبي شارع البريد في نفس الوقت، كما لو كان الخصمان قد اتفقا على ذلك. وفي تلك الساعة، في الساعة التي توقفت فيها حرب (السلاح) لتلتقط انفاسها، حلت محلها حرب مكبرات الصوت.

*     *     *

استدعاه الجنرال ذات صباح بحضور الرائد، وقدم له سيجارة، ثم قال له:

ـ ايها الملازم.. لقد تقرر تعيينك قائدا لمكبرات الصوت، نعم.. لا يجب ان تمر فترة الهدوء التي في حوزتنا بالنسبة للعمليات دون استغلال.. فالحرب النفسية ايها الملازم، لها اهمية عظيمة، من ناحية تأثيرها على معنويات الخصم، ولا اعتقد انني في حاجة إلى الإفاضة.. حسنا إذن.. إذ سوف يتم على ضفتنا من شارع البريد، وفي هذا اليوم، تركيب مكبرات للصوت.. الكثير من مكبرات الصوت.. كل ما نملكه منها، وانت ايها الملازم، الوحيد الذي يعرف لغة الخصم.

وهكذا.. في ظهر احد ايام ابريل من عام 1945.. باختصار.. كانت فترة بعد الظهر.. بدأت حرب مكبرات الصوت على الجانب ذي الأرقام الفردية من شارع البريد، ووجد نفسه من ملازم احتياط، وآمر السرية الثالثة من الفرقة 144 مشاة.. هكذا فجأة.. قائدا لمكبرات الصوت. كان مقر قيادته في الدور الأرضي لما كان في السابق بيتا من ثلاثة طوابق، في الرقم 37 من شارع البريد. إذ لم يتهدم الدور الأرضي، وكان في حالة جيدة. كان لديه المايكروفون هناك، في صالة البيت التي غادرها الناس المجهولون الذين هربوا تحت جنح الليل، وظلت مثلما هي بالضبط عندما غادروها فجأة، بما في ذلك الزهرية، بازهار القرنفل الحمراء على الطاولة المربعة الثقيلة. كان لديه المايكروفون في مقر قيادته، وشرع يقود 113 مكبر صوت مخبأة على طول الرصيف، في اماكن مختلفة.

في نفس ذلك الصباح.. استدعاه الجنرال، وأعطاه النص الذي سيقرأه عبر مكبر الصوت، لم يكن لديه الحق في ان يغير كلمة واحدة. وكرر له الجنرال.. “حتى كلمة واحدة”.

قرأ النص الذي ترجمه هو نفسه في المايكروفون للمرة الأولى في منتصف ذلك النهار من ابريل. كانت فترة ما بعد الظهر، وقد اخذته مكبرات الصوت الـ 113، وضخمته، وكبرته، ونقلته إلى الرصيف ذي الأرقام الزوجية.

بالطبع.. لم يتردد الرصيف ذو الأرقام الزوجية من إقامة قيادة خاصة به لمكبرات الصوت، بمكبرات صوت خاصة به، وفي مساء نفس اليوم. وتحدث قائد آخر لمكبرات الصوت من الرصيف المقابل.. بلغتهم. قائد آخر للمكبرات.. لا يعرفه. كان يسمع صوته فقط، وهو يلقي نفس الكلمات.. بالضبط. هذا القائد الآخر لمكبرات الصوت، قام بترجمة النص الذي كتبه هو، وكان يلقيه.. مترجما.. بالضبط، كلمة.. كلمة.

كان لديه على الرصيف ذي الأرقام الفردية ساعات محددة، عليه ان يتكلم خلالها في الميكروفون. ساعات محددة، عليه ان يلتزم بها حتى آخر ثانية. وعادة ما كان يحدث ان يتكلم، هذا الآخر، في نفس الوقت من على الرصيف المقابل، فتجأر 250 مكبر صوت تقريبا ـ إذ قدّر أنهم نصبوا عددا مقاربا من المكبرات ـ ناشرة في الشارع جوا كابوسيا مرعبا.

وإلى جانب فترات الراحة التي كان يقوم بها هذا المتحدث او ذاك، فقد كان الإثنان يغطيان فترة الأربع والعشرين ساعة كلها.

فترة الهدنة مستمرة الآن لثلاثة وعشرين يوما، ولكن لم يكن ثمة احد يمكن خداعه على ضفتي شارع البريد، ومن لحظة إلى أخرى، ستتحول حرب المكبرات ـ ببساطة ـ إلى.. “الحرب”.

ففترة الهدنة لم تكن اكثر من فترة هدنة، فترة هدوء ساخن تسبق العاصفة الجديدة، والطلقات التي كان يتم تبادلها احيانا عبر الشارع، لم تكن تترك اي مجال للشك في ذلك، كانت تذكيرا بالحرب.. الحرب الأخرى، الحرب الحقيقية التي كان الجميع ينتظرون ان تستعر من جديد، وبلا هوادة.. مثلما كانت من قبل.

لم ينخدع احد.. فالهجوم الجديد ليس ببعيد، وكان الخصمان يعيدان تنظيم قواتهما بكل ما أوتيا من السرية، بل ووصلتهما إمدادات جديدة. ولم يبق سوى إصدار الأوامر ببدء الهجوم الجديد.

ـ الأمر ببدء الهجوم الجديد يمكن ان يصل من لحظة إلى اخرى ـ قال لهم الرائد آمر الفرقة 133 للمشاة. كان ثمة اجتماع عادي للضباط يوم الاربعاء الماضي.. وكل صباح، حوالي الحادية عشرة، كان الرائد يمر على مقر قيادة مكبرات الصوت.

احد ما سأله عن الأمر، فتابع الرائد قائلا:

ـ من لحظة إلى اخرى.. وسيرسل الأمر إلى هنا مع جندي ارتباط خاص.. معلوماتنا واضحة، والهدنة تقترب من نهايتها، وربما كانت هذه النهاية قريبة.. قريبة جدا.. جدا. ولدي امر بإعلامكم بأن الهجوم الجديد على الأبواب.. وعندها عليك.. انت يا قائد مكبرات الصوت، ان تسرح نفسك من رتبة (قائد) على الفور، لتصبح من جديد (الملازم).. آمر السرية الثالثة من الفرقة 144 للمشاة.

وهنا تدخل الرقيب الذي كان يقوم ببعض الإصلاحات في تمديدات المايكروفون، وكان حاضرا النقاش لذلك السبب:

ـ ماذا إذا سبقنا الآخرون ايها السيد الرائد.. وبدأوا هم الهجوم..؟

ابتسم الرائد ابتسامة الواثق من نفسه، وعدل من وضع مسدسه في وسطه:

ـ على اية حال.. ليس باستطاعتهم مباغتتنا ـ قال ـ اضمن لك ذلك ايها الرقيب.. مفهوم..؟

*     *     *

ـ السيد الملازم.. هل انت على ما يرام..؟ صاح الرقيب.. وكان اول من جرى من مكانه بغرفة الأكل عندما انطلقت اولى الرصاصات، وبيده تفاحة أكل جزءا منها، فتح الباب بعنف، واصطدم بالطاولة ذات الزهرية التي بها ازهار القرنفل، والتي أصبحت مكسورة الآن.

ـ هل انت على ما يرام ايها السيد الملازم ـ كرر..

لم يعطه جوابا فوريا.. ووضع الميكروفون فوق البوفية.

ـ نجونا ايها الرقيب ـ قال ـ ولكن الزهرية ذات القرنفلات دفعت الثمن.

اتجه الرقيب نحو النافذة، وتحسس الأكياس..

ـ كيف عبرت الشيطانة كل هذه الأكياس ـ قال

ـ وجدت كيسا مرتخية في مكان ما.. الأمر ليس في حاجة إلى فلسفة ايها الرقيب.

ودخل جنديان يبدو عليهما الإنزعاج..

ـ ما الذي يجري.. هل حدث شيء ـ سأل احدهما.. الطويل منهما

ـ النافذة بحاجة إلى حماية اكثر ايها الطويل ـ قال الرقيب ـ وأنت الآخر.. انتما الإثنان.. هاتا المزيد من الأكياس.

ومن بين الأكياس.. هنا وهناك، كانت ثمة فتحات صغيرة، بحيث انه باستطاعة المرء إذا ما قرب عينيه ـ كما في برج المراقبة ـ ان يرى جزءا كبيرا الى حد كاف من شارع البريد.

ـ ربما صادفت احدى الفتحات ايها الرقيب ـ قال ـ ربما حدث الأمر هكذا..

ـ هل تعتقد انهم قد حددوا موقعنا ايها السيد الملازم ـ تساءل الرقيب ـ حددوا موقع قيادة المكبرات؟.. إذا كان الأمر كذلك..

ـ كيف لي ان اعرف ايها الرقيب.. لا اعرف شيئا.. ربما نعم.. ربما لا.

عض الرقيب تفاحته.. ثم عضها مرة اخرى بعد ذلك مباشرة، وفجأة انطلقت مكبرات الصوت من الجانب المقابل.. وصوت الآخر..

ـ إننا نخوض هذه الحرب من اجل ان يأتي عالم جديد، بعد ان تنتهي.. عالم مختلف.. عالم يمنح جميع البشر، الحرية، والسلام، والخبز.

اخذ علبة سجائره، وقال وهي يعطي سيجارة للرقيب:

ـ هل تسمعه ايها الرقيب؟.. زميلنا لا يفوت الفرصة، فبمجرد ان توقفت انا.. هجم الزميل على الفور.. ولكنني سارد عليك بهجوم مضاد ايها الزميل.. انتظر وسترى.

ـ انها تثير اعصابي حرب مكبرات الصوت هذه ـ قال الرقيب ـ مكبرات في كل مكان.. مكبرات.. مكبرات.

نظر اليه وهو يشعل سيجارته..

ـ لا تحتدّ ايها الرقيب.. فلن يستمر الأمر هكذا طويلا.. الم تسمع ما قاله الرائد اول امس.. تمتم الرقيب بشيء ما، وعض تفاحته، ودخل الجنديان، الطويل والآخر وهما يحملان الأكياس. فاتجه الرقيب نحو النافذة، وأخذ الجنديان يصفان الأكياس هناك..

القى نظرة باتجاههم، ثم اخذ مجة طويلة اخرى من سيجارته، وذهب نحو البوفيه، والتقط الميكروفون، وجاء صوته مرة اخرى، دافئا.. دافئا وحنونا:

ـ اننا نخوض هذه الحرب من اجل ان يأتي عالم جديد بعد ان تنتهي.. عالم مختلف..

وقف جندي الارتباط عند باب غرفة الأكل ماسحا العرق بيده اليسرى، وفي يده مظروف رمادي مختوم..

اول من رآه كان احد الجنديين، ليس الطويل.. وذلك عندما انحنى ليلتقط احد الأكياس..

ـ ايها السيد الملازم.. جندي الارتباط.. الهجوم الجديد ـ قال صائحا.. عندها انتبه الآخران ايضا لجندي الارتباط، فوضع الميكروفون على البوفيه:

ـ ماذا يجري ـ قال وهو يتقدم خطوة نحو الجندي القادم.. فتقدم هذا بدوره خطوة اخرى.. وادى له التحية.

ـ اشارة لكم ايها السيد الملازم.. تسليم شخصي.

اخذ الظرف، مزقه بعصبية، واخرج الورقة..

ـ لنخرج من هذا الهدوء الساخن ـ قال الرقيب وعض التفاحة، لقد علانا الصدأ هنا.. احد الجنديين، الطويل، اخذ التفاحة من يد الرقيب وأتى على ما بقي منها.

ـ لديك حق ايها الرقيب ـ قال وهو يعض التفاحة ـ لقد علانا الصدأ.

ـ انتهت حرب مكبرات الصوت ايها السيد الملازم، هل تسمع ـ صاح الرقيب ـ انتهت حرب مكبرات الصوت، وانتهى (قائد المكبرات).. والآن.. الهجوم الجديد.. نعم.. الجديد.

ـ اسكت.. اسكت ـ صاح في وجهه، واتجه نحو الرقيب كما لو كان سيهجم عليه.. ودعك الورقة بيده اليمنى، ضغط عليها بكل قوته في قبضة يده، كما لو كان يريد تفتيتها، أن يزيلها من الوجود. وقف في وسط الغرفة تقريبا، امام صورة العمة إليني.. فيما كان الجنديان والرقيب وجندي الارتباط ينظرون إليه دون ان يفهموا ما كان يحدث.

ـ غير ممكن ـ قال كما لو كان يحدث نفسه ـ لا.. غير ممكن.. ليس..

تبادل الآخرون النظرات، ثم حدقوا تجاهه بصمت..

مرر يده امام عينيه كما لو كان يطرد كابوسا، ثم حدق باتجاه الآخرين.. واحدا.. واحدا..

ـ اتسمعون ـ قال صائحا ـ غير ممكن.. هذا غير ممكن.. ليس هذا.. ليس هذا..

اتجه نحو البوفيه، جذب تلفون الميدان.. ادار يده..

ـ الجنرال.. اعطني الجنرال ـ قال بصوت عال في السماعة ـ عامل التلفون.. اي شيطان لديك في اذنيك.. الخط اقول لك.. اعطني خطا.. الآن.. فورا.. تحرك.. نعم.. الجنرال.. نعم.. انا.. قائد المكبرات.. تعرفتم علي.. اريد ان اطرح عليكم سؤالا يا جنرالي.. بالضبط.. في هذه اللحظة يا سيدي الجنرال، لقد استلمت الإشارة.. جاء الإرتباط.. الذي كنا جميعا ننتظر ان يأتي .. ان يأتي.. من ساعة إلى اخرى.. من لحظة الى اخرى.. نعم سيدي الجنرال.. جاء جندي الإرتباط الذي انتظرناه من لحظة إلى اخرى ليأتي بالإشارة.. ولكن هذه الإشارة.. يا جنرالي.. اعني، اريد ان اسألكم سؤالا.. ما إذا كانت هذه الإشارة حقيقية سيدي الجنرال.. انها تحمل توقيعكم.. واسمكم. ولكن اريد التأكد منها.. سيدي الجنرال.. التأكد من انها إشارة منكم.. هل اقرأها لكم..؟ لحظة واحدة.. انها قصيرة جدا. فتح الورقة، وسواها، ثم قرأ بصوت انسان يتقلب على الجمر:

ـ إشارة ذات اسبقية مطلقة.. للتسليم الفوري.. الى جميع الوحدات والفرق المتقدمة.. انتهت الحرب.. اوقفوا إطلاق النار على تمام الساعة 11:11.

مرر يده على وجهه.

ـ حسنا سيدي الجنرال.. هذه الإشارة يا جنرالي.. هل هي حقيقية؟.. نهاية الحرب هذه؟.. نهاية الحرب.. كيف؟.. لا اسمعكم.. سيدي الجنرال.. انقطع الخط.. إلى الشيطان.. هذا الخط.

وادار التلفون بعصبية..

ـ عامل التلفون.. يا عامل التلفون.. الخط.. ليأخذه الشيطان.. الخط اقول لك.. اعطني الخط.. نعم.. الجنرال.. كنت اتحدث مع الجنرال.. هيا الخط.. اعطني الخط ثم اذهب إلى الشيطان.. أوه.. عذرا سيدي الجنرال.. كنت اتحدث إلى عامل التلفون.. لقد قطعوا الخط.. نعم.. انه.. انه.. حسنا.. هذه الإشارة هل هي حقيقية.. نهاية الحرب هذه، هل هي.. انها نهاية الحرب.. الآن؟.. بعد قليل؟.. عند الساعة 11:11. دعك الورقة بيده مرة اخرى وهو يستمع الى الجنرال، دعكها بتوتر وعنف.

ـ لا.. سيدي الجنرال.. ليس ممكنا.. يستحيل ـ قال صائحا ـ الحرب.. تنتهي الآن.. الحرب تنتهي عند الساعة 11:11.. خلال اثنتي عشرة او ثلاث عشرة دقيقة؟.. تنتهي الحرب.. الحرب تنتهي.. ولكن يستحيل ان تنتهي الحرب يا سيدي الجنرال، لا يمكن ان تنتهي الحرب، لا يمكن ان تكون نهاية الحرب على هذا النحو.. سيدي الجنرال.. الآن.. حالا.. عند الساعة 11:11، بعد احدى عشرة دقيقة تنتهي الحرب؟.. يستحيل.. يستحيل..

ـ لماذا؟.. لأنني خائف.. نعم.. هل تسمعونني.. خائف.. خائف من ماذا؟!.. من الكذب.. فإذا لم يكن العالم الذي سيأتي بعد الساعة 11:11 سيدي الجنرال، هو العالم الذي كنت أعد به طوال ثلاثة وعشرين يوما الآن.. ثلاثة وعشرين يوما متواصلة.. إذا لم يكن عالما جديدا.. عالما مختلفا.. العالم الذي سيعطي الحرية والسلام والخبز.. إذا كان هذا العالم هو التناقض.. سيدي الجنرال.. الكذبة الكبيرة.. الكبيرة، والعميقة.. والتي لا علاج لها. نعم سيدي الجنرال.. إذا لم اكن قائد مكبرات الصوت.. اذا لم اقل كل ذلك.. لكل هؤلاء.. سيدي الجنرال؟؟ احس بأنني قد قلت كل ذلك.. ووعدت به. ليس فقط اولئك الذين على الجانب ذي الأرقام الزوجية من شارع البريد.. ولكنني وعدت بكل ذلك، كل البشر.. سيدي الجنرال؟.. نعم.. جميع البشر.. نعم انا.. وعدت كل البشر بعالم جديد.. عالم مختلف.. اذا لم اكن قد وعدت بكل ذلك.. عندها يمكن.. ولكن الآن.. سيدي الجنرال لا استطيع.. لا استطيع.. ان تنتهي الحرب هكذا فجأة بعد قليل، عند الساعة 11:11، بعد دقائق قليلة من الآن، بعد عشر او إحدى عشرة دقيقة.. لا استطيع ان اقبل بنهاية كهذه للحرب.. سيدي الجنرال.. لست مستعدا سيدي الجنرال.. انني خائف سيدي الجنرال.. خائف.. انا لم اخف من الموت.. انتم تعرفون.. انني لم اخف قط من الموت.. ولكن الحياة.. الحياة القادمة بعد هذه الحرب.. هذا هو ما اخاف منه.. انا لست مستعدا لهذه الحياة.. ثلاثة وعشرون يوما الآن.. متواصلة.. اربع وعشرون ساعة في اليوم.. نهارا وليلا.. وانا أعد بكل تلك الأشياء.. انا.. انا.. الكلمات التي كنت اقولها على نحو متواصل.. لم يكتبها احد آخر.. بالتدريج.. اصبحت الكلمات لي سيدي الجنرال.. انا كنت اقولها طوال هذا الوقت.. انا من كان يعطي الوعود للناس.. انا من وعدهم بذلك العالم.. الجديد.. المختلف.. كان يعذبني هذا الخوف طوال ايام وليال.. ولكن الآن.. الآن.. لا استطيع.. سيدي الجنرال.. لا احتمل اكثر من ذلك.. إذا حصل هذا التناقض سيدي الجنرال.. اذا لم احافظ على وعدي.. فإنني اخاف سيدي الجنرال، عندما يحدث هذا التناقض.. كيف استطيع ان انظر في عيون الناس مباشرة.. كيف سيتسنى لي ان انظر الى عيونهم.. انني خائف سيدي الجنرال.. اخاف التناقض.. اخاف.. اخاف.. سيدي الجنرال.. هل تسمعونني.. آلو.. يا عامل التلفون.. اعطني الخط.. الخط بسرعة.. الخط فورا.. اخيرا.. سيدي الجنرال.. قطعوا الخط مرة اخرى.. ماذا؟.. أأتكلم بسرعة؟.. لأنني اريد ان انتهي بسرعة سيدي الجنرال.. ما يزال لدينا بعض الوقت.. انها الحادية عشرة ودقيقة.. يمكننا اللحاق.. سيدي الجنرال.. ما يزال باستطاعتكم الغاء الأمر.. بإمكانكم إلغاء الأمر.. انني خائف.. خائف من هذا العالم القادم بعد الحرب.. سيدي الجنرال هذا العالم.. هذه الحياة.. ما يزال بامكانكم الغاء الأمر.. ارجوك سيدي الجنرال.. اتوسل إليك.. الغ هذه الحياة.. ما يزال بإمكانكم.. ما يزال ثمة وقت.. ليس نهاية الحرب.. ليس الحياة.. ليس الحياة.. عامل التلفون.. الخط ايها الشيطان.. الخط بسرعة، لم يعد ثمة وقت.. الخط.. بسرعة.. سيدي الجنرال.. مازال بإمكانكم إلغاء نهاية الحرب.. الغوا الحياة.. الحياة.. لدي مسئولية سيدي الجنرال.. مسئولية.. تجاه البشر.. تجاه الرصيف المقابل.. تجاه كل البشر،، مسئولية.. مسئولية.. الخط.. اعطني الخط.. الخط.. الخط.. ماذا؟.. ماذا تقول؟.. الجنرال اقفل الخط.. اقفل الخط الجنرال؟

ترك السماعة من يده، كان وجهه غارقا في العرق، ولم ينتبه لوجود الرائد الا بعد ان ترك السماعة.. رآه يقف عند باب غرفة الأكل.

ـ ايها السيد الرائد ـ قال ـ السيد الرائد.. متى جئتم؟.. لم اركم.. لم اعرف بانكم هنا.

اتجه الرائد نحو اليمين قليلا.. ناحية باب الشرفة..

ـ إنني هنا منذ وقت طويل ايها الملازم ـ قال بجفاف ـ وقد سمعت كل شيء.. ايها الملازم.. كل شيء.

حدق في الرائد.. وفي الرقيب، وفي الجنديين، ثم في جندي الارتباط.

ـ منذ وقت طويل..؟ وسمعتم كل شيء.. كل ما قلته للجنرال.. نعم، ولكن الجنرال اقفل الخط.. الجنرال اقفل الخط ايها السيد الرائد.. حسنا.. لم يفهم الجنرال.. لم يفهم شيئا.. الجنرالات لا يفهمون ابدا.. ابدا.. اي شيء.. انهم لا يفهمون.. الجنرالات.. او انهم لا يريدون ان يفهموا.

خطى الرائد باتجاهه خطوة واحدة..

ـ ايها الملازم.. لقد وصلت الحرب الى نهايتها.. هل تسمع؟.. نهايتها.. تنتهي هذه الحرب على تمام الساعة 11:11.. خلال ثمان دقائق من الآن تنتهي الحرب.. حسنا إذن ايها الملازم.. هذا امر.. ولا مجال لأي نوع من النقاش هنا.. الأوامر لا تناقش ايها الملازم.. انها تنفذ فقط.

اتجه نحو النافذة دون ان يقول كلمة واحدة للرائد.. ثم توقف.

ـ ايها السيد الرائد.. لم يسألني احد عن الموضوع.. لم يسألوني عن نهاية الحرب هذه.. لم يسألوني.. لا استطيع ان اقبل بنهاية الحرب.. لا استطيع انهاء الحرب.. فعليّ مسئولية.. انا.. ايها السيد الرائد.. مسئولية.

تقدم الرائد خطوة:

ـ ايها الملازم.. اكرر لك.. ثم آمرك.. ان تتبعني الى مقر القيادة.. اتبعني فورا.. فانت بحاجة ماسة الى ان تتبعني الى هناك.. طيّب..؟

ثم تقدم خطوة اخرى..

ـ لا تتقدم ـ صاح وهو يسحب مسدسه ـ ايها السيد الرائد.. اقول لك لا تتقدم.. انني امنعك من ان تتقدم.

وتقدم هو لصق الجدار.. ثم وقف وظهره الى الحائط.. امام صورة ذكرى ميلاد العمة إليني.

ـ لا تتقدم نصف خطوة ـ قال موجها مسدسه الى الرائد ـ حتى نصف خطوة.. لأنك لن تتمكن من إكمال النصف الآخر.

وقف الرائد مسمرا في مكانه..

ـ ايها الملازم ـ قال وهو ينظر اليه في عينيه مباشرة ـ ايها الملازم.. انني آمرك.. بان الحرب قد انتهت.. الحرب انتهت.

ـ وأنا آمرك بألاّ تقترب.. لأنني ذاهب لاسأل احدا ما آخر عن ذلك.. يجب ان اسأله مهما كان الأمر.. انا بحاجة الى رأيه.. ان اتحدث إليه لدقائق قليلة.. وبمجرد ان اتمكن من سؤاله..

انزلق نحو الباب الخارجي، وفتحه.. وبقفزة واحدة كان في الشارع.. اتجه نحو الرصيف ذي الأرقام الزوجية، لم يصعد على الرصيف.. توقف على بعد مترين منه..

ـ اين انت؟.. انا لا اعرف اين انت ـ صاح واضعا مسدسه في جرابه ـ ثلاثة وعشرون يوما الآن.. ونحن نقول للآخرين.. لجميع الناس.. نعطي الوعود لجميع الناس بأن العالم الذي سيأتي بعد الحرب سوف يكون عالما جديدا.. مختلفا.. عالما سوف يمنح الحرية والسلاو والخبز لكل البشر.. نفس الوعد كنا نعطيه نحن الاثنين طوال هذه الأيام.. نفس الوعد بالضبط.. لكل الناس.. نحن الاثنين.. ولكن بالنسبة لهذا الوعد.. نحن المتآمرين.. لا اعرف اين انت.. هل انت قريب؟.. لا؟.. هل تسمعني..؟

اتجه يمينا نحو مدخل (مون ريبو)، وحدق في النوافذ كما لو كان الآخر سيظهر له من لحظة الى اخرى..

ـ لا اعرف اين انت.. ولكنك تسمعني.. اليس كذلك؟.. اعرف بانك تسمعني.. انني الآن اتحدث اليك بصوتي.. الصوت الخاص بي.. لقد تمكنت من العثور على صوتي.. انني لا اتحدث بصوت مكبرات الصوت الآن، لا اتحدث بصوت الآخرين.. هل تسمعني؟.. اعرف بانك تسمعني.. انني انا شخصيا اتحدث اليك الآن.. انا ذاتي.. وبصوتي انا.. صوتي الذي يخصني تماما.

توقف باتجاه نوافد (مون ريبو)، تفحص نوافذ المبنى، والنافذة الزجاجية الكبيرة لوكالة (ايكاروس) للسفريات والسياحة، بعد ذلك حدق في ساعته..

ـ ليس لدينا وقت كاف ـ قال صائحا ـ لم تبق سوى ست دقائق.. ست دقائق بالضبط، وتكون الساعة 11:11، تحدث اليّ إذن.. تحدث الى بصوتك انت ايضا.. قل ما العمل.. انت ايضا تحس بالمسئولية تجاه ما وعدت به الناس..انا اعرف ذلك، تحس بمسئولية رهيبة.. كل المسئولية تجاه ذلك.. فانت ايضا مثلي لست جنرالا.

الجنرالات فقط لا يحسون بالمسئولية تجاه اي شيء.. ابدا.. لا يحسون بالمسئولية.. الجنرالات.. اعرف انك انت ايضا تحس بالمسئولية.. وخائف مثلي.. تخاف من التناقض.. اذا كان العالم الذي.. العالم القادم.. اذا لم يكن هو الذي وعدت الناس به من هذا الرصيف.. ذي الارقام الزوجية بشارع البريد، اذا لم يكن العالم الآتي هو ذلك الذي وعدت به انا ايضا.. من الرصيف الآخر ذي الأرقام الفردية بشارع البريد.. اذا لم تحافظ على وعدك.. فكيف ستقدر على النظر مباشرة في عيون الناس.. هذا يعذبك انت ايضا.. اعرف ذلك.. اعرفه جيدا، انت خائف، مثلما انا خائف بالضبط.. نحن الاثنين خائفان، مشتركان في الجرم.. متآمران.

اتجه يمينا.. حدق مرة اخرى في ساعته..

ـ قل لي اذن.. ما العمل.. ماذا سنفعل نحن الإثنين المشتركين في الجرم.. ماتزال امامنا اربع دقائق.. قل لي، تحدث الي بصوتك انت، كما اتحدث اليك انا الآن بصوتي.. لا بصوت الجنرالات.. تحدث الى بصوتك الآن، لا بصوت الجنرالات وقل لي ماذا سنفعل.. امامنا ثلاث دقائق.. وانا خائف مثلك تماما، قل ماذا نفعل، كلانا خائف، وكلانا مسئول، واذا ما حصل هذا التناقض.. اذا ما حصل.. كلانا خائف.. كلانا شريك في الجرم.. وكلانا مسئول مسئولية رهيبة تجاه الناس، ورصيفي شارع البريد.. تجاه البشر في جميع انحاء الأرض.. مسئولية.. نحن شريكان في الجرم.. قل ماذا سنفعل، الحرب وصلت الى نهايتها، والحياة قادمة.. اتسمع.. قل ما العمل.. ماذا سنفعل.. ماذا سنفعل.. ماذا سنفعل.. ؟!

وضع يده على فمه كما لو كان قد عض لثته خطأ في تلك اللحظة، وحدق باتجاه نوافذ (مون ريبو).. لم يسمع صوت الطلقة تقريبا.. جاءت بهدوء.. بكثير من الهدوء.. يصحبها صفير مخنوق، مثل إشارة من صديق او شريك في جرم. في البداية امسك فمه بيده كما لو كان قد عض لثته خطأ.. ثم طفق يتهاوى.. يتهاوى.. قليلا.. قليلا على الاسفلت.. على مسافة ابعد قليلا من الكلب الاسود الكبير المنقط بالأبيض، تحت ملصق الحفلة الموسيقية.. نحو اليمين قليلا من الكلب الاسود الكبير المنقط بالابيض، والذي القى برأسه على الرصيف، وقد نزّ من خطمه الدم.

مقالات ذات علاقة

غزليات جلال الدين الرومي

عاشور الطويبي

ولكن ما.. بالحقيبة..؟؟

عطية الأوجلي

تشيماماندا نجوزي أديتشي

عطية الأوجلي

اترك تعليق