طيوب عربية

انحراف

طنطاوي عبدالحميد طنطاوي (مصر)

من أعمال التشكيلي المغربي خليل بوبكري (الصورة: عبدالمجيد رشيدي-المغرب)

حمدا لله فقدت تعديت الستين، وكما يقولون “شرك طار وريشك أتنتف”، وأحيانا ” خلاص سلمنا النمر ” بمعنى أصح لا وجود في عقلي ولا أدنى تفكير في مغامرات شبابية، ولا تطاردني أحلام مراهقة متأخرة فأسبح في تيار أفكار كاذبة، حتى زوجتي والحمد لله رفعت من رأسها موضوع الغيرة التي تنشب في عقول السيدات، وعموما هي أدرى بالحقيقة من أي إنسان، وأتمنى أن لا يفكر أي منكم بتفكير سيء، وبالطبع كان عليّ احترام سني وعمري، فالتزمت غالبا في أي سلوكيات وابتعدت شبه كلية عن أي شيء ممكن أن يثير كلمات أو إشاعات لا تثمن ولا تغني من جوع، لا أنكر أنني كتبت يوما في أحد أعمالي الروائية ” أن الجنس رمانة الحياة وسر عشقها “، الناشرة الكبيرة قالت هذا كلام مفضوح، لا يصح أن تبدأ عملا روائيا بتلك الفجاجة، هذا عيب كبير ترتكبه، لم تقبل نشر كتابي عندها ونشر من خلال هيئة الكتاب، رغم أنها أحيانا كانت تستقبلني بالأحضان جزاها الله عني خيرا، ويوم طلبت منها في وجود ابني الذي أقترب عمره من الأربعين، يا سيدتي لماذا كان استقبالك لي فاترا وبلا أحضان؟

ابتسمت وردت مباشرة وبلا تردد: حرصا وتخوفا من الكورونا

هل الكذب صفة أساسية تلازم الكتاب والمثقفين؟ أمام الشباب أتقلد دوري جيدا، أمثل دور الأديب وربما المفكر وأحيانا أتصنع دور الشيخ والمعلم، أنا أعرف أن قدراتي محدودة وأفكاري غالبا لا تخلو من السطحية ولكنهم جزاهم الله خيرا يعجبون بها كثيرا، لا أدري السبب، ربما بركة دعوات أمي بأن يحبني البشر

حانت فرصة أن أتعرف عليها، هي تحمل من الجمال ما يؤهلها أن تتربع على قلوب عشاق الجمال، أما عن الثقافة فلها حضور غير عادي تستطيع بلباقة غير عادية أن تستقطب العيون والآذان، وعن الأصل الطيب فقد أخترق أذني وتأكد لدي بأنها تنتمي لأرقى العائلات، وأنها حريصة أن تبدو في صورة محتشمة تعكس رؤيتها وفكر أسرتها، في حديث كنت أتمناه كثيرا ربما لم يطل، عرفتني وعرفتها وأكتفت برسم ابتسامة موجزة راقية وهزت رأسها، فقابلت تحيتها بتحية مماثلة ولم أشأ أن أفيض فينعكس مدى إعجابي، بل حاولت أن أحيد ببصري عنها وأكتفي باختلاس نظرات بين الحين والآخر، كانت مفاجأة لي بأنها قرأت أحد كتبي المتناثرة أحيانا على الرصيف

في طريق خروجي من المقهى المشهور برواده من المثقفين أو مدعيها وبعد خطوات قليلة، اقتربت السيارة مني وما لبثت أن توقفت بجواري تماما، ألتفت ونظرت للداخل، وجدتها أمامي بشحمها ولحمها وابتسامتها الراقية وهي تنظر إلى متسائلة

– إلى أين؟

– لا أعرف في الحقيقة

– أنا أمامي بعض الوقت يمكنني أن أقوم بتوصيلك لأي جهة شرط ألا تكون بعيدة فأنا على العودة في خلال ساعتين

– خالص شكري أتفضلي سيادتك

– معك سيارة

– لا أمتلك سيارة ولم أمتلك ولا أفكر

أمام انطلاق آلات التنبيه من السيارات الخلفية، وهي تدعوني بصورة شبه آمرة أن أركب في السيارة بسرعة، لم أجد مفرا فصعدت للسيارة

أنصعت لأمرها، ودارت في رأسي حوارات، ماذا أقول إن سألتني عن طريقي؟ أنا كنت في طريقي لأتناول طعام الغداء رغم أن الليل قد حل، كنت أمني نفسي بأكلة كوارع في وسط البلد عند المدعو “بجة”، لست معتادا أن أرهق نفسي بتفكير كثير، أطلق غالبا نفسي على سجيتها في الحديث أو الفعل، ماذا أصابني؟

إلى أين طريقك؟

أفصحت في تردد وابتسامة كانت حياءً، فربما وصفتي الفتاة بالكهل المفجوع، ربما دارت في ذهنها أسئلة ولماذا يفكر في أكل الكوارع؟ فرحت ألتمس لنفسي الأعذار بأنني لا أتناول طوال يومي سوى وجبتين، وتلك وجبتي الأساسية، أما السبب في تناول تلك الوجبة اليوم فهذه نصيحة الطبيب المعالج لي، اكتفيت بهذا القدر من الحديث، لا تنظر ناحيتي فهي مهتمة أكثر بالطريق المزدحم أمامها ولكن يبدو جليا أن ابتسامة ارتسمت فوق محياها، لم تفكر في طرح سؤالها ثانية، وكانت المفاجأة أنها توقفت قريبا من المطعم إياه، وبعد لف ودوران استطاعت أن تجد مكانا لسيارتها، مجرد أن توقفت السيارة وعلى الفور وجدتها خارجة ودعتني للخروج وأغلقت سيارتها

– شوف يا عمو، أنت تعتبر ضيفا في مدينتنا

– كلام سليم والمطلوب

– أن تكون ضيفي

– أين؟

– لنأكل الكوارع سويا أو ما يطلقون عليها فواكه اللحوم

ابتسمت قائلا 

– أبو حنيفة قال لا يجوز

– والسبب؟

– لتوك ناديتني عمو فكيف

أمام إصرارها اضطررت أن أوافق على كل قراراتها، أكلنا وانطلقنا، سلمت أمري تماما لها، لكن لم أنكر منها حاجاتي الماسة أن أحبس بكوب الشاي الثقيل، فهي عادة مكتسبة منذ طفولتنا وأفضلها بالطبع المصنوع فوق ركية النار في الخلاء، تلقائية حديثها وبساطتها مشجعة لي أن أتحدث بحرية وأريحية مطلقة، فمجرد أن ذكرت الشاي المصنوع في الخلاء وفوق النار، تتواصل وتتحدث عن الحرية والانطلاق والمتعة بما وهبه الله للإنسان، فأنطلق لساني يقص عن حياتي الريفية، ربما كنت كاذبا في بعض الكلمات، فالتغير لحق بالقرية أيضا وتجاوز أحيانا حدود المعقول، لكن لا مفر في محاولة رسم صورة جميلة أنتمي إليها، وزي ما بيقولوا ” اضحك الصورة تطلع حلوة “، مع ضحكتها الشبابية الجزلة المبتهجة تسكنني وتنتقل إليّ السعادة بالإيحاء، لم نستقل السيارة فقد عثرنا على مكان لها بصعوبة، أولى بنا تركها وكما قالت:

لنشرب الشاي ونعود نستقلها للعودة

 منذ زمن طويل وأنا عاشق التنزه في طرقات وسط البلد، زحامها وتنوعها ومعروضاتها دائما كانت مثيرة لي ومحببة، حتى وصلنا لمقهى يعكس علو شأن مرتاديه، أشارت للمكان فأومأت برأسي مستجيبا لمطلبها، تقريبا هي من رواده، أسرع النادل بزيه الخاص وبرباط عنقه محييا لها ومنحنيا، فألقت إليه بتحيتها وسألته

– عمو جاي من قبلي، له تفس يشرب كباية شاي معتبرة بنت ناس

قالتها بلهجة مغايرة للمعتاد منها فلم أتمالك نفسي من الضحك، متعة الحوار مع الذكاء المتقد المنبعث من رؤيتها وكلماتها، تناوبنا الحديث، وأكثر ما هالني ما رأيت من اكتظاظ المقاهي بصورة غريبة بالشباب من الجنسين، الجميع يتناوبون الضحكات ورشف المشروبات، أما تدخين النرجيلة فقد أصبح سمة مميزة ولم تتخلف الفتيات عن الركب، فكن أكثر شراهة في تدخين الشيشة، أصبحت فتحات أنوفهن وفمهن كفتحات تنفث الدخان بكثافة غريبة كشكمانات السيارات المتهالكة القديمة ولكن يبدو أنهن اعتدن عليها فلا سعال، بل لقد أستقدم أصحاب المقاهي أنواع من التبغ  ينتج المزيد من الدخان وتستمر لفترة لا بأس بها ترضي غرور الشباب وخاصة الفتيات، الزحام على أشده والأماكن الفارغة في المقاهي قليلة، نستشعر أنا وهي ونحن نرصد تلك الظاهرة أن كل الشباب في المقاهي، تسألني عن الوضع في المدن البعيدة والنائية عن القاهرة، الظاهرة تستحق الدراسة فعلا ففي مدينتنا البعيدة عن القاهرة الشباب في المقاهي والشوارع، صورة استفزازية وخاصة ما ينشب من صراعات ومشاكل متعددة، نتسأل عن الأسباب والدوافع ، نبدأ في سرد وتسجيل الأسباب

هل نشأت تلك الظاهرة واستشرت أثناء ثورة يناير وما أعقبها من أحداث؟

تلك حقيقة ولا مهرب منها، أقص عليها بأنني أتيت للقاهرة في تلك الآونة، فأنا مقتنع أن تقوم ثورة على أوضاع فاسدة، والصمت جريمة، والشباب غالبا هم من يدفعون الثمن، فالمستقبل لهم وبكره ملكهم، نستعرض كثيرا من الحوادث، تعترضني بسؤال مباغت

– يبدو أنك مع الثورة

– زي ما بيقولوا معاها بالباع والدراع…حتى

– حتى ماذا؟ لا أفهم ما تقصد من وراء كلمتك

– أنا موافق على الثورة ومع كل إنسان مظلوم يطالب بحقه ولو كان ضدي، لكنني ضد حرق أو تدمير ممتلكات خاصة بالدولة

تسألني وهي ترمقني بنظراتها المرحة 

– انقلبت ضدها؟

– بالطبع أن أشاهد شباب يثأرون من المجمع العلمي بنهب كتبه وحرقها، ثورة حرق كتب أو سرقتها، يجب أن نتوقف جميعا هنا، سألت نفسي من وراء تلك الأحداث، المصيبة لم أعثر على إجابة شافية لما يدور في مخيلتي، أعرف الكثير من الإعلاميين والكتاب الذين يبايعون الثورة وينددون بالفساد والمحسوبية والرشوة، منهم فعلا صادقين بنسبة مائة في المائة، ومن يشكك في نزاهتهم مخطئ

صمت ولم أدر بأنها أخرجت ورقة وقلما وراحت تسجل بعض نقاط في أجندتها الصغيرة، نظرت إليها وعلامات الاستفهام بادية على وجهي، قالت

– علينا أن نسجل الكثير من الأشياء قبل أن يطوها التراب، لقد أثرت أهم ما أثارني أنا أيضا، لقد استغربت كثيرا، لماذا أخذ الشباب موقف ضد المجمع العلمي، ربما كان ملكا لأحد الفاسدين، ربما ضم بين أروقته هاربين من القانون

لا أملك نفسي من الضحك وأقول

– ربما بين صفحات كتبه إشارة عن اللصوص

بجدية بالغة ترد

– يا ريت نتكلم في الموضوع ده باستفاضة لأنه يشغلني حقيقة، لا أعرف له سببا

أضحك أنا وتعود إلى تلقائيتي في الحديث

– لقد حاولت وغلب حماري

انتظرت لأسمع وقع كلمتي عليها، لم تتبدل ملامح وجهها بل صارت أكثر جدية، كيف أكسر جمود الموقف فاستطردت قائلا

– يا أستاذة أنا راجل فلاح بعبلي وحتى اليوم في طور التطوير، أنت أدرى بتلك الأشياء عني فليتك تريحين قلبي التعبان وتفهميني ما عجزت عن فهمه

حاولت أن يكون حديثي معها خفيفا يحمل البهجة والمرح في ثنايا كلماته، لكن للأسف ظل وجهها يحمل من الجدية الكثير، ردت قائلة

– المثقف الذي ينفض يديه من قضية قد تؤدي لحرق بلده خائن بكل ما تحمله الكلمة، من ينتظر هناك وهو جالس يتسلى بقزقزة اللب، عيناه تشوف النار اللي قايده ولا يشارك ولو بكلمة يستحق الضرب بالنار، منتظر يشوف في الآخر مين الكسبان ويعلن فورا مؤازرته ويدعي الكثير من الأشياء الباطلة والأفعال التي لم يشارك فيها، هل تعلم أن أكثر المثقفين يملكون القدرة على الخيانة والمداورة والمناورة، شأنهم شأن النخبة في كل الأوطان الموبوءة بداء الثورية الكاذبة، فالنخبة غالبا تسعى لكسب المزيد على حساب من ولصالح من، كل ده مش مهم، ما يدخل جيوبهم وما يزيد في أرصدة حساباتهم وخاصة في البنوك الأجنبية، تجابهني وتطرح أسئلتها ومحاولة كاذبة مني لرسم ابتسامة

– كم رصيدك في البنوك؟

– كثير، ضحكت وبعد أن أسترد أنفاسي إثر تنهيدة لم تطل أستكمل

 يا أستاذة كلنا في الهم أهل، وأنا كل الأمور دخلت في بعضيها واتخلط أبو قرش على أبو قرشين، مش عارف مين الصادق ومين الكذاب، في ليلة وقريب من هنا وأثناء الثورة إياها، وجدت قهوة من القهاوي القريبة من هنا، في وسط البلد بتقدم الأكل والشرب للثوار بلا مقابل، حاولت أعرف مين هو صاحب الفضل والكرم الحاتمي الذي يفعل ذلك، كأنه سر من الأسرار العليا للدولة، أغلبهم لا يفصحون عن أسمه، وكانت المفاجأة إن عرفت أن الشخص ده من أثرى أثرياء البلد، وعرفت إنه هو ومعه البعض من أشباهه هم الدافع لحرق المجمع العلمي، بل صرفوا مكافآت، إنها النخبة في مجتمعنا من الأثرياء والمثقفين، نخب خائنة وما زالت تركب وتجلس فوق كرسي السلطة، فهم متلونون بطبيعتهم، ليس غريبا وكما يقولون الثورة تأكل أولادها

متعمدا أحاول أن أثير فضولها

القدوة يا أستاذة، لا أعرف على من نلقي باللوم، شعب ثقافته من أغنية بلا معني أو اختلاف ما يتلقاه من ثقافة صانعيها مبهورين بأنفسهم وقدراتهم، يتناوبون تقمص أدوار البطولة، آه من إعلام مسموع ومرئي أو قدوة كل خيالاته أنه الأفضل والأعلم، وتاريخ يكتبه مؤرخ يخدم السلطة، أفعال غالبة يندى لها جبين الإنسان، أين الحركات التنويرية وكيف نحارب ضلال الفكر يا أستاذة

تغتصب ابتسامة

– كفي الله المثقفين شر القتال

– إذن لنصمت ولنترك النيران تأتي على كل الأخضر واليابس، أشعر بأنه مشروع استعماري بصورة استبدادية مرسوم بعناية فائقة، وهم مجرد دمي متحركة والخيوط في يد من يقف خلف الستار، لهم حق أن يسموها حظيرة الثقافة

نقترب إلى حد ما بالقناعة بأن كل هذا وليد ثقافة متضاربة هزيلة، هناك استعمار خفي ولكن كيف، بأيدي المثقفين، نرصد من الأحداث القديمة منذ المد الثوري في عهد عبدالناصر، ولماذا لم تظهر الثروات المختبئة، حتى الشركات كلها تخضع فكرها لمفهوم استعماري، فظهر البترول في بلاد تتقرب للمستعمر بصور مختلفة، كان على من يجابهون أن يتحملوا الفقر وعدم اكتشاف ثروات بلادهم، الاستعمار وكما قال غاندي ” سيعود إليكم ولكن بصورة جديدة ” كالثعابين تغير ثوبها مع كل وقت، أما نحن فبلا ثقافة أو هوية نستقي منها قوة وملاذ أمام الطوفان

طال حوارنا واستعرضنا الكثير من الأفكار وكان أكثرها بالطبع الشباب وكيفية استغلالا تلك الطاقات المعطلة، خاصة أبناء الطبقة الوسطى ممن لا يملكون مكانا في الساحل الشمالي أو ممن يتعلمون من خلال منظومة التعليم المصرية وليسوا من أبناء الجامعات الخاصة أو الخاصة جدا أو جامعات أوروبا والبلاد الغربية

أقص عليها بأنني من شهر مضى دعاني أحد عشاق المسرح وهو يطلق على نفسه عبر الفيس ” أمير الجنوب ” يستحق فعلا الإمارة لتألقه وفكره الجميل، قادم من أقصى جنوب مصر ” كوم أبو” وتقلد منصب مدير عام إدارة المسرح، دعوته كانت لرؤية مهرجان قام بالإشراف عليه لفرق الهواة من نوادي المسرح على مستوى الجمهورية، عقد المهرجان في مسرح مهجور منذ فترة طويلة وتم تجهيزه لاستقبال هذا المهرجان، مجهود يشاد به لعمل غير عادي، لمدة أسبوع كامل أحضر شبه يوميا عروضا لشباب وعشاق المسرح في مسرح السامر بالعجوزة، يقولون أن الشباب لا يقبل على رؤية الأعمال المسرحية التي تعكس فكرا وكنت أحيانا أؤيد مقولتهم، في تلك الأيام لم أجد مكانا لقدم في المسرح شباب قادم بمحض إرادته، قادم يشارك ويتعلم ويتثقف، أين العيب؟ هل العيب في القائمين على الثقافة ومن يضعون صورهم تحت صورة الوزير أو السيدة الوزيرة، وأعمال نهايتها الحجرات المغلقة لا يشاهدها إلا أقل القليل من البشر، أما الميزانيات والأموال التي تصرف على تلك النخبة من عاملين ومشاهدين فحدث ولا حرج، الشباب هم الغد وهم الثورة وهم الغد إن كنا نبتغي الغد

كانت صحبة الأستاذة رشا من الأشياء المحببة التي حظيت بها في الآونة الأخيرة، اجتمعنا على أفكار واختلفنا وحاولنا التقارب، لكن كان شغلنا الشاغل هو الشباب والبحث عما يشغله والاستفادة من تلك الطاقات المعطلة التي أصبحت مهمومة بالجلوس على المقاهي وتدخين النرجيلة، ماذا يعملون؟ وكيف يتكسبون ما يساعدهم على الإنفاق؟

تعددت جولاتنا من مكان لآخر في القاهرة الكبرى، كانت صاحبة فضل فأصحبتني في سيارتها، في الأماكن الراقية من التجمع الخامس للثالث، لمدينة الرحاب ومدينتي وهناك أيضا الشيخ زايد و6 أكتوبر، بل إنها استطاعت أن تتجول بنا في منتجعات الصفوة ولعمري ما وضعت قدمي داخلها، جلسنا وكان علينا المشاركة بقدر الأماكن، أما القاهرة الكبرى فقد حطت بالنصيب الوافر وخاصة أماكن وسط البلد أو حتى المناطق الشعبية

وجاءت الكورونا

أصاب الذعر العالم، لم نكن بعيدين عن الأحداث، انطلقت الأبواق محذرة عبر أجهزة التواصل الاجتماعي أو عبر الجهاز الإعلامي، وكانت الأوامر صريحة بغلق المقاهي، الامتناع عن تدخين النرجيلة، وأرتدى الغالبية الكمامات تخوفا وحذرا

مضى أكثر من ثلاثة أشهر ولم أقابل الأستاذة رشا، أشعر بحنين غريب ناحيتها لقد تركت آثرا جميلا في أفكاري ورؤيتي، لن أكون مبالغا إذا قلت بأنها صاحبة فضل في أفكار كثيرة راودتني خلال تلك الفترة، حقا من ينكر للأنثى فضلا فجرم يرتكب، أقول الفضل ولا أخرج بعيدا عن ذلك، تعودني الذاكرة فأتذكر تلك الجولات في ربوع القاهرة فقط

أجد نفسي مدفوعا للتفكير في الشباب وأفكار الغد

عدد الجامعات في مصر 26جامعة حكومية ونفس العدد من الجامعات الأهلية، بالإضافة للعديد من المعاهد الخاصة

أرسم خريطة مصر أمامي، أنا زرت أغلب مناطق مصر من الجنوب أسوان مرورا بكل مدن الصعيد وصولا إلى الإسكندرية ومنها غربا حتى السلوم، ومن منطقة العوينات والوادي الجديد، وأعبر قناة السويس فأذهب للجنوب ووسط وشمال سيناء، ومن بورسعيد أتحرك بمحاذاة قناة السويس حتى الإسماعيلية ومنها للسويس، ثم أنطلق إلى محافظة البحر الأحمر، كل الأشياء موضحة على الخريطة التي تعمدت أن أقوم بتكبيرها لتأخذ مساحة سطح المكتب كله

أتذكر مقولة صاحب كتاب شخصية مصر وعبقرية الزمان والمكان، قالوا إنه قتل واختلفت الأحاديث عنه لكنها لم تختلف عن عشقه لمصر وترابها، آه وأف آه على عشاق طمرهم التراب، رحمك إله دكتور جمال حمدان

لم أنس رؤية هذا الإنسان صاحب الفكر الثاقب وأنا أكتب كتابي أو روايتي بمعنى أصح ” الطريق إلى الوادي المقدس “، وكانت رؤيته أن يتم تعمير سيناء وفق الأفكار القائمة ساعة الحروب، فلكل جيش رؤوس كتائب، فإنا كنا في حاجة فعلا للتعمير، من كل محافظة من محافظات مصر، لنعتبرها رأسا من رؤوس الجيش، فتأخذ كل محافظة من محافظات مصر نصيبها من سيناء وتبدأ عملية تنمية من خلال المحافظة نفسها بشبابها وبإمكانياتها المتاحة، بالطبع لم يؤخذ بأفكار الرجل

أتطلع للخريطة التي قمت بتكبيرها فغطت مساحة سطح المكتب كله، أتأملها وأدور حول المكتب من مختلف الجهات، وأسبح في خيالاتي، أرى جموع محتشدة من كل محافظة من محافظات مصر، أتخيلها في البداية عمال السخرة قديما عندما سحبوهم من شتى البلاد لتنفيذ مشروع قناة السويس، أو شعب مصر منذ محمد على باشا وهو يقودهم في حرب بعد ما تأكد له أن الجندي المصري ووفقا لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام هو خير جنود الأرض، فيقود هذا الجيش في معارك يكتب له النصر فيها، تتخوف الدولة العثمانية بل يصيب الرعب أوروبا نفسها، لكن أمحو تلك الفكرة من رأسي، نحن لسنا في حالة حرب، لكن أمامنا معركة في التنمية لنعود بمصر بوجهها الحضاري الذي افتقدته نتيجة للعشوائيات التي انتشرت في شتى ربوع البلد، أرتدي النظارة الحديثة، وأواصل الدوران حول الخريطة، أحدد عواصم المحافظات وأضع علامة عبارة عن دبوس رأسه بلون محدد، يخرج طلاب الجامعات بصحبة الأساتذة ومن يرغب في ذلك، دعوة أطلقها أنا عبر عاشق مصر الذي يتمني التطوير لمختلف المناطق في بلدنا، قال أو كما أشرت من خلال الخريطة أن تمنح كل جامعة تابعة لمحافظة عشرة آلاف فدان على شواطئ البحرين الأحمر والأبيض أو حول بحيرة ناصر أو البحيرات المختلفة، يمكن أن تختلف المساحة من موضع لآخر حسب المتاح والممكن، وتمنح كل جامعة أيضا مبلغا من المال لا يقل عن مليار جنيه، ونطلق للمفكرين من السادة الدكاترة كيفية تنمية أرض تلك الجامعة في المناطق الجديدة الواقعة على شواطئ البحر، بالطبع ستختلف الرؤية وبالطبع سيصيب الجميع الاجتهاد ومحاولة السير على درب السياسة المتبعة في البلد كلها، ربما تبدأ جامعة باستغلال الطاقة الشمسية في تحلية مياه البحر كخطوة أولى للتعمير، أو التفكير في استزراع جزء من المساحات المملوكة لهم، ربما يفكرون في نقل كلية الهندسة والعلوم هناك لتكون بؤرة لفكرة تصنيع سفن صيد أسماك صغيرة، لا مانع أن يفكروا في عمليات تصنيع للأسماك أو تعليبها من خلال مصانع صغيرة، فليأت من أراد من الشباب الطموحين، سيعمل لنفسه وغده من خلال أسهم تتناسب وحجم العمل الذي قام به، ربما يفكر أحد رؤساء الجامعات في إنشاء قرية سياحية ولكنها ذات إمكانيات محددة لتستقبل من أراد من أبناء الجامعة أو أهاليهم، ربما قي منطقة تتواجد الطفلة الخاصة بتصنيع الأسمنت وتقوم في ذهنهم محاولة إنشاء مصنع ولو مشاركة مع جامعة أخرى، فجامعات المنيا وبني سويف وأسيوط وسوهاج وقنا وجنوب الوادي، نصيبها المحدد مثلا الموازي لطول المحافظة على شاطئ البحر الأحمر، لا مانع من قيام اتحادات علي نمطية الاتحادات الفيدرالية أو الكنفيدرالية على النمط السياسي المعتاد، أدور حول المكتب وأعكس الدوران وأشاهد جموع الطلاب وكأنها مسيرة لمشروع قومي لا يختلف كثيرا عن مشروع السد العالي، هل هناك أي موانع تمنع من إقامة حفلات السمر والبهجة والسعادة للجميع، أما جامعات الدلتا كالإسكندرية وكفرالشيخ والمنوفية والمنصورة وبنها ودمنهور ودمياط والزقازيق وطنطا، كل تلك الجامعات فالمناطق الممنوحة لهم ستقع على شاطئ البحر المتوسط، الرمال السوداء والتعدين والسياحة وتحلية مياه البحر، سيكون فكري قاصرا والأفضل في تلك الحالة الاستعانة بعقول مصر المجتهدة والحاصلة على أفضل الدرجات العلمية سواء من مصر أو من خارج مصر، عليهم أن يشحذوا هممهم ويشمروا سواعدهم ويقترحوا، فمؤكد فكري قياسا بفكرهم سيكون قاصرا، أما جامعات بورسعيد والسويس والعريش وقناة السويس فمعروف وظاهر للعيان بأنهم سيحاولون استغلال أقرب السواحل إليهم ومنها على البحر الأبيض أو خليجي السويس والعقبة وامتداد قناة السويس

لا يا سيدي لم أنس جامعات القاهرة وعين شمس أو جامعات الأزهر في مختلف ربوع مصر، المهم أن توزع الأرض الممنوحة لكل جامعة في المنطقة الأقرب لها، وكذلك جامعة الوادي الجديد

أجلس على الكرسي الضخم وألقي برأسي للخلف وتغمرني سعادة غريبة وكأنني حققت كل تلك الأفكار في الواقع، فماذا سيكون الوضع بعد مرور خمس سنوات وربما عشر، هل سيصبح هناك امتدادا عمرانيا وثقافيا في تلك المناطق؟ هل ستشهد تلك المناطق ثورات وتجديدات وتفتح آفاق جديدة للغد

مياه محلاة باستخدام الطاقة الشمسية، مزارع جديدة وتراعى فيها الاستهلاك القليل في المياه، لكل جامعة أسطول للصيد ومصانع تعليب للأسماك، مصانع لزيوت الزيتون أو تخليله وكذلك بالنسبة للنخيل، أما القرى المنشأة فتقوم على تصنيعها كليات الجامعة كل حسب تخصصه، يا حبذا لو كانت مساكن سابقة التجهيز لتسهيل عمليات الانتقال

حلم غريب ينتابني، أفكار فيها من الجنون وربما أكذب وأدعي بأنها فيها من العبقرية، الحقيقة وعلى عدم نكرانها أن الأستاذة والإعلامية الرائعة رشا لها دور كبير، فكرنا سويا في كيفية الاستفادة من الطاقات المعطلة للشباب

ستكون مباريات في التعمير ولا مانع من مسابقات في تلك الجامعات الجديدة والتي هي امتداد للقديمة، مباريات في كل أنواع الرياضات وبالطبع سيكون أغلبها الرياضات المائية، لا يأتيني النوم بسهولة وأشعر بأن الصداع الذي يلم برأسي كفيل أن يذهب بما تبقى لي من عقل، أظن الأفضل أن أذهب بمحض إرادتي لمستشفى الصحة النفسية، متأكد بانهم سيحتجزونني هناك، مع هذا لم أستطع أن أنسى أو أخلع من رأسي تلك الأفكار، أحمد الله بأن ابني وبنتي أكرمهما الله ولكل منهما بيته وأولاده، أما تلك التي تحملتني بكل جنوني فأحاول ألا أشغل رأسها بتلك الأفكار، تشعر كثيرا بمعاناتي فتسهر كثيرا على راحتي، إذن فالواجب عليّ أن لا أقلق منامها بأفكاري، عليه أشياء كثيرة في البيت، لكنها بأمانة حريصة كل الحرص على حجرة مكتبي، فمنذ أن تركت الخريطة فوق سطح المكتب مازالت تتربع في مكانها، أنا أواصل كتابة الأفكار حتى صغتها كلها فيما يقترب من خمسين ورقة من الحجم الكبير

لم أنس بالطبع أن أعرض على الجامعات إمكانية أن يصيغوا أفكار مشروعهم، وإذا شعروا فيه بإمكانية النجاح فالتوجه للبنوك الوطنية للمساعدة والمشاركة، ربما الغد يحمل إمكانيات الكسب حتى ولو كان قليلا

كنت مشتاق جدا لمقابلة الأستاذة رشا، سألتها عن مدى إمكانية مقابلتها، شعرت بأنها سعيدة كوني في القاهرة، وتركت لها أن تضرب الموعد المناسب، وفي حرص وخوف من كرونا، جلسنا متباعدين وهي عموما معتادة ذلك، فلم يكن هذا نتاج للكورونا ولكنه اعتيادا منا، تبادلنا الحكايات، وأفضت في حديثي عما ألم بي من جنون، ألقيت بتبعية ما حدث لي عليها، فماجت في الضحك ولكن بلا شفاه تُرى مجرد أصوات البهجة المنبعثة من تحت الكمامة أو القناع، لكنها بدت سعيدة وأنا أقص عليها أفكاري المجنونة، عندما سلمتها الأوراق وطلبت منها أن تتفحصها في هدوء وتقرأها في روية، وأنا هنا في القاهرة لأسبوع كامل للعرض على طبيب أيضا

عندما قابلتها ثانية وقبل عودتي للبلد قالت

– مشروع قومي مائة في المائة

– حرام عليك ارحميني وبطلي تكبري المسائل فأنت السبب، أنت اللي طيرت النوم من عيني لثلاثة أو أربعة أسابيع، أنت السبب كنت ناوي أروح أسلم نفسي لمستشفى المجانين، ذهبت إليهم في العباسية فرفضوني تحت مسمى الخوف، وقالوا: ربما تكون هارب من الكورونا وجاي تستخبى عندنا، أقسمت لهم بأني صاغ سليم ولكن وقعت الفأس في الرأس ولا مفر، أدعي عليك بإيه يا ست الستات

– علشان خاطري بلاش تسفه أفكارك، أقسم لك أن كبير البلد لو قرا وشاف الكلام ده ما هيسيبك

– هيقبضوا عليا مؤكد، شوفي يا بنت الناس، أنا راجل كبرت وبقت رجلي والقبر، ومفيش لا عندي نقابة تدافع عني ولا تحزنون، وعضوية اتحاد الكتاب اللي واخدها ماتزقيش بق ميه، والناس اللي في النقابة مش فاضيين المشاكل فوق رأسهم متلتلة، إن كنت مقتنعة بالكلام ده اعتبريه هديه مني ليكي وقدميه سيادتك

– أنت بتقول إيه؟

– اللي سمعتيه، بلاش تاخدي الأمور بحساسية

– مستحيل دا أفكارك أنت

– يا ستي أنا ما ليش حصانة، أنا في البلد يا دوب أركب حماره، وده كان زمان، لكن النهارده أنا ما أعرفش أسند طولي لو ركبتها هقع من فوق منها ولا كيس سبخ ممكن ريحته تعمي الخلق، يا ستي قدميها باسمك، ويوم ما يكون فيها خير هاكون أسعد الناس إني فكرت في حاجة تخدم البلد، وإن كنت ميت أمانة قراية الفاتحة على روحي 

كانت ثائرة وحاولت ولكنني تركت لها الأوراق برمتها ووليت هاربا بعد وداعها

انتظرت بل نسيت الموضوع برمته، وعشت حياتي في ظل كرونا والحمد لله لم يكن سجنا بالنسبة لي ولكن كانت فرصة لاستعادة قراءات بعض الكتب التي تركت أثرا في نفسي، أو محاولة أن أرى وأقرأ الجديد مما اشتريته من كتب ولم تسنح الفرصة لي لمطالعته، لا أشكو الرتابة والملل، يدفعني شعور جميل وغريب، ففي رحلة نهاية العمر من الأفضل أن تجتر ذكرياتك، أن تستغفر ربك فيما أقدمت عليه من أفعال مخزية وتحمد الله أن من عليك بالستر ولم تصبك فضيحة يتندرون بها عليك، الجميع يتكلمون عنك وربما يرصدون عيوبك ولكن يصيبهم الخرس ساعة وجودك بينهم، ربما حياء

جاءتني رسالة الأستاذة رشا بعد انقطاع دام قرابة شهرين عبر الواتس، طوال الفترة السابقة بأمانة كنت أشتاق للحديث معها ومحاورتها أو الاطمئنان عليها، أشعر بأن أفكاري فيها بعض المراهقة المتأخرة فأحيد وأبتعد مخافة أن ينتابني هذا الشعور، وأحيانا أفسر عدم حديثها بأنها كما يقولون ” غمة وانزاحت ” يعني ما صدقتك وأتخلصت من رؤياي وأفكاري الشاطحة في أغلب الأحيان، حاولت أن لا أكتب إليها، قررت بأنني لن أتصل بها حتى لا يفسر بصورة أخري، قررت ونفذت، أنظر للرسالة وأجدها طويلة، إذن على في البداية أن أتناول كوبا من الشاي، فأنا لا أقرأ ما تكتب مرة واحدة، فأعيد القراءة أكثر من مرة، تجذبني كتاباتها الراقية عموما في أي موضوع، وهذا ما تم بالفعل، فقد أعدت قراءة ما كتبته أكثر من مرة، كانت البداية المعتادة الاعتذار عن عدم التواصل في الفترة السابقة، وبعد تردد طال قررت أن تكتب إليّ وبكل صراحة، تتمنى مني ألا أفسر كلماتها بأي محمل، تقسم بأنها صادقة في كل كلمة صاغتها وأرسلتها

لم أجد مفرا من الضحك بصورة تقترب من الهستيرية، جاءت زوجتي وابتسامتها تسبقها وتبدو على ملامحها السعادة كوني أنطلق في الضحك بهذه الصورة، نظرت إليّ وأنا مستمر في ضحكاتي، فلم تسألني عن السبب وإنما اكتفت بسؤال

– أعمل لك فنجان قهوة

– هيبقى كتر ألف خيرك

همت بالعودة ولكنني أستكملت حديثي

يفضل قبل أن أذهب للمورستان، هو فيه قهوة هناك ولا ممنوعة؟

نظرت من جديد وابتسمت فقد اعتادت لحظات جنوني اللحظي التي تطل عليها من خلال أفعالي وأقوالي، جزاها الله خيرا تحملتني بكل عيوبي

علينا أن نعود لما كتبته الأستاذة رشا، أقرأ ثانية وأتخيل ما كتبته ماثلا أمامي

والله لم أدخر جهدا، حاولت أن يعرض مشروعك من خلال تلك الجريدة، فهي تعتبر في مصاف الجرائد الكبرى، بعد أن ترددت أقدمت، كانت زيارتي لرئيس التحرير في فترات متباعدة، أنا أكتب أحيانا في الجريدة، الرجل آفاقه رائعة ومستمع جيد، شرحت له ما قدمت لأجله، لكنني لم أذكر أسمك، استحسن الفكرة بل اهتزت رأسه كما يبدو طربا وسعادة، حاولت أن اعتذر عن المشروب ولكنه صمم، تبادلنا حديثا وديا، وعدني بأنه سيقرأ الموضوع بعناية بالغة فالفكرة استهوته، فرياسة الجمهورية نفسها أكثر ما يشغلها المشاريع القومية وخاصة إن كانت متعلقة بالشباب، وأظن تلك الفكرة تجوز أن نضعها في نصاب المشروعات القومية الكبرى، إنها فكرة تخرج وتبتعد عن الأفكار التقليدية، لا أنكر منك كانت سعادتي مفرطة، وأخيرا سيخرج مشروعك للنور، مشكورا ضرب لي موعدا بعد أسبوع بالتمام والكمال سنناقشه سويا وقبل عرضه على الجهات العليا، مثل هذه المشروعات يجب أن نحتاط فيها بالسرية، سننتظر رؤية الكبار

كنت أحسب الساعات وليست الأيام حتى آتى يوم مقابلة السيد رئيس التحرير، وذهبت يحدوني أمل كبير، بل فكرت فيما سأكتبه إليك

اختلاف بين بين المقابلة السابقة وهذه المقابلة، ما كدت أجلس بادرني

– هل تعرفين هذا الكاتب؟

تذكرت بأنني لم أذكر أسمك ولكنني لم أنس أن أسمك مسطورا في نهاية الموضوع بل أنني أضفت إليه سيرتك الذاتية والموضوعات التي قمت بنشرها من قبل، تهت للحظة وردني وهو يكرر سؤاله ثانية

– نعم يا سيدي

– هل تعرفين بأنه عنده ربع طاقق؟

– نعم!!

– المفروض يودعوه مستشفى الأمراض العقلية، د إنسان مجنون رسمي، يا أستاذة كل من نشر شوية هجص في كتاب نسميه الأديب الكبير وعملاق الفكر والثقافة، نظام الثقافة الجماهيرية ونوادي الأدب والجمعيات الثقافية، كل من هب ودب معاه قرشين ينشئ مؤسسة ويطلق عليها اسم ثقافية، ومسابقة وشوية دكاتره فاضيين يقعدوا فوق منصة وهات يا كلام، طبعا يرفعون من شأن صاحب الكتاب، يعقدون مقارنة بينه وأكبر كتاب البلد ممن سبقوهم، ليس عيبا أن يطلق عليه ألقاب متعددة، وأمام العدد اللي ما يتعداش أصابع اليدين داخل القاعة، ويا قلبي لا تحزن ييجي واحد صحفي لا له في الثقافة ولا الكتابة يقوم عامل تغطية للحدث الثقافي الكبير، كل واحد له نصيب في الليلة الغبرة دي، كفاية أنهم ضمنوا العشا في مكان ريحة المشويات فيه ترد الروح، يا أستاذة انزلوا الناس منازلهم، اللي ضيع البلد دي أن كل واحد فاكر إنها ورث اللي خلفوه، يا أستاذة أنا أشهد لك بأنك دائما حريصة أن تكتبي بفهم وعمق يجبر قرائك

طبعا أنا مش هكدب عليك، أنا أتبليت وما عرفتش أنطق بكلمة، الراجل ما صدق فتحوا بوابة هويس الكلام اللي متخزن جواه من سنين، حاولت أن أسترد وعيي، أمتدت يدي لكوب الماء لأرطب حلقي الذي جف بلا كلام، فأنا أحاول الكلام، بعد جهد استطعت الخروج من صمتي وخرسي فقلت

– سيادتك تعرفه؟

– الحمد لله لم أتشرف بطلعته البهية

– إنسان بسيط و

– يا أستاذة فوقي بلاش مشاعر الستات تسيطر على أفكارك، تعتبر أحد المصايب أن الإعلامي تدفعه العواطف في الكتابة، يا أستاذة احذري عواطفك

– شوفته

– يا أستاذه الحمد لله ما شفتهش ولا عايز

– أنت واخد فكرة عنه منين

– دا بني آدم ما ورهش غير الكتابات المجنونة زيه تماما، دا المفروض يتحاكم ويتسجن سجن انفرادي مش في وسط ناس

أنا أحاول أن أعرف ما هي الأسباب الحقيقية وراء آخذه هذا الموقف المتجني عليك ولكنه كلما سألته هب ولعن الثقافة والأدب، حتى إنني تذكرت كلمة جوبلز النازي ” كلما سمعت كلمة الثقافة تحسست مسدسي ” كان المطلوب مني أن أفك هذا اللغز، فأنا عرفتك جيدا وعن قرب، يشهد الله بأنك مثال للنضج والثقافة والفكر، أقسم لك بأنك كنت سببا في أن أتريض في ساحات الأدب الحقيقي برؤيتك ومشورتك الرائعة

ربنا هداه وشرب قهوته الخاصة، ولأول مرة يبتسم، كنت أتمنى أن أطرح سؤالي المحشور في حلقي، لقد كانت البداية مبشرة جدا فرفع من شأن صاحب الفكرة وهو من أطلق عليه مشروعا قوميا، فلماذا هذا التغير المريب؟ قبل أن أطرح سؤالي قال سيادته

– هل قرأت مسرحيته المجنونة التي تطرح فكرة غزو أمريكا؟

– أول مرة أسمع عنها، هل قرأتها سيادتك؟

– صدفة غريبة، أنا أشكك في أغلب المثقفين في البلد، فأي واحد منهم يتمنى أن يلحق مكانا في سفينة نوح قبل الطوفان، أغلبهم يفكرون بهذه الصورة

– هو أيضا

– هو أسخم وأضل، يطالب أن نفكر في غزو أمريكا، مجنون حقيقي

– ازاي أنا أول مرة أسمع تلك الفكرة

– قال يا ستي هما غزونا من فوق الأرض وأحنا علينا نغزوهم من تحت الأرض، تعرفي إزاي؟ ولا ما عندكيش فكرة

– والله ما أعرف

– شوفي يا ستي في المسرحية عرض فكرة تخوف وتثير الفوضى

– إزاي؟

– من خلال الأنفاق نحدد موقع أمريكا على الكرة الأرضية، وبآلات حفر عملاقة ننطلق من مكان بعيد بل يعتبر نائيا، نبدأ ونواصل العمل، وبقياسات دقيقة نصل للموقع ولكن من تحت الأرض، ساعة أن نصل نخرج تباعا، حتى نسيطر تماما على منطقة كبيرة من أمريكا، ويوم يكتشفون الحكاية تكون الفأس وقعت في الرأس، هؤلاء أنبتتهم الأرض وأبناء الأرض ولا مفر أمامهم سوى الرضوخ للأمر الواقع، هذا طبعا بعد أن تصير الأنفاق سرا عسكريا للقيادة والمفاتيح بيد القيادة، على من يريد الهجرة بلا أوراق أو تصاريح أن يدفع للقيادة وستتولى عملية تسفيره عبر الأنفاق

– لا إراديا صفقت بيدي وقلت فانتازيا رائعة

– نعم ماذا تقولين؟

– فكرة رائعة، نعم فيها جنون وعبقرية، صح بين الجنون والعبقرية شعرة

– لا يا ستي مش عبقري دا واحد مجنون وأبصم لك بالعشرة وأؤكد جنونه، يا بنتي دا بقدرة قادر غير الموضوع، الناس اللي اقتنعت بالفكرة راحوا وبدأوا التنفيذ على أمل الوصول لأمريكا ونقبهم طلع على شونة

– ازاي؟

– ما وصلوش

– وبعدين

– وصلوا لمدينة الدهب الفرعونية القديمة، الدهب فيها هو والتراب واحد، عنيكي لو بصيتي مش هتجيبي آخر جبال الدهب، قعدوا وفكروا، كلهم مجانين وطالعين من رأس مجنونة، اتفقوا إنهم مش محتاجين للسفر والهجرة لأمريكا يبقى يسيطروا على البلد والدهب أهه ودا ما يخلصشي، فكروا يعاودوا ويسيطروا، الفلوس معاهم هتبقى بالكوم، مفيش غير طريقة واحدة، بالفلوس ينشروا الفوضى، يشتروا البشر ويتسللوا واحدة واحدة لغاية ما يسيطروا على البلد بالكامل، إيه رأيك؟

– فكرة رائعة ا

– برضه، مفيش فايده فيك

– فكرة العمل المسرحي لا بأس بها

– يا أستاذة الله يرضى عليك دا تنظيم دولي ممول لنشر الفوضى عن طريق الكتاب ومن يدعون الثقافة للسيطرة على البلد، حاولي تنسي هذا الموضوع تماما، امتدت يده بالأوراق لي، ألقى تحذيراته البالغة فوق رأسي

كلماتها التي صاغتها وهي تبدي أسفها البالغ، أستشعر بأنها كتبتها وهي باكية حزينة جدا، كيف أهون عليها الأمر

كتبت إليها: معالي الإعلامية الراقية

قالوا قليل البخت يلاقي العضم في الكرشة، هل تعرفين هذا المثل البلدي يا ابنة الأصول الراقية؟ أنا يا أستاذة معتاد على ذلك ولكني لست من النوع المستسلم، فقد جاءتني يوما فكرة، نتيجة عمليات الإرهاب في بلادنا، فقد صدرت الأوامر بعدم زراعة القصب، بموجب ذلك سيتحول مصنع السكر القريب منا لسكر البنجر، كان القصب ينقل من خلال سكك حديدية تابعة لشركة السكر، نفضت الشركة يديها من ملكيتها لسكك الحديدية وسلمت الأمر للمحليات وعليها التصرف، سرى الخبر وأسرع كل من له ظهر من أهالينا يستولي على ممتلكات السكة الحديد القديمة، بل شرع الناس في سحب القضبان الحديدية في المساء وبيعها خردة، أما الفلنكات الخشبية فكانت طعما للنيران للتدفئة وغيرها، تلك الخطوط تمتد لما يزيد عن مائة كيلومترا، وكالعادة جاءني الجن الذي يركب رأسي، فسألني

– ما رأيك في تلك الحكاية؟

– طالبته أن يبتعد عن رأسي وكفى الله المؤمنين شر القتال

– هل تعرف من استولى على تلك الأراضي؟

المهم راح يوضح لي أن من قاموا بالاستيلاء عليها وبإيعاز ممن يتقلدون السلطة، حددهم بالاسم، وطالبني بأنها ملكية عامة وليست خاصة، طالبني أم أوقف تلك الأفعال المنكرة، وأن أكتب وأقول ذلك وهذا أضعف الإيمان، لقد وهبك الله نعمة الكتابة، فأكتب مطالبا بالحق،  أنت تطالب بحق عام وليس خاص، فالأولى أن تستعل تلك السكة الحديدية كطريق بديل بدلا من الطريق الزراعي الضيق والذي تعددت الحوادث عليه ونزيف الدم شبه اليومي، يتركني وأنا أفكر، ما قاله شيطاني حقيقة، طريق جديد بين خمسة مراكز من مراكز المحافظة، لتتولاه المحليات أو السكك الحديدية، إنها خدمة كبيرة لأهل بلدي وناسي

جلست أكتب وأقلب الصفحات وأعرف بداية الخط من أين ونهايته لأين، كم تعداد المسافرين الذي يمكن من خلاله نقلهم يوميا، صغت كل هذا بصورة أعتقد بأنها كانت جيدة، كان على القيام بالخطوة التالية، السيد السكرتير العام في المحافظة يعرفني شخصيا، غالبا أدخل مباشرة إذا كان غير مشغولا، كانت تلك تعليماته لمدير مكتبه، والذي يشجعني أكثر أن الرجل يضع أحد كتبي التي أهديتها إليه فوق مكتبه فماذا يعكس هذا؟ نعم قلة هم من يحترمون الكتاب والمثقفين الحقيقين، لهم الحق طبعا فقد أختلط الحابل بالنابل كما يقولون وكل واحد عمل فيها كاتب، أخذتني النشوة، إليه ذهبت وحملت فكرتي المصاغة التي ستفيد الكثيرين، كان استقباله المعتاد ببشاشته، عرفت بأنه سيرافق السيد الوزير المحافظ في جولة ميدانيه، أسرعت وشرحت له السبب، أخذ مني الأوراق، وأعتذر للظروف، شكرته كثيرا فهو لا يتأخر عني

شيطاني عاد إلي قائلا، أعطوا الحرامي مفتاح الكرار، سألته ففهمت بأن السيد السكرتير العام مستفيد ولكن بصورة غير مباشرة، وكذلك ابن عمه الذي يتقلد منصبا أمنيا كبيرا فقد وضعوا أيديهم على مساحات واسعة، إن لم يستفادوا بها اليوم فاحتمال قائم ببيعها في الغد

طردته شر طرده، قلت له أنا عملت اللي عليا ودي قدراتي وإمكانياتي

عندما عدت لمعالي السكرتير العام، أستقبلني ببشاشته المعهودة، مجرد أن سألته عن شكواي، دار في كرسيه المتحرك وأطلق ضحكة طويلة وقال

   – أنت مش لاقي حاجة تعملها، يا أستاذ دأنت لو ربيت شوية كتاكيت هتكسب من وراهم، 

    دي حدوته أنت ما لكش فيها، أهدأ شوية، أنا حاسس أن كتر القراية لحس مخك، أنسى وحاول تعيش

وكما قلت في البداية ” قليل الحظ يلاقي العضم في الكرشة “

مقالات ذات علاقة

مجلس «البوكر» يخرج رواية «فى الهنا» من السباق

المشرف العام

المواطنة الحق

المشرف العام

سماح عبدالفضيل: لدي ميول بشكل أكبر إلى أدب الشباب والخيال العلمي

سالم الحريك

اترك تعليق