حوارات

انتصار بوراوي: لا مواربة في قضايا تمس الوطن

بوابة الوسط

الثقافي والاجتماعي جانبان منحتهما الكاتبة الليبية انتصار بوراوي اهتمامًا كبيرًا، فما من نص نشر لها إلّا وركزت مادته على ما يضطرم في الوطن أو العالم من هموم وقضايا إنسانية لها علاقة مباشرة بموضوع الحرية سواء في الذات أو خارجها.

ولا شك أن لعملها الوظيفي في دار الكتب الوطنية ببنغازي علاقة مباشرة لعشقها للكتاب وقراءته بتمعن وتأمل وتحليل، حيث تتوفر في هذه الدار مكتبة ضخمة تحتوي على أهم الكتب في المجالات جميعها، أضف إلى ذلك أن المكتبة هي الجهة المخوّلة بمنح رقم الإيداع لكل إصدار ليبي جديد، مما يجعل الكاتبة على دراية تامة بكل ما ينشر من كتب ومطبوعات، هذا الأمر منح لمقالاتها وموادها الأدبية قيمة إضافية.

آخر نشاطات الكاتبة انتصار بوراوي هو تكليفها من قبل هيئة دعم وتشجيع الصحافة بترأس مجلة المرأة، لتمنح للمجلة نفسًا إبداعيًّا جديدًا، نقلها نقلة نوعية في الشكل والمضمون، حيث اصطبغت الأعداد التي أشرفت عليها بنكهة ثقافية في تناول المواد المنشورة في المجلة والتي تخص المرأة، فلم يتم تقديمها بشكل كلاسيكي سطحي، إنما تم الاشتغال عليها بجهد ملحوظ مواكب للتطورات الصحفية ذات المهنية العالية التي نراها في المجلات العربية والعالمية الشهيرة.. في مقر مجلة المرأة ببنغازي «بوابة الوسط» التقت بوراوي وكان هذا الحوار:

* أعداد مجلة المرأة الأخيرة الصادرة بعد توليكم رئاسة تحريرها، لاحظنا تغييرًا في سياسة المجلة حيث انتقلت من التركيز على القضايا الاجتماعية إلى اهتمامات جديدة منها التركيز على الآفاق الثقافية والسياسية ودور المرأة في تفعيلهما.. كيف ترين الأداء الثقافي في ليبيا وبوجه خاص مساهمة المرأة فيه؟
– كانت المجلة تفتقد للرؤية وهي ما عملت على تأسيسه بالمجلة منذ أول اجتماع لي مع الطاقم الصحفي للمجلة، حيث اعتمدت سياسة تحرير جديدة، تعمل وفق رؤية محددة وتنظيم أكثر فاعلية، المشكلة في المجلة كانت انعدام التنظيم، وعدم تحديد الاختصاصات وهو ما عملت على إنجازه بصحبة أسرة التحرير منذ أن توليت شؤون المجلة، بالتالي كان الجهد مُنصبًا على أن تعمل المجلة على تغطية مشاركة المرأة في العملية الديمقراطية في البلاد (..) ولا تنسى أنه بالإضافة إلى اهتماماتي الثقافية فأنا لدي كتاب يهتم بالقضايا الاجتماعية بعنوان «الظلم المزدوج» بالتالي فاهتمامي بالجانب الاجتماعي ليس طارئًا، بل أنه من ضمن تشكيل وعيي الثقافي، أيضًا فلا يمكنك أن تفصل الثقافي عن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فالثقافة في أساسها هي مجموع كل هذه المعطيات، وعليك فقط أن تمتلك الرؤية لتجسيد كل ما في عقلك في مشروع ما، وأنا أعتبر مجلة المرأة مشروعًا ثقافيًا تنويريًا وطنيًا للمرأة الليبية.. مشروع وطني بكل ما تعنيه الوطنية من معنى.

* هل تعتبرين منح الجانب الثقافي في المجلة كل هذا الاهتمام رأيًا صائبًا وذا فائدة؟ ألا تعتقدين أن الأمر سيتم على حساب جوانب أخرى أكثر التصاقًا بالمرأة تركز عليها مجلات عربية أخرى بشكل مكثف كي تجد قبولًا خاصة لدى المرأة المخملية؟
– الجانب الثقافي هو من ضمن ملفات المجلة، فالمجلة تسعى لأن تكون متنوعة شاملة، هناك الباب الثقافي والفني والصحي والرياضي والجمالي أيضًا وكل ما يخص جماليات المرأة، كل ما تحتاجه المرأة موجود من لديها اهتمام بالجمال والديكور والمطبخ سوف تجده بالمجلة، ولكن ذلك لا يعني أن تكون المجلة مجرد مجلة مهتمة بطبقة واحدة، طبقة المرفهات والباحثات عن آخر أزياء «كريستيان ديور» أو «جياني فيرتاسشي» وآخر الماركات العالمية، ذلك النوع من المجلات موجود في دول تتعامل مباشرة مع هذه الوكالات العالمية، وهي مجلات خاصة تلهث وراء الربح المادي ولا تهمها قضايا المرأة العادية، بل إنها عن سبق قصد وتعمد تهرب من مناقشة قضايا مجتمعها المتخم بالكوارث الاجتماعية، كي تظهر تلك المجتمعات أمام العالم وكأن المرأة تعيش نسقًا ماديًا واحدًا وهذا غير صحيح، وهي حالة هروبية من مناقشة القضايا الاجتماعية وعدم فتح الملفات الاجتماعية الساخنة.

الكاتبة إنتصار أبورواي عن المصدر
الكاتبة إنتصار أبورواي
عن المصدر

* نود أن تحدثينا عن المجلة وخطابها العام وأسرة تحريرها ومشاريعها المستقبلية والمشاكل التي تعانيها وسبب تأخر صدورها شهريًّا وهل ثمة ضغوطات عليها تحد من حريتها مثلاً؟
– من المفترض أن تنتظم المجلة بشكل شهري ولكن نتيجة لمشاكل الطباعة كان هناك تأخير كبير في إصدار المجلة، وقد وجدت الطاقم الصحفي محبط عندما استلمت المجلة نتيجة تأخر الطباعة والصدور ولكن الحمد لله الآن تجاوزنا هذه المشكلة بطباعة المجلة حاليًا بطرابلس ونأمل بأن تتم طباعتها قريبًا ببنغازي.

بالنسبة لخطاب المجلة فهو خطاب وطني ولقد عملنا على فتح ملفات وقضايا كثيرة لم تطرح سابقًا في المجلة وخاصة أنّه لدينا في مجتمعنا الكثير من القضايا المسكوت عنها والقضايا المواربة والتي فتحناها بكل صدق ودون رتوش كذلك نحن معنيين في المجلة بمتابعة الفعاليات المختلفة للمرأة الليبية وخاصة في جانب مشاركتها في العملية السياسية والديمقراطية في ليبيا وأجرينا حوارات مع شخصيات نسائية لها دور فاعل سواء في الثورة أو في بناء الدولة، والطاقم التحريري مكون من صحفي وتسعة صحفيات، أي أنّ الطاقم بمجمله نسائي وكل الطاقم معي لديه الرغبة والحماس في العمل وتقديم الأفضل، ولكنهن في حاجة للدورات الصحفية التي تمكنهن من الاطلاع على أحدث الأساليب في تنفيذ العمل الصحفي، ورغم كثرة الوعود من إدارة الهيئة بذلك، إلّا أنّه حتى الآن لم يتم التحاق أي صحفية بالمجلة بأي دورة تدريبية صحفية داخلية أو خارجية.

* المرأة في ليبيا تعاني الكثير من المشاكل .. فبعد المشاكل الاجتماعية العادية كالطلاق والترمل والتأخر في بناء الأسرة ومشاكل التفكك الأسري بوجه عام، جدت علينا مشاكل أخرى كمشكلة المرأة النازحة، والمرأة المهجرة، والآن وصلنا إلى مرحلة المرأة المغتالة.. مثل هذه المشاكل التي لا يمكن للمتعاطي معها مسك العصا من المنتصف كيف تتناولونها؟
– كل القضايا فتحناها بكل صدق ودون مواربة وفي كل تحقيق صحفي ينشر بؤرة ضوء واضحة حول قضية اجتماعية معينة، حيث نستعين بأخصائيين نفسيين واجتماعيين لمناقشة كل المواضيع التي ذكرتها طرحت في المجلة وفي هذا العدد الذي نعمل عليه أن نناقش «قضايا الشرف» ومصير الفتيات اللواتي قد يتعثرن بخطأ في حياتهن ومصيرهن القاسي الذي يرميهن على قارعة الطريق لينهشهن ذئاب الطرقات وأيضًا أفردنا في عددنا الحالي حيز للنساء المغتالات ومنهن الصحفية نصيب كرنفودة، والمحامية سلوى أبو قعيقيص. لا مواربة ولا حياد في قضايا تمس الوطن وتمس وجودنا بمجمله.

*هل سياسة المجلة حرة كفاية أم تخضع لخطاب جهة إصدارها وهي هيئة دعم وتشجيع الصحافة ومن يديرها من مسؤولين لهم أيديولوجيات معينة؟
– المجلة لديها حرية مطلقة في اختيار وعرض مواضيعها وقضاياها ولا تمر المجلة مطلقًا بأي رقيب إلّا رقابة الله على ما نقوله وما نكتبه ورقابة ضمائرنا، ولا يمر العدد مطلقًا بالمسؤولين بالهيئة، فهي تخرج من مقر المجلة للمطابع مباشرة.



غلاف_مجلة المرأة

* لماذا المجلة اسمها المرأة، ألا تعتقدين أن الاسم يحاول تحجيم المرأة، وبث رسالة فحواها أن هذا الكائن يحتاج إلى مجلة تدعمه للحصول على حقوق مسلوبة منه، وأن تخصيص هذه المجلة للمرأة عبارة عن رشوة من السلطة التي يديرها المجتمع الذكوري لصالحه، ومتى يتم التعامل بمبدأ الندية، أم أن هناك سبب له علاقة بتاريخ المجلة الطويل؟
– اسم المرأة لم يأت اعتباطًا، إنّه اسم يخلد روح السيدة بنت الوطن خديجة الجهمي، فالمجلة في فكرتها هي امتداد لمجلة المرأة التي أنشأتها السيدة خديجة الجهمي منذ 50 عامًا، وجاء انقلاب القذافي ليبتر الحلم ويقضي على المجلة ويقتلها وهي في عز صباها وجمالها ومحبة الجمهور لها.

لذا فالمجلة ليست رشوة من السلطة كما قلت للمرأة، أنا لا أرى الأمر من هذه الزاوية التي رأيتها أنت مطلقًا، المجلة هي امتداد للحلم.. حلم دولة التأسيس والاستقلال الأولى. حلم دولة المؤسسات، حلم دولة القانون، حلم بامرأة ليبية متعلمة متنورة… تربي أسرتها وأولادها على المعرفة وبناء الوطن وسواء كان المسؤول على رأس هيئة صحافة أو على رأس وزارة الإعلام رجل أو امرأة فإنني أعتقد بأن وجود مجلة تسلط الضوء على قضايا المجتمع والمرأة بصفة خاصة في هذا الوقت الصعب الذي تعيشه البلاد هو ضرورة وطنية، بالتالي أنا أعمل في المجلة ضمن هذا المنظور، فلا توجد أي مزايا تحصلت عليها من رئاستي لتحرير المجلة، بالعكس ثمة مصاعب وعوائق ومع ذلك تحديت كل تلك العوائق التي لم أتحدث بالتفصيل عنها لأحد مطلقًا، واجتزتها لأني أعتبر استعادة روح مجلة خديجة الجهمي هو حلم تحقق، فليس ثمة الأضواء والتهديد الأمني الذي يترصد العاملين حاليًا في الحقل الإعلامي، أضواء القتل والموت الذي لم يعد يفرق مترصدها بين الرجال والنساء فكلنا في خندق واحد.

* هل يأتي يوم تقود فيه المرأة العالم ويكون الرجل في موضع المرأة حاليًا، حتى أنه تخصص له مجلة أو منبر إعلامي يعبر من خلاله لنيل حقوقه، وعمومًا كيف ترين علاقة الرجل بالمرأة أو العكس مستقبلاً، أي بعد تحقق الأحلام المأمولة؟
– لا أعتقد ذلك، إنه حلم طوباوي وفي المجمل المرأة لا تبحث عن قيادة العالم ولا تبحث عن اضطهاد الرجل كما اضطهدها عبر التاريخ الإنساني، المرأة تبحث عن علاقة تكامل وتوازن بينها وبين الرجل، لا علاقة متسلط (مضطهد أو جلاد) ضحية تلك الثنائية الغالبة في علاقة الرجل بالمرأة هو ما تسعى المرأة الحقيقية لأن تتجاوزها وتدعو الرجل لأن يترك عالم التسلط وعالم الحرب والقتال والدم إلى عالم السلام والحب.

* الأصوات النسائية في الأدب الليبي غير بارزة عربيًا رغم قيمتها كما نساء مصر ولبنان وسورية والمغرب أين يقع الخلل.. وكيف يمكن إصلاحه لينطلق أدب المرأة الليبية عربيًّا ويؤثر؟
– هذا السؤال راودني كثيرًا وكنت قد كتبت مقالة منذ سنوات تناولت فيها هذا الموضوع. أعتقد أنه على المستوى الأدبي لدينا أسماء تحمل قيمة أدبية عالية في مجال الشعر يكفي أن تذكر فاطمة محمود وعائشة المغربي وسميرة البوزيدي وحواء القمودي وغيرهن، وفي مجال القصة القصيرة والرواية لدينا نجوى بن شتوان والقاصة غالية الذرعاني، ولكن رغم القيمة العالية للإنتاج الإبداعي للكاتبات الليبيات إلّا أن هناك انقطاع وعدم تواصل وكذلك انكفاء على الجغرافيا الليبية. فليس هناك سعي للنشر في الدول الخارجية أو حتى في المواقع الإلكترونية الخارجية وعدم حضور الملتقيات العربية. والأدهى حين تجد أسماء لا قيمة لنتاجهن الإبداعي يمثلن ليبيا في الملتقيات الثقافية الخارجية، كذلك هناك شيء آخر هو أنه لا يزال ثمة خوف اجتماعي يعيق المرأة الليبية عن الكتابة بانطلاق، فنحن فعلًا نفتقد لأجيال جديدة تضخ الحياة برؤية مختلفة، فليبيا الدولة الوحيدة التي لا يوجد بها تراكم للأجيال، أحس وكأن الزمن توقف عند جيل معين لازال هو الذي يبدع، ومستمر في الطريق رغم عثرات وألغام الطريق.

انتصار بوراوي في سطور
– كاتبة من بنغازي مهتمة بالكتابة في الجانبين الثقافي والاجتماعي وبالشأن الوطني العام أحيانًا. نشرت كتاباتها بالملاحق الصحفية الثقافية والاجتماعية المحلية (مجلة الفصول الأربعة- الثقافة العربية- مجلة الجليس- صحيفة الكلمة- ميادين- صحيفة الرواية- الأحوال والمواقع الإلكترونية الليبية- ليبيا جيل- بلد الطيوب- ليبيا المستقبل- المأنوس والمواقع الثقافية العربية أفق- فوبيا- مجلة النرد- دروب- موقع هولندا- موقع الكتابة)
– عملت بدار الكتب الوطنية لمدة 15 عامًا وتم تكليفها لفترة بعضوية اللجنة الإدارية لمجلس إدارة دار الكتب الوطنية ببنغازي في يوليو 2012.
– عملت لفترة كعضو هيئة تحرير بصحيفة «الأحوال» ثم عضو هيئة تحرير بمجلة «ثقافة» وحاليًا هي رئيس تحرير مجلة «المرأة».
– صدر لها كتابان عن وزارة الثقافة، الأول بعنوان «ضفاف الكتب»، وهو مجموعة مقالات نقدية حول بعض الإصدارات الليبية لمبدعين ليبيين بالإضافة إلى مقالات أخرى تناقش هموم الثقافة والكتابة الأدبية بصورة عامة، وكتاب ثان عنوانه «الظلم المزدوج» وهو مجموعة مقالات اجتماعية تناقش قضايا المرأة ومشاكل المجتمع والأسرة الليبية.

مقالات ذات علاقة

الكاتبة والشاعرة محبوبة خليفة: القلق هو قوت أقلامنا

المشرف العام

الكاتب الليبي الفقيه: تعاملت مع القذافي حفاظا على رقبتي

المشرف العام

الباحث عبدالحفيظ العابد: قصيدة النثر في ليبيا تجربة ثرية منفتحة ومتقدّمة على القراءات النقدية

رامز النويصري

اترك تعليق