الإعلامي عزالدين عبدالكريم.
المقالة

اليوم العالمي للإذاعة …13 فبراير

إحياءً لليوم العالمي للإذاعة الذي قُرر له أممياً أن يكون يوم الثالث عشر من فبراير كل عام ، تواصلت معي العزيزة الأستاذة / فريدة طريبشان ، ناقلة لتحيات أستاذنا الكبير / إبراهيم حميدان رئيس الجمعية الليبية للآداب والفنون ، معربة عن نية الجمعية في الاحتفال بالمناسبة ، مستذكرة تجربة تأسيس وانطلاق إذاعة طرابلس المحلية ، وأكدت على رغبة الجمعية الموقرة في أن أشارك عن بعد في هذه المناسبة بسطور أستذكر فيها المجال الإذاعي وتجربتي في إذاعة طرابلس ، والتي قرأتها بالفعل مشكورة العزيزة فريدة نيابة عني بقاعة عبد المنعم ناجي – دار حسن الفقيه حسن للفنون – المدينة القديمة طرابلس :

الإعلامي عزالدين عبدالكريم.
الإعلامي عزالدين عبدالكريم.

الآنسات ..السيدات والسادة 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …

أسعد الله أوقاتكم بكل خير وبركة ، وسعيد بما منتحتموني إياه من شرف المساهمة هذه ، عبر التوجه اليكم عن بعد ، شاكراً في البداية الجمعية الليبية للآداب والفنون مبادرتها الرائعة في الاحتفاء باليوم العالمي للإذاعة ، بالتوقف عند تجربة تأسيس وانطلاق إذاعة طرابلس ، التي كان لي شرف المساهمة فيها منذ بدايات انطلاقها ….
عند استذكار المجال الإذاعي في ليبيا يقودني الأمر إلى استذكار جملة المبادئ التي كانت تتأسس عليها الإذاعة كوسيلة إعلام محورية منذ بدايات تشكل الدولة في ليبيا ، كونها كانت مرحلياً الوسيلة الأيسر تلقياً عبر السنوات ، إذ حاز جهاز الراديو على اهتمام المواطنين ، وكانت الخارطة البرامجية للإذاعة ملبية لاحتياجات تم التوصل لها و الاتفاق عليها ، إذ كانت تجمع بين تقديم الخدمة المعلوماتية في شتى المجالات ، والتوجيه التوعوي المحقق للارتقاء ، دون نسيان الجوانب الترفيهية …

كان لابد للمنتج الإذاعي من أن يلتقي وأحد هذه المستهدفات ، فتنوعت العطاءات بين شخص وآخر ، حسب خبرته ودرجة أحاسيسه ، وموهبته …

إذاعة طرابلس عند تأسيسها جاءت لتحقق الاستجابة لذات المستهدفات لتستفيد منها شريحة من مستمعين ينتمون الى رقعة جغرافية محددة وحتى ضيقة بالنظر الى المدى الذي يصل إليه بث الإذاعة ، ومع ذلك لم تتوقف التفاعلات مع إذاعة طرابلس عند هذه الرقعة ، فقد انطلقت بسياسة استجابت لكل عناصر الجذب وتوفر شروط النجاح منها :

أولاً : – الاختيار الدقيق للإذاعيين العاملين فيها ، بعضهم لهم تاريخ ساطع وطويل ، ووجودهم أمام المايكرفون كان كفيلاً بالوصول إلى الاستحواذ على انتباه المستمعين .

ثانياً :- القفز على الحدود السائدة وقتها في التعامل مع النقد والانتقاد بإعطاء الضوء الأخضر ، لطرح كثير من القضايا بشكل حر وصريح ، القضايا التي تمس اهتمام المواطن ، وحتى لا نسبغ على هذه الجزئية في أنها تحول تاريخي في سياسة الدولة حينها ، فإنها كانت في واقع الأمر متنفساً إلى حين ..

ولا يمكننا تجاهل أو نسيان السياسة الحكيمة التي انتهجتها إدارة الإذاعة وقتها برئاسة الأستاذ عبداللطيف بوكر غفر الله له ، والتي حققت الإذاعة في عهده الذي عاصرته حضوراً لافتاً عند المستمعين ، وهذا الحضور كان نتيجة للتمسك بالشرطين السابقين .

هنا وجب التوقف لإيفاء الرواد من الأساتذة حقوقهم ، إذ كان بعض منا ، وأتحدث عن نفسي هنا ، كنتُ قد تتلمذت من بداياتي الأولى ، على أيدي رواد في المجال الإذاعي بعضهم كان من ضمن فريق الإذاعة فعلياً وبعضهم الآخر لم يكن ، فقد شكل تراكم جهودهم عبر الأعوام ، القاعدة الصلبة والمتفردة أحياناً في تشكيل أجيال جديدة ، وهؤلاء يستحقون الاعتراف الدائم بجهودهم ، والتكريم اللازم لعطاءاتهم ، ولعل بعض الأسماء الرائعة المختارة اليوم للتكريم يشكلون جزءاً من هؤلاء الذين تربينا على عطاءاتهم ، ولفتوا انتباه بعضاً من جيلي إلى فخامة العمل الإذاعي كما رأيناه ، ونبل مساعي هذا المجال ، إذ كانوا قد أعطوا بتنوعهم ، القواعد الحرفية المتنوعة ، فخلقت بالتالي ألوانا جديدة منتقاة منهم جميعاً ، فلهم وغيرهم كل التحية والإكبار والاعتراف بأنهم كانوا منارات أضاءت تطلعاتنا …

لعل ما ميز إذاعة طرابلس وانعكس على برامجها ، كانت الركائز الأساسية من رواد أمثال الأساتذة ناصر عبدالسميع ، محمد كشلاف ، فاطمه عمر ، عمران راغب المدنيني ، أحمد الحريري ، لطفي عبداللطيف مع خالد بن عيسى ونورالدين صويد وغيرهم ، نستمطر شآبيب الرحمة على من غادرنا منهم ، وندعو بالصحة والعافية لمن ما زال معنا من الزملاء من ذوي التاريخ الطويل والناصع والمتميز ، و بوجود أمثال هؤلاء لم تتوفر الخاصية الحرفية فحسب ، بل كانت حاضرة أيضاً روح الرعاية ، كلٌ للآخر ، بكل الحب ، من أجل المساندة وإضفاء كل ما هو ممكن من أجل خدمة المستمع و إمتاعه . 
في هكذا أجواء كان لابد للمنتج الإذاعي أن يكون متميزاً ، براقاً ، جاذباً للمستمع وفارضاً نفسه عليه بودٍ وحبٍ كبيرين محققاً لرضاه .

إن سيادة القناعة وحضورها الدائم بأن المستمعين ما هم إلا ملوك متوجون وجبت خدمتهم ورعايتهم وتقديم الأفضل لهم ، والسعي لاكتساب رضاهم ، هو ما حفزنا ، لأن نبذل قصارى الجهود في أن نكون على أفضل حال ممكن دون التمسك بشروط الكمال في المعاملة والإمكانيات ، وبالتالي فلم يكن هناك أي مجال لتقليل العطاء أو لقاء المستمع بحالة غير مدروسة .

هنا وجب الانتباه إلى أن هذه المفاصل المهنية والأخلاقية ، لم تكن مسطرة كقانون مكتوب من قبل المؤسسة ، بقدر ما كانت مرتكزات حاضرة على الدوام ، حملها واعتنقها من قابل المايكرفون متحدثاً ، وتحكم في الأزرار مهندساً ومخرجاً ، كلٌ بشكل فردي و ذاتي ، وهو ما نلاحظ تقهقهر وجوده اليوم ، لاعتبارات فقد الصلة بين الرواد والأجيال الشابه من ناحية ، واستسهال العمل في المجال ، مع عدم استكمال الأدوات ، رغم أن بعض القيم نجد صداها في نفوس البعض بين الحين والآخر ، ويعملون على تثبيتها كقواعد انطلاق لمسيراتهم وهو ما يثلج الصدر أحياناً ….

أختم بتكرار الشكر للجمعية الليبية للآداب والفنون ، وأحيي الاساتذة ممن سبقوني في المجال ، مشدداً على اعترافي الدائم بريادتهم ، وأدوارهم عبر التاريخ ، وأدعو إلى تبادل زرع مشاعر الطمأنينة بيننا ، حتى إذا ضاجت نفس تستنهضها أخرى ، عبر التذكير بأن ما نمر به من تحولات مؤلمة وصادمة ، إنما هي مؤقتة بإذن الله ، ولعلنا بشئ من الغوص في الأحداث سنكتشف ما يمكن له أن يشكل قاعدة لانطلاقات جديدة بمفاهيم مغايرة ، أكثر تصحيحاً ، لأكثر فائدة وأعظم نتائج ، والله الموفق …

مقالات ذات علاقة

الكتابة والمنفى.. معاناة الأديب العربي في دول اللجوء

محمد الأصفر

حول الكتابة

عمر الككلي

ما بعد صوت الربيع العربي: لا صوت يعلو على صوت الثقافة

أحمد الفيتوري

اترك تعليق