قصة

الوهم

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي


شقت الزغاريد المجلجلة عنان السماء بطريقة تنافسية حولت هدوء المكان الى صخب بهيج، وارتسمت معالم الفرح والأعجاب على وجوه النسوة عند دخول سعيد للسلام على امه التي ابيضت عينيها من الحزن في غيابه، احتضنته بقوة وهي تبكي، قالت بفخر من بين دموعها:

_حمدا لله على سلامتك ابني البطل المناضل

_لست مناضلا يا امي ….. ذاب اعتراضه وسط تلك الفوضى والتهليل والتكبير وإطلاق النار

احتفل اهله احتفالا كبيرا تلك الليلة بخروجه، حضره كل المعارف والاصدقاء والاقارب، فوجئ بالجميع يصفونه بالمناضل، اختلط عليه الأمر، هل يفرح بهذه الصفة التي أسبغوها عليه ام يعترض لأنه يعرف جيدا من هو الأحق بها؟ 

أبلغه شيخ قبيلته انه سيقيم وليمة عشاء احتفاء به في الغد، قال بأمانة لشيخ القبيلة الذي افتتح الحفل بكلمة عن نضاله وكفاحه:

_انا لست مناضلا، ما فعلته أبسط مما تتصورون

ضحك الشيخ ضحكة عالية وقال وهو يربت على كتفه بحنو:

_اطمئن يا بني، انتهى عهد الخوف.

على ضوء عقارب ساعته الفوسفورية رأى تاريخ تلك الليلة، شعر بقشعريرة تسري في جسده، في مثل هذا اليوم دق سالم باب بيته، عندما يناديه أحدهم بالمناضل تتدافع الصور امامه وكأنها اليوم، يطوقه الخجل من نفسه وهو يتذكر تردده في استقباله رحمه الله، ويلم به الأسى كلما طافت بمخيلته نظرة الاستجداء في عينيه الحزينتين.

وقع بصره على ذلك الباب الحديدي.. تراءت امامه كل التفاصيل.

أستيقظ   الساعة الثالثة بعد منتصف الليل فزعا على صوت دقات متلاحقة على باب البيت، من يطرق بابه في هذه الساعة؟ لم يبرح مكانه، إلا ان الدق على الباب استمر بإصرار، جلس دفعة واحدة وقلبه يدق بعنف، تلمس المكان بجانب وسادته الى ان وجد نظارته، وضعها على عينيه وذهب صوب الباب والخوف يقيد خطواته.

بصوت مكتوم قال:

_ من؟

كان سالم ابن عمه واقفا يرتجف ملتصقا بالباب يدعو في سره الا يخيب سعيد رجائه، كان يعرف موقفه منه جيدا، صرح به مرارا وتكرارا دون مواربة، لكنه لم يجد مكانا أقرب من بيته يلتجأ اليه تلك الليلة.

_ افتح يا سعيد، سالم ابن عمك.

فتح ببطء…بدون مقدمات قال له سالم بأنفاس مضطربة:

_ هل لي بالمبيت عندك الليلة؟

ـخذ سعيد يحملق على شعاع مصباحه في هيئته المزرية وحبات العرق اللامعة التي   تتصبب من جبينه وتبلل عنقه، بدا واضحا انه مطارد، لم يأبه سالم لتلكؤه في استقباله، دفع الباب بقوة ودلف الى الداخل، حدجه سعيد بنظرة حانقة، كان يعرف صولات سالم وجولاته ضد السلطة ويحرص كل الحرص على الابتعاد عن دروبه الشائكة، وقف مترددا. تسارعت نبضاته عند سماعه اصوات اطلاق أعيرة نارية في الخارج.

قال سالم وهو يتفرس في وجهه والاستجداء ينسكب من   نبرة صوته: 

_ ارجوك اسمح لي ان البث هنا حتى الصباح فقط، لو خرجت الان سيقتلونني

منحه سعيد فراشه الدافئ على مضض، ذهب واحضر فراشا آخر، قبل ان ينام نظر له قائلا:

_ حتى الصباح فقط.

كيف يتخلص من هذه الورطة؟  كان عليه ان يطرد سالم والا يسمح له ان يستدر عاطفته، ربما بقائه هنا سيقحمه في مشاكل كبيرة قد تودي به، لكن كيف سيواجه افراد قبيلته إذا قام بطرده؟ مهما برر وشرح لهم الاخطار التي تلحقه من جراء ذلك فلن يستطيع ان يرفع رأسه بينهم مرة اخرى.

ظل يفكر ويتقلب في فراشه وكأنه يفترش الجمر، اعصابه المشدودة لم تسمح للنوم ان يداعب جفنيه الا عند طلوع الصباح

عند التاسعة صباحا دق باب سعيد بعنف ضربات متلاحقة مرعبة توقظ الموتى، لم تمهله حتى ليلبس نظارته، نظر الى فراش سالم الفارغ بارتياح وذهب ليفتح الباب، ارتجف عند رؤيته لمجموعة من العساكر امامه، بعد تفتيش المنزل اقتادوه معهم بتهمة التستر على ارهابي، لم يخرج من ذلك الباب الكبير الذي دخل منه الا عند قيام ثورة في بلده بعد اثنا عشر سنة.

 بعد عام    كان جالسا على كرسي وثير في مكتب لم يحلم به يوما، انتخبه اهل قريته عميدا لهم.

_ لا أحد أحق من المناضل لرئاسة بلديتنا

هذا قولهم لكل من سألهم عن سبب اختيارهم

احضر له نائبه اول ورقة تحتاج امضائه، نظر لها في البداية برهبة، لأول مرة يوقع ورقة كمسؤول، كانت لاستلام ميزانية قريته، نظر الى المبلغ المكتوب فيها بعيون جاحظة وقلبه ينبض بقوة   وكتب في مكان التوقيع:

المناضل سعيد

مقالات ذات علاقة

العالم ينتهي في طرابلس

عائشة إبراهيم

قناص

خيرية فتحي عبدالجليل

طفلة صغيرة

المشرف العام

اترك تعليق