المقالة

الواشون وذكورية المجتمعات الإنسانية

بوابة الوسط

واشٍ؛ هو اسم من الوِشَايَة يعني النَّمِيمَةُ، أما واشٍ فهو النمام او قد نعتبره (بصاص). وهكذا يكون (الواشون) هم (البصاصون) وأساسها مثلما فسرها القاص والباحث اللغوي الاستاذ يوسف إبراهيم عقيلة، أنها جاءت من سؤال الغرباء لأطفال نجوع البدو عن أسماء كبارهم وشيوخهم، ليسألوا عنهم عند وصولهم مضارب الربع فيبدون وكأنهم يعرفونهم، وبالتالي يستضيفونهم ويكرمونهم.

وهكذا صار الأطفال (واشون) ومن هنا أطلق الليبيون على عائلاتهم (الواشون). ولكنْ الليبيون لم يكتفوا بإلصاق هذا النعت المعيب بزوجاتهم، بل أضافوا لهن مصطلحات أخرى مثل (صاحبي) أو (ولد عمي)، في محاولة لحرمانهن من أنوثتهن غير مدركين أن الأنوثة هي غاية ما تفخر به الأنثى! وطبيعي أن حرمان الإنسان من طبيعته، أو مما خلق من أجله، لا ينتج إلاّ نكدا. فالذكر لا يكون سويا إلاّ بذكوريته والأنثى إلاّ بأنوثتها.
لقد قرأت تفسيرا قد يعيننا على فهم هذا التجني، بل ويبين مغبته؛ هذا التفسير وقفت عليه، عندما عرفت أن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية رفضت القيام بمراسم دينية في دفن الروائية الفرنسية الشهيرة (كوليت)، التي توفيت في باريس يوم 3 أغسطس 1954 لأنها مطلقة، فالطلاق عند هذه الكنيسة محرم تماما. ومع ذلك قامت فرنسا بتكريمها، ونظمت لها جنازة رسمية فكانت أول امرأة فرنسية تنال هذا التكريم ودُفنت في مقبرة مشهورة في باريس.
عندما كان عمر الروائية (غابرييل كوليت) عشرين عاما التقت بالكاتب والناقد (هنري غوتييه فيلار) فتزوجا ولكن بعد 13 عاما انفصلا بالطلاق بسبب خلافات عن حقوقها عن رواياتها التي نالت شهرة كبيرة.
وفي عام 1912، أي بعد 6 أعوام تزوجت من (هنري دي جوفين) رئيس تحرير صحيفة (لوماتان)، في تلك الفترة كتبت عددا من أعمالها مثل رواية (شيري) ورواية (البذور الناضجة) ولكن حياتها الزوجية انتهت بالطلاق سنة 1934.
وأخيرا تزوجت من الكاتب (موريس جوديكات) فكان زواجا سعيدا ناجحا، كتبت خلاله أفضل وأنضج أعمالها، واختيرت عضوًا في الأكاديمية الملكية البلجيكية 1935، والأكاديمية الفرنسية (غونكور أكاديمي) عام 1945م، ونالت عددا من أوسمة الشرف، التي تمنح للنساء. لقد فسر المحللون أن ذلك كله تحقق بسبب سعادتها الزوجية.
هذه الروائية لم توفق في زواجين على الرغم من أن للزوجين نفس اهتماماتها، فهما يتعيشون من الكلمة إن لم نقل إنهما مبدعان. ولكنها سعدت كثيرا في زواجها الثالث، وما إن قرأت رأيا من زوجها الثالث عن العلاقات الزوجية، حتى اكتشفت سر سعادتها، فهو يقول: “.. ما إن يرتبط الذكر بنصفه الآخر حتى يبدأ، غالبا، بقرار من عقله الباطن، في تشجيعها وأحيانا بتوجيهها باللين أو بدونه! لترضيه بسلوك تتعلمه منه، ويصبح هذا السلوك طبيعتها الثانية، إنه يعتقد أن ذلك يسهل السيطرة عليها وتظل تحت طوعه، وهي في الغالب تنفذه، لأنها بطبيعة الأنثى ترى أنه يربطها به. ولكن الرجل في الواقع أفقد أنثاه شخصيتها، أو بمعني آخر أنوثتها. وعندما ينجح الزوج أو الذكر في تحقيق هدفه، ينتبه الذكر أنه لا يرى سوى نسخة ثانية مشوهة منه، تُسمعه صدى أجوف لصوته.. وهذا ما جعل، بعض ذكورنا في ليبيا يسمون زوجاتهم “ولد عمي”.
إن انتباه الكاتب (موريس جوديكات) لهذه الحقيقة هو سبب نجاح زواج الروائية ( كوليت) الثالث، الذي استمر بسعادة حتى بعدما أقعدها شلل جعل من نافدة بيتها المطلة على الشارع هي الدنيا كلها.
المجتمعات الغربية التي نراها الآن ليست “ذكورية”، كانت في الواقع ذكورية جدا فلم تتخلص تماما من “حزام العفة”على سبيل المثال، إلاّ في بداية القرن السابع عشر، والروائية (كوليت) عاشت في نصفه الثاني! وقدمت لنا الدليل على أنه بمقدور الذكر أن يرافق أنثى مثلما يتمنى، أو يرافق “ابن عمه”.. كله في يد الذكر لأن مجتمعات الإنسانية من بدايتها ذكورية حتى ولو حكمتهم أنثى!

مقالات ذات علاقة

زمن الشعر وزمن الثرثرة

عادل بشير الصاري

حميدة تدفعُ حميدة

فاطمة غندور

“السياسة” تعبث بخارطة “الدراما” الرمضانية

المشرف العام

اترك تعليق