المقالة

الهياكل الشعرية

 

ظاهرة صب الهياكل الشعرية بعد تفريغها، أو هكذا أقترح أن أسميها، أو لنقل تفريغ هياكل شعرية أصيلة وصب ما نريد نحن أن نصبه فيها، ثم ننسبه إلينا، ظاهرة أقل تعبير يمكن أن يتماشى مع مسخها، هو أنها ظاهرة اتكاء في منتهى السوء، وإذا ما مرت على عدد لا بأس به من الحذاق من المثقفين والشعراء المحسوبين على النقد وعلى الشعر، فإنها (من المفترض) أن لا تمر على البعض الآخر من الشعراء الأصليين أبداً، لسبب يمكن أن أحصره في عامل التذوق من جهة، وعمق الدخول في الأبيات الشعرية إلى درجة الغرق فيها من جهة أخرى. صحيح أن بعض شعرائنا ممن يستخدمون ظاهرة الصب، سيمتطون ظهر التعالي، ويصرون أكتافهم إلى أعلى قليلاً، متبجحين أنهم لم يروا القصائد التي أفرغوا هياكلها طوال حياتهم، وأنهم سيكتفون بالقول أن الكلمات لهم، صحيح أن الكلمات لهم، لكن عمارة الكلمات التي استخدموها مسروقة تماماً، سواءً من نزار أو من الجواهري، أو حتى من المتنبي، والكارثة أنهم يقتربون من بضاعة الفحول، ليتهم على الأقل ذهبوا لشاعر مغمور سرقوه وهو نائم، أم رشوه ببعض الدراهم، كما فعل بعض شعراءنا الشعبيين زمان والآن.

قد يسعف بعض السراق، أن لسانه العربي سليم تماماً، لكنه سيتورط على الأقل في تقليد بعض الحشرجات التي يستخدمها من وقعت عليهم السرقة، أو حتى طريقة الإلقاء برمتها، من يقلد القاء شاعر فهو سارق، المختصر أنه علينا أن نكون نحن، مهما ضعف قولنا، ومهما قوى قولنا وضعفت عمارتنا، سيان، لكن يكفينا أن نكون نحن، لن نستطيع أن نجدد أو نستحدث منهجاً شعرياً في بلادنا ونحن ننتعل أحذية غيرنا، بكل هذه الفجاجة:

حقيقة أن قصيدة بحجم يا دجلة الخير أراها وقف على الجواهري، وكذا قصيدة غرناطة، أراها وقف على نزار، لكن إن أراد شعراءنا حقاً التعلق بالقصائد المقفاة، أو العمودية وهم في القرن الواحد والعشرين، لهم أن يأتوا بمثل ما جاء به عنترة، أو المتنبي أو حتى امرئ القيس، المشكل دائماً كامن في عطر القصائد، إنه فاضح، وهو في رأيي الشخصي سيمياء القصيدة، فلو افترضنا أن نزار يرش قصائده بعطر التيري ديرهيرميس، فإن درويش يستخدم عطر الكوروس، وكذا محمد اولاد احمد يستخدم عطر يشبه الخزاما، وليكن آزارو لافيندر، وهو ذات العطر الذي يرشه امرئ القيس دون وعي باسمه.

لنختزل كل الكلام الآن، ونربي حواسنا الخمسة على ذائقة شم القصائد، وهي كفيلة بخلق حاسة سادسة لمن أراد التبرع، وهنا لا يجوز أن نسرق ولا أن نسترق السمع حتى، مهما كانت نوايانا، أنصح إذا ما تشابهت القصائد في هياكلها، أن يعد السارق نفسه على الأقل، أنه لن يعود إلى هذه الظاهرة السمجة، والمقيتة جداً…

مقالات ذات علاقة

غنّوا لنا.. وغنّى لهم قراءة في بعض أعمال الفنان أحمد فكرون

زياد العيساوي

الغراب رمزاً معرفياً

عمر الككلي

ما الذي تعنيه الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني ؟

علي المقرحي

اترك تعليق