المقالة

الهوية

قبل فترة كنت أسخر من الفلاسفة الذين يناقشون مفهوم الهوية، وكنت أتساءل ساخراً: هل الهوية بحاجة إلى دراسة وتمحيص، وهل هي من الغموض بحيث يتكلم فيها جهابذة الفلاسفة، ويفرغون لها الفصول والأبواب من كتبهم.. بل ومن حياتهم؟!

أم أنها نوبات الكساد التي تُصيب الفلاسفة في مرحلة من مراحلهم العمرية؟

..

فهل سمعت في حياتك بمن اختلطت هويته بهوية غيره، وهل جربت ذات يوم نتيجة لذهول أو نسيان أو حتى سُكْر أن عميت عليك هويتك فلم تعرف هل أنت أنت أم أنت هو؟!

وهل حدث أن استيقظت من نومك فهرعت إلى بطاقتك الشخصية أو جواز سفرك لتتأكد بأنك مازلت أنت أنت، ولم تختلط بذاتٍ أخرى أثناء النوم – لا سمح الله -؟!

وهل عدت يوماً من عملك إلى بيتك فسألتك زوجتك: من أنت؟!

لا شك أن كل ذلك لم ولن يحدث!.

..

إذن.. فعن أي شيء يبحث هؤلاء الفلاسفة حين يدسون أنوفهم بينك وبين جلدك؟

إلى هنا.. كنت أسخر ملء أنفي، وأضحك ملء شدقيَّ كلما سمعت عن كتاب أم مقالة تتحدث عن موضوع (الهوية).

أما التالي.. فقد قررت ذات يوم أن أبدأ في دراسة هذا الموضوع.

والحقيقة أنني لم أكن أبحث بنية زيادة المعرفة، بل بنية زيادة مادة السخرية والتهكم.

..

ثم تبين لي أن هذا الموضوع هو أعمق مما توقعت، وأصعب مما ظننت، وأنني كلما ازددت فيه توغلاً ازددت به جهلاً، وكلما ظننت أني تمسكت جيداً بأحد أطرافه انفرط من بين أصابعي كزهم النعام.

بدأ ذلك مع السفينة (ثيسيوس)، وهي سفينة جابت العالم وكانت كلما خرب أو تكسر لوح من ألواحها يستبدلونه بلوح جديد، حتى عادت إلى مرفأها وليس فيها شيء من ألواحها التي خرجت بها.

ومع ذلك لا زالت تُسمى بإسمها (ثيسيوس)، ومن هذه القصة جاءت (مفارقة ثيسيوس) في مفهوم الهوية.

وهذا أشبه بما ذكره الجاحظ في كتابه (البخلاء) أن أحد البخلاء كان يرقع ثوباً حتى ذهب الثوب الأصلي وبقيت الرقاع.

..

والإشكالية تزداد عمقاً وتتسع خرقاً إذا علمت إنك أنت الذي تقرأ هذه المقالة الآن؛ يحدث لك تماماً مثلما يحدث لثيسيوس ولثوب البخيل!.

فالإنسان يتغير بالكامل دمه ولحمه وحتى عظمه بعد بضع سنوات.

وليس هذا فحسب..

بل تتغير أفكارك ومفاهيمك ورؤاك ونظرتك للأشياء وانطباعاتك وأحكامك عليها، وتتغير ردود أفعالك وتفاعلك مع الناس والأحداث والأشياء، وتتغير علاقاتك مع محيطك، بل قد يتغير محيطك بكامله.

فأنت لست أنت قبل بضع سنوات، وحتماً لن تكون أنت بعد بضع سنوات!.

..

ولكن.. هل يمكن أن نرتب أحكاماً على هذا؟.

فمثلاً: هل يمكننا أن نعاقب المجرم الذي اكتشفت جريمته بعد عشر سنوات من ارتكابها؟

وهل المرء هو نفسه في كل الأزمنة؟ أم هو الآن فقط؟

وإذا كان هو الآن فقط.. إليست (الآن) هي نفسها قد فقدت هويتها الآنية وهي في طريقها إلى أذن سامعها أو عين قارئها؟!

إلى هنا.. توقفت عن القراءة، واكتفيت ببيت الشاعر الليبي: “مازلت نا هو نا .. حتى لو جسمي بلعظام مشا.. مانيش ثيسيوس

وفي رواية أخرى: “بلاش فلسفة”!.

مقالات ذات علاقة

قراءة الأدب

محمد الترهوني

مثقفوالوطن… دورغائب مابين استلاب وسلبية

المشرف العام

أهمية السياحة الدينية

عبدالحكيم الطويل

اترك تعليق