الصورة: ميديل إيست أونلاين.
طيوب عربية

الهندسة المعمارية المعاصرة في العالم الإسلامي

ميديل إيست أونلاين

عشرة أسئلة مهمة وقضايا جوهرية طرحتها جلسة الحوار المهمة التي استضافها قبل فترة ليست ببعيدة مركز الآغا خان في العاصمة البريطانية لندن، وركزت حول الهندسة المعمارية المعاصرة في العالم الإسلامي، وهي النشاط الأول ضمن سلسلة تتضمن عشرة نشاطات عامة تسلط الضوء حول دور الهندسة المعمارية والتخطيط والإبداع المعاصر في تحسين نوعية الحياة وتحقيق الاستدامة ضمن مجموعة من السياقات الإسلامية.

الصورة: ميديل إيست أونلاين.
الصورة: ميديل إيست أونلاين.

جلسة الحوار بدأت بكلمة ترحيبية من قبل ليف ستينبرغ، مدير معهد دراسة الحضارات الإسلامية في جامعة الآغا خان، تلتها بعد ذلك كلمة لويس مونريال، مدير مؤسسة الآغا خان للثقافة، تحدث فيها عن الهدف من هذه الجلسة والنشاطات اللاحقة، مؤكداً على أن المؤسسة من خلال هذا النشاط تسعى لمشاركة تجربتها الفريدة وخبرتها الطويلة ضمن برنامجها الخاص بالمدن التاريخية مع شريحة واسعة من الخبراء والمهتمين والمتابعين والعموم. 
وأضاف مونريال “نفذ برنامج الآغا خان للمدن التاريخية العشرات من المشاريع والمبادرات في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، من باكستان والهند إلى مصر وسوريا. من خلال هذه الندوات وورشات العمل والنشاطات التي سوف تتضمنها هذه السلسلة، نحن نطمح إلى الوصول إلى جميع المهتمين من الخبراء والعموم”.
فرّخ  درخشاني، مدير جائزة الآغا خان للعمارة، الذي قاد جلسة الحوار الأولى ضمن هذه السلسلة، تحدث في البداية عن أهمية العمارة ودورها في حياتنا، مؤكدأ على أن العمارة المعاصرة ضمن المجتمعات الإسلامية تتميز بطابعها المتعدد، حيث إنها تنبثق من مناطق جغرافية متنوعة، كل منها يختلف إلى حد كبير من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.  

كما تحدث درخشاني عن جائزة الآغا خان للعمارة، التي تجاوزت عقدها الرابع، مؤكداً على الدور الكبير الذي لعبته الجائزة على مدى أكثر من أربعين عاما في دعم وتوثيق والاحتفاء بالعمارة التاريخية والمعاصرة في العالم الإسلامي. وطرح مدير الجائزة عدة أسئلة ومواضيع للنقاش مع محاوريه الرئيسين، البروفسورة فرشيد موسوي والبروفسور حنيف كارا، عضو اللجنة التوجيهية للجائزة في دورتها الحالية لعام 2019، والتي تتعلق بالقضايا الأكثر أهمية وإلحاحاً ضمن سياق العمارة الإسلامية المعاصرة.

العمارة وسيلة للتغيير:

تحدث فرّخ  درخشاني عن دور العمارة في عملية التغيير، وتساءل كيف يمكن للعمارة أن تحقق التغيير ضمن المجتمعات التي تخدمها؟! “يمكن أن يتحقق ذلك من خلال تحسين نوعية الحياة للناس أو تحسين الممارسات ضمن المجتمعات التي تعيش ضمنها أو في محيطها”، كما يقول حنيف كارا. وتضيف فرشيد موسوي أن بعض المشاريع تسعى للتغيير، ربما ليس اليوم، ولكن بعد مرور فترة طويلة. أما درخشاني فتحدث عن أحد المشاريع التي فازت بجائزة الآغا خان للعمارة في دورة سابقة، وكيف أن هذا المشروع غير الوجه السياسي للبلد، وكان النواة التي انطلقت منها عملية التغيير والديمقراطية في هذا البلد.

التميز في التصميم:

كيف يمكن أن نحدد مفهوم التميز في مجال العمارة، هل يكمن التميز في الشكل، أو التصميم، أو الحجم، أو الممارسة، أو الدور الذي يلعبه المشروع المعماري؟! لاشك أن جائزة الآغا خان للعمارة تسعى إلى الاحتفاء بالمشاريع التي تحقق التميز، وخاصة من حيث الممارسة والدور الذي تلعبه في تحسين نوعية الحياة للناس والمستخدمين. ويؤكد مدير الجائزة هذه الفكرة بالقول: “نحن نتحدث حول التميز في الممارسة، وليس التميز في المنتج”.
هناك العديد من المشاريع التي فازت بالجائزة على مدى أربعة عقود وهي تقوم على إمكانيات بسيطة وميزانيات متواضعة، فالغاية لا تكمن في حجم البناء وضخامته، بل في الفكرة التي يقدمها والدور الذي يلعبه في عملية التغيير. وهذا لا يعني بالطبع أن المشاريع الضخمة أو الأبراج العالية والأبنية التي تكلف ميزانيات ضخمة لا تندرج ضمن اهتمامات الجائزة طالما أنها تحقق المعايير التي تضعها الجائزة، فالأمر بالمحصلة لا يتعلق بالحجم بل بالفكرة.

العمارة والتراث:

في محور آخر من النقاش تحدث الضيوف عن دور العمارة في الحفاظ على التراث والموروث المعماري الإسلامي. وضمن هذا الإطار تبرز تجربة برنامج الأغا خان للمدن الإسلامية من بين التجارب الأكثر حضوراً وتميزاً على مستوى العالم. يهدف هذا البرنامج، الذي تأسس في عام 1992، إلى تعزيز حماية وإعادة استخدام المباني والأماكن العامة في المدن التاريخية في العالم الإسلامي، كما يسعى إلى ترميم وإعادة تأهيل البنى التاريخية والأماكن العامة بطرق تحفز التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. 
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد قامت جائزة الآغا خان للعمارة أيضاً بتكريم العديد من مشاريع الترميم المتميزة في العالم الإسلامي، في خطوة تؤكد على دور التراث والحفاظ على الموروث الثقافي والمعماري في حياتنا. ومن بين مشاريع الترميم التي فازت مؤخراً بجائزة الآغا خان للعمارة مشروع إعادة إحياء المركز التاريخي لمدينة بيرزيت في فلسطين، ومشروع إعادة إحياء سوق تبريز في ايران، ومشروع إعادة إحياء تراث تونس حديث العهد، والعديد غيرها.

العمارة والدور الاجتماعي والبيئي:

لعل الموضوع الأكثر إلحاحا اليوم هو دور العمارة في الحفاظ على البيئة والسعي للتخفيف من وطأة الضغوطات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة. ضن هذا الإطار طرح مدير جائزة الآغا خان للعمارة على ضيفيه السؤال الأكثر حضوراً في هذا المجال، هل يمكن للعمارة أن تؤثر سلباً على البيئة والكوكب بشكل عام، خاصة عند استخدام التكنولوجيا الحديثة؟!
يجيب حنيف كارا على هذا السؤال بالقول: “أعتقد أن التكنولوجيا تتحكم إلى حد كبير في كافة مفاصل حياتنا اليومية، ويمكن للمعماري في نهاية المطاف أن يستخدم التكنولوجيا كوسيلة ضمن عملية التصميم أو التنفيذ، ولكن يجب أن لا يكون ذلك على حساب العامل البشري والخبرة الشخصية، التي يجب أن تكون هي الطاغية في هذه الحالة”.

العمارة والإبداع 

كيف يمكن للإبداع أن يؤثر على العمارة، وما هي غاية الإبداع في هذه الحالة؟! هذا السؤال ساقه مدير الجائزة إلى ضيوفه، مستشهداً بعدد من المشاريع التي تحتفي بالإبداع والتي حصلت في وقت سابق على جائزة الآغا خان للعمارة. تقول فرشيد موسوي: “الإبداع يعني العمارة التي تهتم بالحاجة للتغيير، وتأتي بحلول جديدة مبتكرة تلبي عددا من الاحتياجات المحددة ضمن المجتمعات الإسلامية”.
ويسهب فرّخ درخشاني من جهته الحديث عن مشروع معماري متميز في الصين كان قد حصل على الجائزة في دورتها لعام 2010، وهو مشروع مدرسة الجسر في قرية كسياشي بمقاطعة فوجيان الصينية التي تربط بين طرفي قرية صغيرة تقع على جانبي جدول صغير يجري عشرة أمتار تقريباً تحت القرية. أصبحت المدرسة الصغيرة حديثة التصميم، رغم كونها نائية عن أسلوب البناء التقليدي، المركز المادي والروحي لقرية كانت متداعية في وقت مضى. وتقوم المدرسة التي شيدت على نحو تشرف فيه الأماكن المحيطة بها، بربط القرية مع بعضها البعض، وتوفر فراغاً اجتماعياً مركزياً للسكان. 
وكان الجانب الاجتماعي الأوسع نطاقاً جزءاً من جدول متطلبات المشروع، بهدف تلبية احتياجات المجتمع برمته بدلاً من تلبية احتياجات المدرسة الإبتدائية فحسب. والنتيجة كانت عبارة عن مشروع مبدع نجح في شد عزيمة المجتمع برمته وتعزيز مبدأ الاستدامة الاجتماعية من خلال التدخلات المعمارية التي يقدمها.

معايير صارمة للجائزة

بالعودة إلى جائزة الآغا خان للعمارة، يتحدث مدير الجائزة في محور خاص عن المعايير الصارمة التي تضعها الجائزة للمشاريع المرشحة أو الفائزة، ويؤكد على أن هذه المعايير قد تغيرت مع مرور الوقت وفقاً للقضايا والتحديات التي يفرضها الواقع المتغير للعمارة الإسلامية في العالم، ولكنه يتساءل في الوقت نفسه لماذا يتم اختيار مشروع دون غيره للترشح أو الفوز بالجائزة؟
يشير حنيف كارا، عضو اللجنة التوجيهية للجائزة في دورتها الحالية، إلى أن “الجائزة تقوم باختيار أفضل المشاريع التي تحقق التميز في العمارة، وعادة ما يتم ترشيح هذه المشاريع من قبل مجموعة خاصة تتضمن عددا من المهندسين المعماريين والمهنيين والعلماء وغيرهم ممن هم على دراية بالتطورات المعمارية الحالية”. بعد ذلك تقوم لجنة التحكيم بدراسة المشاريع المرشحة باستفاضة، وتخضع هذه المشاريع لمراجعات ميدانية صارمة ضمن الموقع من قبل مجموعة مختارة من المعماريين، وخبراء الترميم والحفاظ على المواقع، والمهندسين الإنشائيين الذين يقومون بزيارة كل موقع من هذه المواقع على حدة وتقييم كل مشروع بشكل مباشر.
بشكل عام، تسعى الجائزة للحصول على ترشيحات تمثل أوسع نطاق ممكن من التدخلات المعمارية، فهي تشجع المشروعات في المناطق الريفية والأطراف الحضرية وتلك التي تتعامل مع الفضاءات العامة على جميع المستويات. كما يتم تشجيع العمارة التي تعكس التعددية ضمن المجتمعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم. ولا توجد معايير ثابتة لنوع أو طبيعة أو موقع أو تكلفة المشروعات التي يجب النظر فيها، على الرغم من أن المشروعات المؤهلة للجائزة يجب أن تكون مصممة لأجل أو يتم استخدامها من قبل المسلمين، بشكل جزئي أو كلي، أينما وجدوا.

الساحات العامة تعزز الشعور بالانتماء

يختم فرّخ درخشاني جلسة الحوار الممتعة بالحديث عن الساحات العامة ودورها في المجتمع، ويتساءل: هل يمكن الاستفادة من الساحات العامة بطريقة تعزز الروابط الاجتماعية ضمن المجتمع، وهل تصميم وتنفيذ الساحات العامة يقع ضمن اهتمام واختصاص المهندس المعماري فحسب؟!
يجيب حنيف كارا على هذا السؤال بوضوح مؤكداً على أن الساحات العامة يجب أن يشارك في تصميمها وتنفيذها المجتمع المحيط بشكل رئيس نظراً لأنها تخدم السكان المقيمين في المنطقة بالمقام الأول. وتثني فرشيد موسوي وفرّخ  درخشاني على هذا الرأي، ويختم الأخير هذه الجلسة بالقول: “إن الساحات العامة ليست فضاءات خارجية لا دور لها، فهي تمثل الشعور بالانتماء، وإذا لم تولد هذه الساحات الشعور بالانتماء لسكان المنطقة فإن هذه الساحات لا تعمل جيداَ.”

مقالات ذات علاقة

قلم حمرة طعم الرمان

إشبيليا الجبوري (العراق)

مراجعة رواية: مغامرات هكلبري ڤين.

المشرف العام

العقل الإسلامي وإشكاليات النهوض الحضاري

المشرف العام

اترك تعليق