شعر

الهممُ العالية لا تعرفُ المستحيلَ

الخطاب الماي

من أعمال التشكيلي عائشة السنوسي (الصورة: فنانو فزان التشكيليون)
من أعمال التشكيلي عائشة السنوسي (الصورة: فنانو فزان التشكيليون)


شقيقتي التي تكبرنى الحاجة (مسعودة عبدالقادر الماي) حرم الأستاذ غيث أحمد علي (من الرعيل الأول من معلمينا الأفاضل – أطال الله عمره ) التحقت بمدرسة مزدة للبنات في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وبلغت الصف الخامس الابتدائي وهو أعلى مستوى تصله الفتاة في مدرسة مزدة للبنات في ذلك الزمان، بعدها إما أن تلتحق بمدرسة البنين في فصل مختلط، أو تكتفي وتلزم البيت، وفي المجتمع القروي المحافظ رأت الأسرة أن تكتفي بهذا القدر، وليس أمامها إلا الامتثال وإن كان عكسَ رغبتها، وظلت الرغبة في الدراسة حبيسة في نفسها عقودًا من الزمن، ورأت في أبنائها وبناتها تعويضا لها عما فاتها، فظلت تحثُّهم على طلب العلم والاستمرار فيه، فشقوا طريقهم بنجاح وكان أكبرهم من مواليد 1967 الدكتور خالد غيث (دكتوراه لغويات) ثم الدكتور سليم غيث (دكتوراه إسلاميات ) ثم الدكتور أحمد غيث (دكتوراه أدبيات) والأستاذ بحر غيث (ماجستير أدبيات) والشيخ محمود غيث (خريج وحافظ  متقن ومحفظ لكتاب الله ) وأربع بنات معلمات خريجات المعاهد العليا للمعلمين، والكليات الجامعية منهن اثنتان حاملتان لكتاب الله، ولها من الأحفاد 21 حفيدًا بعضهم في المرحلة الجامعية، منهم ثلاثة يحملون كتاب الله كاملا ، ومنهم من جاوز النصف، ومنذ أكثر من عشرين عاما كنت معها، وكان موضوع الحديث عن الهمَّة والتصميم في الوصول للمراد، فقلت لها لا يوجد مستحيل، وأن الرسول الكريم يقول : (لو تعلقتْ همَّة أحدكم بالثريَّا لنالها ) وقلت لها أيضا: ( إن الحبل الضعيف بكثرة مروره  يترك مجرى محفورًا في الحجر الصوان في البئر) والشاهد على ذلك آبارنا القديمة… فأسرّتها في نفسها، وصممتْ على حفظِ  كتابِ اللهِ، ولم تخرج لمدرسة قرآنية ولا لمسجد، وكان شيخَها المصحفُ والشريطُ، تستمع أولاً، ثم تمسك المصحف الساعات الطوال، لم تملّ ولم تكلّ ولم تضعفْ، صيفا وشتاء، ليلا ونهارًا، وكانت تنافس بناتِها وأحفادَها في الحفظ ، حتى أصبحت لا تقوى على الوقوف من طول الجلوس، وأخيرا وبعد عشرين عامًا متصلة استطاعت أن تحقق ما كان مستحيلا، وتختم كتاب الله حفظا كاملا، وصارت تصلي في رمضان العشاء بسورتي البقرة وآل عمران على الكرسي لعجزها عن الوقوف، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وقد عرضتْ ختمتها على ابنها الشيخ محمود وأقيم لها حفل عائلي بهيج، غمرتها فيه التهاني والتبريكات والهدايا المادية من الأستاذ غيث (زوجها ) وجميع الأبناء والبنات والأحفاد وسمعت بذلك وأنا ببلاد الغربة فهنأتها وهنأتُ الأستاذ غيث وجميع العائلة وأرسلت لها بهذه القصيدة فقرئت أمامَها:

هذا النجاحُ

هذا النجاحُ ، ولا نجاحَ سِواهُ …..لا ترتقي لعُـــــلاهُ دكتوراهُ
كلّ الشهائدِ دُونَهُ مَهْمَا ارتقتْ …. لا تَرتقِي مَهْمَا علتْ لعُلاهُ
أختاهُ قد نِلتِ العُــــلا بتميـُّــزٍ …..في خيرِ ما نطقتْ بهِ الأفواهُ
نــورٌ من الرحمنِ أنزلهُ عَلَى….. نــورٍ وقدْ عمَّ الوُجُودَ سَنَاهُ
نورٌ من الرحمنِ يسّرَ حفظَهُ……وأعَـــانَ مَنْ في خَلوةٍ نَاجَاهُ
مَنْ وَفّقَ الرّحمنُ سدّدَ خطوَهُ ….. وأعانهُ، ومن الشرورِ كفاهُ
فلتفرحي أنْ قدْ بلغتِ مـأربًا……عجـــزت على إدراكِهِ الأشباهُ
ولْتقـــــرئي ولْترتقي في هذهِ …منْ كلّ مجـدٍ في الدّنَى أعلاهُ
واستبشري بالفـــوزِ يومَ لقائهِ…. ظِلٌّ وماءُ الحوضِ ما أصفاهُ
صبرٌ تنوءُ بهِ الجبـــالُ وتنثني …. خَجَلاً أمَامَكِ، بالعيونِ نَرَاهُ
مَنْ قاربَ الستينَ ليس بصــدرِهِ ….ستونَ حزباً تاهَ فيمنَ تاهوا
لم تَثْنِكِ السنواتُ في دَوَرَانِها……وبلوغ عمـرٍ غيرَكمْ أعيَـاهُ
عشىرون عاما في مَعيَّة آيهِ…..حفظاً مَعَ الترتيلِ ما أحـــلاهُ
لم تشتكِ طُولَ الجلــوس وفِعلَهُ….بالجسم لكن تشتكي قدَمَاهُ
أوْ أنْ تَكِلَّ الرُّكبتان فترفـعِي …ذاكَ الدّعَـــــاءَ فيستجيبُ اللهُ
يتسابقُ الأحفـــادُ في ترتيلهِ ….ويَكُونُ فَـــوزُكِ فيهِ وَاعَجَبَاهُ
لم تطلبي ما تبتغيه نســـاؤنا….في ذا الزمانِ، وتطلبينَ رضَاهُ
قد كُنتِ جامعة أعدَّتْ نفسها….لتعـــــــد جيـــــلا للدرا مسعاهُ
تاجَ الكرامةِ تلبسين وحُــــلَّةً…..وعلــــــوُّ منزلةٍ هناكَ وَجَـاهُ
وَسَترفَعِينَ الوالدينِ كَرَامَـــةً….وتَرَيْنَ نـَــــورَ التّاجِ إنْ لبسَــاه ُ

والفضلُ للرحمنِ ثم لزوجِها ال…..مفضالِ كلُّ الفضلِ ما أنساهُ
فلهُ التحيـــــةُ والدعـــاءُ وإنّمــــا…..تكريمُــــها تكريمُـــــــــــــــــنا إيـّاهُ


وقد ترددت كثيرًا في عرض هذه القصة، ولكن رأيت أن عرضها قد يكون حافزا مشجعا لعشرات الأخوات اللاتي يملكن القدرة والوقت على حفظ  كتاب الله، والله من وراء القصد

مانشستر 07/10/2020

مقالات ذات علاقة

لست أدري ماعراك

أكرم اليسير

تساؤلات مغلقة

تهاني دربي

طريقٌ وحيدٌ يقود إلينا

فرج العربي

اترك تعليق