قراءات

(الهجرة على مدار الحمل)… ها قد حان وقتها

بعد أن استراحت شهوراً بجانبي على الرف الأيمن لسريري، تتوسدُ عدة كتب وأوراق متنوعة أخرى، ظلت رواية (الهجرة على مدار الحمل) للكاتبة رزان نعيم المغربي بعيدةً عن اهتماماتي واختياراتي وقراءاتي فلم تمتد إليها يديّ مطلقاً، ولم ألمسُها إلاّ عندما كنتُ أحضرُ زهراتِ الياسمين والفل اليافعة كلَّ مساء وأنثرها على وجه غلافها الملون الجميل المرسوم بريشة الفنان محمد إبراهيم، فتنتشر روائح الفل والياسمين ويعبق شذاها في فضاء غرفتي الحنونة، لتخذرني وتجعلني أوكد تأجيل قراءة الرواية، أو حتى تقليب صفحاتها بحجة أن دورها لم يأتِ بعد، وزمن الهجرة على مدار الحمل .. لم يزف موعده.

%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8_%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d9%84

وخلال اليومين الماضيين حين سنحت الفرصة وسكنت حركة البيت وغادره ضجيجه النسوي والطفولي اللذيذ، وجدتُ في الوقت متسعاً لقراءة هذه الرواية الممتعة. فالهجرة على مدار الحمل التي صدرت سنة 2004 عن الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية، بدمشق تسلسلت فصولها الخمسة كالتالي: ثقوب في الذاكرة، دمشق في الذاكرة، هجرة وحب على مدار الحمل، وقائع حب معلن، نهايات غير حتمية. وقد تفاوتت أجزاء كل فصل بين الستة والثلاثة أقسام. وفي مستهلها أهدت الكاتبة رزان نعيم المغربي روايتها إلى حبيبها “عمر” قائلة (إليك أيها البدوي .. الذي نزع أوتاد خيمته من الصحراء، وغرسها على قمم جبال الشمال..سأحبك مثل امرأة بدوية) ورغم الاعتزاز بهذا الوفاء والحب الذي تكنه بطلة الرواية “زينة” لشخصية البدوي “عمر” وتعلقها به، فإننا لا نجد في الرواية ما يشير إلى أي مشترك يربطها بأجواء البداوة وطقوسها وأعرافها، بل عكس ذلك تماماً فقد ظلت الرواية وبطلتها منحازتين لحياة المدن الصاخبة والضاجة بكل ما هو عصري في صوره الحديثة فكرياً وعملياً، حيث استوطنت الرواية شخصية المرأة المتحررة التي تسكن شقق المدينة وتعمل صيدلانية وتقود السيارة وتدخن السجائر والنرجيلة بشراهة وتصاحب الرجال وتصادقهم وتدمن شرب وإعداد القهوة، وتبيح لنفسها أن تقبّل عشيقها وتنام بأحضانه في علاقة شهوانية جسدية آثمة!!. كل هذا يجعل مضمون رسالة الإهداء النمطية بعيداً كلياً عن المسار الفكري للرواية وفضائها الابداعي، كما أن بطل الرواية “عمر” حتى وإن كانت أصوله بدوية من شرق ليبيا، فإن ممارساته وسلوكياته التي شارك فيها معشوقته “زينة” لا تمت لأخلاق البادية بأية صلة، ولا تنتمي لمنظومة القيم والتربية والأعراف القبلية التي توطن صون الشرف والعرض والسمو بالفضيلة، ووضع قيود قاسية مجحفة على حياة المرأة فيها بوجه خاص.

ويمكن القول بأن رواية (الهجرة على مدار الحمل) هي سيرة ذاتية أو شبه ذاتية للكاتبة رزان نعيم المغربي التي ولدت في دمشق لأبٍ ليبي هاجرت أسرته إلى سوريا خلال الاحتلال الايطالي لليبيا، ثم رجعت الكاتبة إلى ليبيا في عمر مبكر للعيش في أرض أجدادها بمدينة طرابلس فنسجت وتقمصت شخصية بطلة الرواية (زينة) وتولت دور الراوية نفسها، والسرد بلغة حالمة جميلة مطرزة بالكثير من العبارات والجمل الرقيقة الممتعة والاقتباسات المثرية للنص والمعززة لأفكارها. وبطبيعة ميلادها ومعيشتها فقد تنقلت الكاتبة رزان المغربي مكانياً في روايتها (الهجرة على مدار الحمل) بين فضائين رئيسيين هما العاصمة السورية دمشق ومدينة طرابلس في تناغم جميل بدا متوازناً في عرضه ومشاعره.

(دمشق في الذاكرة، أحملها كلما أقلعت بي الطائرة… وكم من رحلة بين دمشق وطرابلس ذهبت طائرتي، وعادت، وبين المدينتين هناك شوقان دائما التجدد، واحد أحمله، وثانٍ أغادره…). و(.. أفسحت لي طرابلس مكانا في القلب.. وأخذت تحتضني بحنان بالغ، فصرتُ أرى طرابلس الأم الحنون، التي مهما قست على أولادها، لا تعاقبهم إذا ابتعدوا عنها، بل تفتح ذراعيها، وتمسح دموعهم، وتقبل وجناتهم..).

وبالإضافة إلى المكانين الرئيسيين للرواية دمشق وطرابلس فقد كانت هناك أمكنة أخرى ثانوية مثل مدينة “جينيف” السويسرية التي سجلت فيها أحلى أوقاتها مع حبيبها “عمر”، البدوي الذي تعرفت عليه في طرابلس وتعلقت به بعد وفاة زوجها “أدهم” في حادث سيارة، وكذلك تونس التي سافرت إليها مع ابنتها “لينا” تلبية لدعوة صديق العائلة “عبدالرحمن” حين كان يعالج زوجته في تونس، وهو من المصريين القوميين الذين تركوا بلادهم واختاروا الإقامة والعيش في ليبيا التي كانت تتبنى وتدعم التوجه الناصري الوحدودي. بالإضافة إلى تسجيل بعض الأحداث القصيرة وتضمينها بالرواية في أمكنة عابرة مثل “قاسيون” و”عين زاره،” و”مون ترو” و”لوزان” و”أوتشي” و”الريفيرا السويسرية” و”فندق بريفداج بلاس” الذي شهد توقيع اتفاقية أوتشي التاريخية.

وقد جسدت الكاتبة حبها العميق للمدينتين دمشق وطرابلس من خلال شخصياتها الدارمية التي توزعت على المكانين الدمشقي والطرابلسي وانتقلت بينهما في تواصل سردي ارتقى بدرجة تشويق القاريء وكذلك تحريك فكره وإثارة تخميناته وتوقعاته لمصائر تلك الشخصيات. وعند استعراض بعض شخصيات الرواية نجد أن البداية تكون للمثل الأعلى لبطلة الرواية “زينة” وهو والدها “صلاح” الذي خاطبته قائلة (.. علّمتني الكثير يا أبي، أتعبتني في هذه الحياة بأعباء القيم والمثاليات، لزمنٍ صارت فيه قيوداً تكبلني، أحاول أن أتجاوزها بالمرور فوقها عبر تسميات جديدة .. لكن صورتك سرعان ما تردعني، فأقبل بما تميله علي ظروفي .. أتقدم خطوة خطوة … وأنا التي تعشق تسلق الأسوار، والقفز من فوق الحواجز، أجبر نفسي على التراجع في اللحظة الأخيرة .. لأن ما غرسته داخل ذاكرتي الفتية أصبحت جذوره قوية، لا تقتلع مع أول هبوب لرياح عابرة.).

تأتي بعد ذلك شخصية ابنتها الصغيرة “لينا” التي لا نجد لها صوتاً بارزاً أو ظهوراً ملفتاً في المشهد السردي بل ظلت مجرد تابع وصفي لحركة البطلة “زينة” وإن بدت متفهمة لظروف والدتها كأرملة تأكلها الوحدة القاتلة، وتطالبها بالزواج لحاجتها الشخصية لحنان الأبوة التي تفتقدها إثر وفاة والدها “أدهم”. أما العمة “مريم” فقد كانت الملاذ الفكري والوجداني لبطلة الرواية التي تلجأ إليه حين تتلبد سماواتها بالغيوم القاتمة وتبحث عن لحظة تنفس أو استراحة ذهنية… لن تغيب عنها أنفاس سيجارة ورشفات فنجان قهوة مخلوطة بالحبهان. كما هناك شقيقها “كريم” وابنة عمتها “عبير” وزوج العمة “عزالدين” الضابط الصارم والآمر العسكري السابق لبلدة الحمة السياحية في سوريا، وهو (.. ابن أحد المناضلين الليبيين الذين طاردهم الاستعمار الايطالي فقرر الهرب بعد أن أحرقوا بيته في “الظهرة”..). أما شبكة الأصدقاء والزملاء فهي غنية بتنوعها الجنسي والفكري في الرواية وتمثلت في (جمال، عبدالرحمن وهو مصري الجنسية يعيش في ليبيا، جابر، ابتسام، عبير، سمر، الدكتور علي، أحمد حبيب سمر الذي تخلى عنها). ويظل أبرز ثلاثة رجال في حياة بطلة الرواية “زينة” هم “خالد” ثم “أدهم” وأخيراً “عمر” على التوالي، والأخير “عمر” كان المحرك الدرامي الأساسي للكاتبة في نسج روايتها الجميلة (يا بحري، أعلمُ أنك لن تهجر مدينتك، لن تقوى على الهجرة، ولن تقوى على الإقامة في مكان واحد أكثر من عام، لكنك دائم الدوران، لن ينتابك الإعياء من السفر، لأنك تدور على فلك الحمل، ستعود يا عمر، ولا أعلمُ بعدها كم ستبقى؟ السفر يجذبك وكأنه قدرك! يخيفني شعوري بأنك بت تحصي خطواتك نحو مدينتي.).

ولا تخلو رواية “الهجرة على مدار الحمل” من تأثرها بالأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية كافة وبجغرافية الرواية على وجه التحديد بداية من الاحتلال الايطالي لليبيا وانعكاساته التي طالت الأسرة وهجّرتها إلى سوريا، ومشاركة بعض الليبين المهاجرين إلى دمشق في المظاهرات الرافضة للاحتلال الفرنسي لسوريا، ثم حدثُ الإنفصال بين مصر وسوريا وتبعثر حلم الوحدة العربية والشعارات القومية التي أفرزها هذا الحلم الشعبي الكبير، وما تلى ذلك من مآسي وحروب سنة 1956 و 1967 و 1973. كما أن الحرب على العراق ألقت بظلالها على مشهد الرواية بشكل خاطف جعلته الكاتبة محور أحد حواراتها السياسية مع صديق العائلة “عبدالرحمن” وأبرز تفاوتاً ملحوظاً في تقديرات ومآل تلك الحرب وذلك أثناء متابعتهما أحداثها على شاشة التلفزيون:

– “انظر، حتى اليوم التاسع والعراقيون حققوا، على الأقل، نصراً باستخدام أسلحة تقليدية وحيلاً هزمت التكنولوجيا الأمريكية”.

– “إذاً، علينا أن ننتظر…”… “بل انتظري وحدك، عليّ أن أقول كلمة، أتمنى ألا يفاجئك الشعور القاتل بالخسارة، لأن الدلائل تشير عكس ما نرى على هذه الشاشة”.

– وكذلك حوارها حول نفس الحدث مع عمتها “مريم” التي عاشت أياماً قاسية أثناء حرب 1967 وخبرت ظروفها ونتائجها: “كيف؟ وأمريكا صارت في قلب بغداد؟”… “أخبرني أن الانتصار الحقيقي أو الهزيمة سيحددان لاحقاً، فيما لو استمر المخطط الأمريكي ينفذ، أو في حال فشله، بسبب قدرة الشعب العراقي على النهوض بعد فترة قصيرة”.

– هزّت عمتي رأسها غير مقتنعة وقالت: “يتكرر لدي نفس الشعور الذي أحسستُ به عام 1967، وتوقفت عن الكلام”.

من خلال مجريات الرواية يمكن التأكيد على أنها أظهرت نوعاً من الترابط الأسري القوي بين أفراد العائلة العائدة من الأجواء الدمشقية إلى الربوع الطرابلسية، وسرعة التأقلم مع تفاصيل العادات والتقاليد الليبية والتي اتضحت أثناء المشاركة في حفل زفاف “سمر” خاصة فيما يتعلق بطقوس ليلة الحنة والالتقاطة الجميلة التي صاحبت ذلك حين لمّحت الكاتبة إلى خطوط الحنة ورسومات الوشم الحديثة التي صار الشباب والشابات يتزينون بها في مواضع كثيرة من أجسادهم فألقت بتساؤلات عقلها حول ذلك:

(فهل كانت هذه الزينة القديمة تورّث ذاكرة الرجل أحاسيس تثير الجسد، لارتباطها بطقس الزفاف..؟ ولربما هذا سرُّ عودة الوشم العصري الذي بدأ منتشراً في كل العالم، ولكنني لم أرغب في اختياره..).

ظل الحوار محركاً فاعلاً عبر معظم أحداث الرواية ويمكن تقسيمه إلى جانبين، الأول كان حواراً وجدانياً داخلياً خفياً تجريه البطلة مع نفسها حين تفكر بصوت عالٍ مع ما يعتمر في قلبها وعقلها، والثاني كان حواراً معلناً ظاهراً أثناء المناقشات التي تفاوتت في أسلوبها ومضمونها حسب كل شخصية مقابلة. وفي كل الأحوال فقد كانت كل الحوارات مفعمةً بالموضوعية واللغة الرصينة فامتلكت جاذبية وتشويقاً لا حدود له من خلال المفردات الرقيقة واللغة السليمة البسيطة في مفرداتها وتعبيراتها سواء عن مجريات الحياة اليومية أو عن جملة المشاعر والأحاسيس التي كانت تعصف بأعماق الكاتبة بطلة الرواية.

ولا شك فإن هذا الحوار اشتمل في العديد من المواقع على اقتباسات كثيرة من أجناس أدبية أخرى أضافت الكثير للرواية حيث نجد الشعر الفصيح ممثلاً في نصوص الشاعر الكبير الراحل “عمر الخيام” والشعر الشعبي وكلمات الأغنية الخليجية والأغنية الليبية وكذلك أقوال أدباء وعلماء ومشاهير العالم مثل (جاك جاك روسو، الملكة شارلوت، فرويد، اللورد شستر فيلد، كرستوفر مورلي، جون فرانكلين) وغيرهم، كل هذا خلق تنوعاً ينم عن ثقافة الكاتبة الثرية وقدرتها على توظيف مخزونها الفكري وإبرازه في عمل رائع يستحق الاشادة والتقدير، وهذا ما سعت إليه هذه القراءة الانطباعية البسيطة والسريعة لرواية “الهجرة على مدار الحمل” والتي فعلاً حملتني إلى عوالم عديدة سواء كانت الأمكنة التي زرتها في دمشق أو الأحداث التي عايشتها هناك، أو ما يتعلق بدفقات العشق الأبدي لهذا الوطن ومدينتي طرابلس الحبيبة.

_____________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

تحت ظل النبض … شعراء الذائقة العربية

المشرف العام

اللغة والسؤال والعذوبة المحكية في شاعرية محمد الدنقلي(*)

يونس شعبان الفنادي

ضلع الإنسانية الأعوج

محمد عقيلة العمامي

اترك تعليق