المقالة

النّم في ليبيا وتونس

تأملات لغوية

ثمار شجرة النيم


كنت قد قرأت للكاتب والأديب عبدالرحمن جماعة في «بلد الطيوب»[1] أن «النَّم شجر لا يؤكل ثمره، ولا يفحم حطبه، ولا فائدة منه»، وأن فصيح الكلمة هو «النيم»، مع إشارته إلى أن هذه الكلمة لا صلة لها بأي «مدلول جنسي».

إذا عدنا إلى لسان العرب وجدناه يعرّف النيم، والنَّام لغة فيه، بأنه: «ضرب من العِضاه» وهو «شجر تُعمل منه القِداح. قال أبو حنيفة: النّيم شجر له شوك ليّن وورق صغار، وله حبّ كثير متفرّق أمثال الحمّص حامضٌ، فإذا أينع اسودّ وحلا، وهو يُؤكَل، ومنابته الجبال»، فإذا دقّقنا دلالة «النّم» كما هو معروف في اللهجة الليبية وجدنا من أمثال النساء: «زي ليم النَّم لا يتّاكل لا ينشمْ»، وفي ذلك تعبير عن كراهة طعمه ورائحته، ويذكرنا هذا بشجر النيم المعروف في السودان، وكان الإنجليز قد جلبوه من الهند في بداية القرن العشرين، فثمره مرّ الطعم ورائحته كالثّوم، أما في الهند فقد عرف باستخداماته الكثيرة في الطب التقليدي، وبمقارنة ذلك مع ما نجده في لسان العرب يتّضح أن النّم هو غير النيم الذي عرفه العرب قديماً، فالنمّ، وهو لا يكاد يوجد في ليبيا، شجر لا شوك له، ذو ثمر أصفر صغير أطلق عليه «ليم النّم» (أي ليمون النّم)، لا يؤكل ولا يُشمّ لكراهة مطعمه ورائحته، وهو ليس في هيئة الحمّص ولا يحلو، كما قال ابن منظور. النَّم (بنون وميم مفخّمتين) هو إذن غير النيم (بنون وميم مرقّقتين)، بل هما نوعان مختلفان.

لا أعرف أصلاً مباشراً لهذه المفردة، ولكن ما يثير الانتباه في البحث عن ذلك أننا نجد في اللغة السومرية التي أُعدّها أصلاً منقرضاً للغة العربية (على ما ذكرت في كتاب ما قبل اللغة) أن كلمة «نَمَ» nama تدلّ على نبت كان يُغتَسل به، فهو من ضرب الغسول أو الأُشنان، أما «نَمْ» nam فهي سابقة لغوية تدلّ على الكينونة أو التجريد تسبق الكلمات فتعطيها دلالة العموم. فكلمة «دُبْ» dub مثلاً هي الرقيم أو لوح الطين الذي يُرقَم عليه، فإذا سبقتها نَمْ كانت namdub وتدلّ على الكتابة عموماً. وإذا عدنا على هذا القياس إلى «نَمَ» nama فإن «ءَ» السومرية هي الماء، وإذا أضيفت إلى nam الكينونة والعموم صارت «نَمَ» تعني التموّه أو المواهة، أو مائية الشيء، وتدلّ على كل شيء ذي قوام مائي، أو على كون الشيء مستخدماً لحفظ الماء، فما علاقة «النَّمْ» هنا بالماء؟

نجد الإجابة في لسان العرب، فالنَمُّ هو النميمة، وتعريفها «التوريش والإغراء ورفع الحديث على وجه الإشاعة والإفساد»، يقال: «رجل نَمُومٌ ونَمَّامٌ ومِنَمٌّ ونَمٌّ»، و«امرأة نَمَّة»، و«النَّمَّام معناه في كلام العرب الذي لا يُمْسِك الأحاديث ولم يحفظها، من قولهم جُلودٌ نَمَّةٌ إذا كانت لا تمسك الماء». والإشارة في قوله: «من قولهم جُلودٌ نَمَّةٌ»، تفيد أن الأصل في صفة «النمّام» يعود إلى دلالة صفة «النَّمَّة» التي وُصِفت بها القِرَب والدلاء، وذلك على عادة العرب في سير كلامهم من الحسي إلى المعنوي، فالنميمة، أي نشر الحديث إفساداً وتوريشاً قد تولّدت إذن من ملاحظة تسرّب الماء وانتشاره من تلك الجلود الفاسدة.

لا أعرف ما إذا كان الليبيون قد استخدموا أوراق «النَّمْ» في الغسل والاغتسال، ولكنني أردت تدقيق أصل هذه الكلمة على القياس بغيرها فقادتني «النَّمْ» الليبية إلى «النَّمّة» الفصيحة و«نَمَ» السومرية المنقرضة، ووجدت أن الأخيرتين تلتقيان في دلالة خفيَّة هي الماء.

يقول ع. جماعة في المصدر المشار إليه: «قد أخطأ من ظنّ أنها ذات مدلول جنسي»، غير أن هذا المدلول بالذات شائع الاستخدام في الكلام العامي في ليبيا وتونس على السواء، وإجابة الطالب بقولهم: «نعطيك النّم»، أو قولهم: «النّم في كذا» بمعنى: سحقاً، لا يجعل الناس تفكّر في غير هذا المدلول، وهذا الاستخدام أسوغ في اللهجة من دلالة النبات، وإن كانت الأخيرة أوضح تأصيلاً، وهو ما يدلّ على أننا أمام كلمتين تتفقان لفظاً وتختلفان معنًى.

إننا إذا عدنا إلى أصل هذا الاستخدام، وجدنا «النَّامَة» وهو «الفَرْج» كما يقول ابن منظور، فـ«النَّمْ» بهذا المعنى لفظٌ محلّيّ جاء بصيغة التذكير من كلمة «النَّامَة» الفصيحة يؤدّي معنى «الأير»، خفّفَ الناس مدَّه وفخَّموا لفظه بما يوافق كلامهم، وهو ما يذهبون إليه حتى يومنا هذا، إلا أن الكلمة حُفظت بمعناها الفصيح في تونس وقُصرت عليه، وعُمّمت في ليبيا دلالةً على كلّ ما كُره ذكر اسمه من الموجودات، تماماً كما في استعمالهم كلمة «الواحد»، أو كما في استعمال المصريين كلمة «البتاع» للدلالة على أي شيء من النوابت النامية أو من الصوامت الجامدة دون تحديد.


[1]  https://tieob.com/%d9%84%d9%8a%d8%a8%d9%8a%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d8%b3%d8%b9%d8%a9-24-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%80%d9%86%d9%80%d9%80%d9%85/

مقالات ذات علاقة

مختصر القول

قيس خالد

المضمون الفكري في المظهر

أحمد معيوف

حركة الهيبيين

أحمد معيوف

اترك تعليق