المقالة

النُّخبة المُتَّزِنة

من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد
من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد


النخبة المتزنة – حسب وجهة نظري – هي الفئة المتطلعة من الشعب ولا تنبع إلا من عمق المجتمع وعقله الجمعي وتتسم بقدرات التأثير الإيجابي في عملية زيادة الوعي وترسيخ القناعات والأفكار والتوجهات الحسنة للمجتمع مع استقرائها الدائم لتطلعاته وآماله ورأيه العام تجاه وطنه وما يصبو إليه سعيا منها في إيصالها بسبل الموضوعية والتأثير الإيجابي في عملية اتخاذ القرار وصنع السياسات العامة للدولة ليتم مناقشتها وتحقيق ما فيه الخير للصالح العام ، هذا وتتنوع النخب وتتداخل فيما بينها فتجد منها النخب العسكرية والنخب السياسية والنخب الإقتصادية والنخب الاجتماعية والنخب الثقافية…إلخ من النخب المتنوعة بحكم تنوع نشاطاتها ودورها الفاعل والمؤثر إيجابيا في الدولة والمجتمع ككل ، بينما تمثل جميعها وبشكل عام ومتداخل كيان النخبة المتزنة بكافة نشاطاتها وأدوارها الفعالة والمؤثرة إيجابيا في الدولة والمجتمع على حد سواء. أما اللانخبة فهم أصحاب التأثير السلبي على الدولة والمجتمع ، هم السفسطائيون العشوائيون الذين لا يذهبون بالدولة والمجتمع إلا باتجاه العشوائية والفوضى النابعة من الإضطراب لتحقيق مصالحهم الشخصية غير المشروعة والتي لا تتحقق لهم إلا في ظل الأزمات لا في ظل الانتظام والنظام المتزن الذي ينشده الشعب المتزن والنخبة المتزنة ، وأقرب مثال على هؤلاء هم الإرهاب والتطرف وممولوه ومنظروه على حد سواء ، هنا يجب أن يكون صوت الشعب والنخبة الذين ينشدون الإتزان لتأطير الانتظام أقوى من نشاز اللانخبة الذين ينشدون الإضطراب لتأطير الفوضى ، الأمور تدفع بأضدادها والإتزان يدفع الإضطراب ، بذلك تتحقق الدولة المتزنة بشعبها ونخبتها المتزنة لتكمل مسيرتها باتجاه الإتقان في تكامل المنافع وتعاطل المضار لمصلحة النهوض بالشعب والدولة إلى الإزدهار وما التوفيق إلا بالله وعليه فليتوكل المتوكلون.

تعتمد النخبة المتزنة بشكل أساسي على عامل الوعي والتأثير الإيجابي في الدولة والمجتمع ككل ، فجميع النخب المتزنة لها صوتها وتأثيرها في المجتمع حسب نوع نشاطها ودورها الفعال وبما تتضمنه مصلحة المجتمع ، وكل النخب أيضا لها صوتها وتأثيرها في الدولة حسب نوع نشاطها ودورها الفعال وبما يتضمن تحقيق حاضر ومستقبل أفضل للدولة والمجتمع والنهوض بهما إلى الإزدهار ، النخبة المتزنة من المجتمع المتزن ، والمجتمع المتزن هو الدرجة الأولى ، والنظام المتزن من النخبة المتزنة ، والنخبة المتزنة هي الدرجة الثانية ، والنظام الحاكم من المجتمع المتزن والنخبة المتزنة ، والنظام الحاكم هو الدرجة الثالثة ، ويتكامل المجتمع والنخبة والنظام الحاكم لتحقيق تطعات وآمال الجميع لحاضر ومستقبل أفضل تحقيقا لما فيه الخير للصالح العام.

من متطلبات تحقيق النخبة المتزنة هي المراجعة والاستدراك والتقابل والتعارف والاجتماع والتحاور والتشاور والتوافق في ما بينها على ما فيه الخير للصالح العام مما يضيف عليها اعتدالها واتزانها وإتقانها وزيادة فاعلية تأثيرها الإيجابي في الدولة والمجتمع ككل ، النخبة المتزنة هي التي تدلو بقناعاتها وأفكارها ووجهات نظرها ورؤاها وآرائها وفق منظورها ومعرفتها المسبقة معا في آن واحد ، تحقيقا لإيعازات الضمير ونداءات الواجب الوطني للمشاركة البناءة في صناعة القرار ورسم سياسات الدولة المدنية المنشودة وللمشاركة البناءة في زيادة الوعي العام للمجتمع بقضايا حاضره ومستقبله وسبل معالجة واقعه ومقاومة حدوث أزمات مماثلة مستقبلا وسبل المحافظة على العقل الجمعي للمجتمع والدولة ككل من الاختراق الفكري والقناعات والأفكار الهدامة والمتطرفة وذلك بتعزيز الوعي في المجال الحسي والمجال فوق الحسي للدولة والمجتمع ككل وتأطير سبل تحصينه في كافة مناحي الحياة ومجالات الأعمال بشكل عام ، النخبة المتزنة تتطلب توحيد الجهود وتعزيز الفاعلية لتحصيل المنافع للمجتمع والدولة ككل ودفع المضار عنهم على الدوام.

من المهم جدا تعزيز إنتاج النخبة لمعالجة الحاضر وإضافة مراجع فكرية مستقبلية يمكن للأجيال أن تعود إليها وأن لا تسجن النخبة نفسها في صندوق ذكر نتاجات المفكرين السابقين فقط ، بل يجب أن تخرج من هذا الصندوق لتقوم بإعمال العقل والنقل معا في آن واحد في شتى مجالات العلوم الإنسانية إن لم يكن إعمال العقل والإضافة أيضا ، نحن بحاجة إلى نخبة تستفيد من نتاجات الماضي وتنتج نتاجاتها للحاضر والمستقبل ، لا أن تعيد نتاجات الماضي الفكرية بحذافيرها وتقف عند ذلك الحد !، فهذا جمود فكري لا يضيف شيئا على مسيرة تاريخ الفكر الإنساني. 

الفكر الإنساني في شتى مجالات العلوم الإنسانية هو فكر يجوز فيه إعمال العقل والنقل معا في آن واحد ويجوز فيه إعمال العقل والإضافة أيضا ، ولا يمكن للمراجع الفكرية في شتى مجالات العلوم الإنسانية أن تكون حدودا لآفاق المفكر بأن تمنعه الخروج عنها أو الإضافة عليها ، فلا يمكن للمفكر بأي حال من الأحوال أن يكون فقط بَبَّغَاءً يردد ما قاله صاحب نظرية الشيوعية أو نظرية الديمقراطية الرأسمالية أو غيره من المفكرين على مر تاريخ الفكر الإنساني في شتى مجالات العلوم الإنسانية دون أن يدلي هو ذاتيا بأفكاره وقناعاته ووجهات نظره ورؤاه حيال كل اهتماماته وإيعازات ضميره ونداءات واجبه تجاه وطنه وأبناء شعبه وأمته.

لقد وجدت أن الواقع الحالي للنخبة يتطلب منا إعمال التأمل والتفكر والتدبر والمراجعة وأن نكتب ذاتيا بما تمليه علينا إيعازات ضمائرنا ونداءات واجبنا الوطني وبما نراه وفق منظورنا ومعرفتنا المسبقة معا في آن واحد ، إن نتاج الفكر الإنساني حيال الواقع الذي يعايشه اليوم هو اجتهادات تصيب وتخطئ وليس مسلمة حتمية بطبيعة الحال كنتاج الفكر الإنساني من واقع عايشته الإنسانية بالأمس في كافة مراحل التاريخ الفكري للإنسانية اجتهادات أيضا تصيب وتخطئ وليس مسلمة حتمية لا يمكن للمفكر الخروج عنها أو الإضافة عليها ، فالمعيار الذي يفصل في قيمة الفكر الإنساني في كافة مجالات العلوم الإنسانية هو مقدار النفع الذي يقدمه للإنسانية سواء إن كان من المراجع الفكرية للمفكرين السابقين أو من نتاجات المفكرين في وقتنا الحالي ، الدين فقط هو المحكوم بمراجع ثابتة ومرجعية الدين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يمكن لرجال الدين الخروج بآرائهم ووجهات نظرهم عن مراجع الدين – الكتاب والسنة – فما وافق الكتاب والسنة منهم مأخوذ مقبول وما خالف الكتاب والسنة منهم مردود مرفوض ، أما الفكر الإنساني في شتى مجالات العلوم الإنسانية واجتهادات الإنسانية التي أصابت فيه وخلفت مراجعا فكرية تظل مراجعا فكرية يستفاد منها ، لا تملك هذه المراجع الفكرية أن تكون حدودا للمفكر لا يمنكه الخروج عنها أو الإضافة عليها ، وهذا لا ينفي كون المراجع الفكرية أمر مهم بل يؤطر لأهمية تعزيز إضافة النخبة الحالية لنتاجات تعالج الحاضر وتتطلع للمستقبل بحيث يمكن للأجيال أن تعود إليها كمراجع فكرية عن عصرنا الحالي لا أن يتوقف النخب اليوم عند المراجع الفكرية للمفكرين السابقين فقط مكتفين بذلك الحد !، يجب أن يكتب النخب ذاتيا وموضوعيا قناعاتهم ووجهات نظرهم ورؤاهم وآرائهم حيال القضايا المهمة في بلدانهم معملين في ذلك ملكة التأمل والتفكر والتدبر والمراجعة مع استسقائهم أيضا من معارفهم المسبقة ليحضوا بنتاجات فكرية نافعة وإضافة مهمة لحاضر ومستقبل شعوبهم وأوطانهم وأن لا يقتصروا ذلك فقط على المراجع الفكرية الجاهزة مسبقا والتي أدلت بدلوها حيال مثل هذه القضايا والتي قد تختلف عنها في فترات زمنية سابقة وفقا لما عايشته الإنسانية آنذاك ، فتلك المراجع الفكرية الجاهزة يمكنكم أن تتحصلوا عليها في مكتبات الجامعات ويمكنكم الاستفادة منها، ولكننا لن نتقدم إذا اعتمدنا في معالجة واقعنا وصناعة حاضرنا ومستقبلنا على دولبة تلك المراجع الفكرية الجاهزة فقط لا غير ، الأمر الذي يقصي ملكة التأمل والتفكر والتدبر ويحد من اتساع آفاق الفكر الإنساني ونتاجاته لمعالجة الواقع وصناعة الحاضر والمستقبل ، وإنتاج النخبة لا يعيب المراجع الفكرية في شيء إنما يعزز الثقة في النخبة لإعمال التأمل والتفكر والتدبر والمراجعة في شتى القضايا المهمة لشعوبهم وأوطانهم للارتقاء بدولهم أرضا وشعبا إلى الإزدهار وفقا لمنظورهم ومعرفتهم المسبقة معا في آن واحد ، فلتتساءل النخب وعليهم أن يسألوا أنفسهم : ماذا سيقدمون هم إلى جامعات الغد ؟! ، أسيقدمون دولبة لذات المراجع الفكرية الجاهزة مسبقا ؟! ، فقبل وهلة من التاريخ كان هناك مفكرون ومبدعون أنتجوا تلك المناهج الإنسانية الفكرية المفيدة في شتى مجالات العلوم الإنسانية ولم يتلقوها هم بدورهم في مؤسسات تعليمية تقليدية بل أضافوها بناءا على معيار النفع الذي تحمله للإنسانية ، فلنكن من ضمن هذه المسيرة التاريخية المنتجة للفكر والإبداع والابتكار النافع في كافة مجالات العلوم الإنسانية بأن لا نحصر عقولنا وأنفسنا بمحدودية تلك المراجع الفكرية الجاهزة في مكتبات المؤسسات التعليمية التقليدية ، الفكر نتاج التأمل والتفكر ومعياره تدبر النفع الذي يؤول إليه إصداره سعيا لتحقيق ما فيه الخير للصالح العام ، وليس الفكر نتاج المفكرين السابقين فقط لا غير ، الفكر النافع هو ما وافق الخير ولا محدودية في فكر الخير ونفع الغير ، الاجتهاد في الخير لنفع الغير لا ينتهي.

لا مناص من أن التعلم التقليدي في المؤسسات التعليمية التقليدية المحدودة هو أمر مهم لكن يجب أن لا ننسى أن التعلم الذاتي الحر الأوسع هو أمر أهم ، هذا كيلا نقصي المهم والأهم ، إن مسيرة الفكر الإنساني لا تتوقف عند حقبة معينة من التاريخ بل هي مسيرة تتكامل فيها عقول المفكرين على مر العصور في شتى مجالات العلوم الإنسانية والتي تعد اجتهادات أصاب فيها أصحابها ومؤسسوها في كل فترة من فترات تاريخ الفكر الإنساني في شتى مجالات العلوم الإنسانية ، وتظل اجتهادات فكر الإنسانية دائما بين الصواب والخطأ ولا كمالية لفكر الإنسانية ، الفكر اجتهاد والتوفيق بالله ، إن معظم الابتكارات التي أفادت الإنسانية بدأت بقناعات وأفكار ولكنها قناعات وأفكار جدا حسنة ، كما أن معظم الانتكاسات التي أضرت بالإنسانية بدأت بقناعات وأفكار ولكنها قناعات وأفكار جدا سيئة ، لا كمالية لفكر الإنسانية فالكمال لله وحده ، وكما يقول الشاعر : “لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان” ، الفكر النافع مطلوب وتقديسه غير مرغوب ، الدين مقدس منزه عن الأخطاء بقدسيته والفكر الإنساني لا يتعدى كونه فكرا ينبع من اجتهاد يصيب ويخطئ ما نصيب فيه فمن فضل الله وما نخطئ فيه فمن أنفسنا والتوفيق بالله ، فلتنتج النخبة أفكارها النافعة التي تعالج الحاضر وتتطلع للمستقبل والفكر النافع ما وافق الخير ، فلنجعل الخير ونفع الغير معيارا وخير الناس أنفعهم للناس كما قال سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله ، فلتدلي النخبة بقناعاتها وأفكارها ووجهات نظرها ورؤاها وآرائها ذاتيا حيال كل ما يهم الوطن والمواطن ولتحرص على أن تكون جالبة للمنافع دافعة للمضار بالموازنة الصحيحة المستمرة قبل إصدارها بشكل عام والله ولي التوفيق.

16 / 12 / 2019

مقالات ذات علاقة

قُتِلَ الجعد ومات إبن الراوندي (!!!…)(1/3)

أحمد معيوف

من دون ثقافة .. كان ياما كان…

عوض الشاعري

محمد علي الشويهدي

بشير زعبية

اترك تعليق