النقد

النويري مُحتـفيا بالـمأثورات الشعـبية

منذ ما يقارب النصف قرن والأستاذ أحمد النويري يُؤسس لمشروعه في الاحتفاء بالمأثور الشعبي الليبي وقد انبرى طوال مسيرته عاشقا مُخلصا له فتعددت أوجه انشغاله به شفاهة وكتابة، عبر إعداده وتقديمه لبرامج مسموعة ثم مرئية، أبـرزها: الأدب الشعبي، من الذاكرة الشعبية، قال صاحب العقل، في مواعيد لا يُخلفها، ولم يخلفها متابعوه، ثم كانت كتبه وداووينه التي جاورت ما صدر لبعض ممن غامروا وانشغلوا مبكرا على مستوى البلاد شرقا وغربا بالجمع والتوثيق، والدراسة والبحث لمكونات مأثورنا الشعبي المادي واللامادي، ومنهم الأساتذة: علي مصطفى المصراتي، محمد سعيد القشاط، الحاج محمد حقيق، عمر المزوغي، عبد السلام قادربوه، عياد موسى العوامي، لكن الأساس في بدء العلاقة ومن ثم التخصص الذي بدا فيه النويري معجونا وغاصا ما أفرزهُ مؤخرا في كتابه أطروحته للدكتوراة ( المأثورات الشعبية في ليبيا 2009) وما أعتبره مُؤسسا لاهتمامه ومُشكلا لذاكرته الحية حين أشار الى علاقته بالمكان بيئته ومحيطه منذ أربعينيات القرن الماضي بكل ما فيه بشرا رَحِما وقرابةً وجيران يمارسون الحياة عادات وتقاليد، طقوسا ومعتقدات، حكايا وسير، شعر وأغنيات …الخ، حينها تشبع في بيئته البدوية شغوفا بكل شاردة وواردة تلامس وجدانه وميله لفنونها الشعبية التي مثلت جزءا من فنون البلاد، مُحملا فيما بعد باحترام وتقدير ذلك المأثور المُهمش والمَقصي الذي عايشه عن قرب بكل حواسه متحولا من الحافظ الشفاهي الى الموثق المدون، وإن بدا مُنحازا لشعره (المنظومات من القصائد، والأغاني…)، عن نثره وسرده (كالسير والأمثال، والحكايات …)، وفي هذا الكتاب الأطروحة يستند النويري في أدواته المرجعية الى ما جمعه في جولاته الميدانية الممتدة لعقود من الزمن، والتي بانت مركزيتها في المنطقتين الغربية والجنوبية من ليبيا، وسأضيف لشمولية اهتمامه الجانب الوظيفي، مهماته ذات العلاقة بالتراث كونه أول مدير للمركز الوطني للفنون الشعبية أواخر العام 1974م، وقد فصل في كتابه هذا ما أنجزه في السنوات الثلاث لحضوره على رأسه، وغني عن الإشارة تميزه كشاعر شعبي وغنائي، فنتاجا لتجربته و خبراته هو من الأعضاء المحكمين في أهم مهرجان للشعر الشعبي الليبي في دوراته المتتالية.ومازال يمثل مرجعية استشارية موثُوقة للمهتمين بالتراث، ولي أن أشير إلى رحابته عندما استعنت به _ وأُجزم بعونه لآخرين غيري – في مادتي الباحثة و المُعرفة بغناوة العلم في لقاء الأدب الشعبي بالعاصمة الجزائر 2009م، وقد أفادني بما لم يرد حتى في أطروحته عن غناوة العلم الواردة في أغاني الرحى عند الفرجان بمنطقة ترهونة، والتي كان ظني أنها خصوصية شرق البلاد التي أسس لفهمها وأستوفاها شرحا وتحليلا الباحث والشاعر عبدالسلام قادربوه وقدم للمكتبة الشعبية أول معجم ألف بائي لنصها، وسيكون كتابه (المأثورات الشعبية في ليبيا) بصفحاته التي قاربت الخمسمائة كمتن غزير متنوع مكسبا أيضا لمكتبة المأثور الشعبي الليبي على قلة مصادرها التي مازالت تعاني نقصا وقصورا في الشغل والاهتمام، ويحسب للنويري مادته المُوثقة والأساسية للدارسين والباحثين والمهتمين الشغوفين بهكذا مجال، وجهده المُعجمي المُعرف بتفاصيل تراثية شفاهية ومادية لأهم مفردات ذاكرة الشعب وممارساته المختلفة التي تناوبت على وصفها الفصول الخمس للأطروحة شاملة:الأدب الشعبي وفنونه بدءا من المصطلح الى طرح النماذج المُعرفة والنصوص، منها:الأسطورة، الحكايات، السير، الأمثال، الأغاني، الألغاز، التعابير الشعبية: السر، الصف، الطبل، المعتقدات والمعارف المتصلة بالأحياء والجمادات والنباتات، ولعل ذكر بعض النباتات المستعملة شعبيا والمعتقدات المتعلقة بها غاب في هذا المبحث، إذ اكتفى الباحث بالإشارة الى تعريف لباحث الفلكلور المصري أحمد رشدي صالح، وسأذكر هنا ما سردته لي بعض الراويات الشعبيات في جنوبنا الليبي فيا اختزنته ذاكرتي عن كتاب الأسيوطي المنتشر عند بعض الفقهاء الشعبين في أغلب أريافنا المليء بذكر الأعشاب الطاردة للعين وللأرواح الشريرة فيستعمل شجر الأذخر كبخور، أما الحرمل فشجرة مرابطة مباركة يُتفائل بها، ، والكمون الأكحل والأصفر يعمل صُرر للأطفال إتقاءً للعين شرط أن يوضع في قماش أسود. وفاكهة الرُمان والانحياز الشعبي لها تفاؤلا وتحببا لحيوية لونها وجماله (يقال للأطفال ديدش حب الرمان، وبطلة إحدى حكاياتنا الشعبية هي حب الرُمان ) وكذلك مَثل نبات الحنضل كناية عن الصبر وقوة العزيمة في النصوص الشعرية، وعودة الى فصول الكتاب فيورد أيضا:الممارسات البدائية كالطب الشعبي، والمعتقدات المتعلقة: بالأيام، والأولياء، والرموز الدينية، الغول، الجن، الشمس، القمر وقوس قزح، التاقزة، والمعتقدات المتعلقة بالألوان والأعداد، دورة حياة الإنسان من الحمل الى الوفاة، الأعياد والمناسبات، أدوات الكيل والقياس، الخيل والابل! والصقر، العلاقات الأسرية، الموسيقى الشعبية، الألعاب الشعبية، الصناعات التقليدية، الأزياء والتطريز، صناعة الأغذية، الأدوات والمعدات المنزلية. وإن بدا التبويب للفصول والمباحث مُتكررا في بعض تصانيفه، فكان بالإمكان ضم مبحث العلاقات الأسرية لدورة حياة الإنسان، كل ماسبق عرضه مرفق بوصف للمفردة متناولة(نماذجها:الرحى، الطبل، البرمة، الحماس، جزالغنم، البندير، الخربقة، الأردية والحولي، الخيمة، القصعة، …)، وتراجم لأصحاب النصوص الشعرية المُرفقة، وبعض الإشارات لمناطق التسجيل والتوثيق ( الفضاء الزماني والمكاني )، وإن أهمل الأستاذ النويري ذكر كُتبه الهامة في ثبت المراجع المتخصصة التي جاءت دون الضبط الألف بائي.

 مادة الأطروحة ذات العنوان العام (المأثورات الشعبية في ليبيا) والتي عنت ببعض المناطق الليبية، لم تتقصد طرح السؤال، أو الانطلاق من فروض منهجية تبحث في قيم، أو دلالات سيميائية، أو نظريات اجتماعية أو نفسية أو فلسفية أو وظيفية…وغيرها كثير اعتاد الدراسون الأكاديميون الانطلاق منها، أو التأسيس عليها للنظر فيها ومراجعتها أو نقدها، خاصة إذا ما علمنا أن النويري يعلن عنها كأطروحة أكاديمية (2004) رغم ما قد يشوب أيضا الأطروحات العليا المتداولة محليا وعربيا من إتكاءة شديدة على الوصف والسرد نائية بنفسها عن التحليل والتفكيك والذي هو جهد الباحث في أصله ومركزيته، للمادة التوثيقية الشاهد الحي.

 – جامعا وموثقا من ذاكراته الطفولية وما تلاها سنا، ومن مخطوطاته، وكتبه، وبرامجه المسموعة والمرئية، وجولاته الميدانية، أنجز الأستاذ النويري أطروحته للدكتوراة والتي تمنح قارئها مُتعة الاقتراب الحميم، والمُعايشة الممكنة للمعارف الشعبية الأصيلة والخافية على أغلبنا في كثير من الأحيان وخاصة الأجيال الجديدة، رغم بعض الجهود الإعلامية المبذولة من حين لآخر لإيجاد مكان لائق لمأثورنا الشعبي على تنوع وتعدد صوره ومكوناته، وإن بدا في الآونة الأخيرة مُناسباتي وموسمي فهل لنا أن نكون في صورة أوفيائه رواده ومُحبيه من ثابروا وجهدوا في حفظه وتوثيقه والبحث عنه وفيه.

مقالات ذات علاقة

المقهور .. الذاكرة في نثر المدينة

عبدالسلام الفقهي

لغز السرد ولغز الخطيئة في رواية (الورم) لإبراهيم الكوني

المشرف العام

كـوامـي أيـايـا

المشرف العام

اترك تعليق