كتاب النقد الاجتماعي
طيوب عربية

النقد الاجتماعي عند المؤرخين والكُتاب الأندلسيين

MEO

حازم خالد

يُعتقد أن الدراسة التاريخية يمكن أن تحقق أهدافها إذا ما وضع ميراثنا التاريخي تحت منظور نقدي؛ يهدف إلى التعرف على السلبيات بهدف الاستفادة منها وتجنبها في المستقبل، لا بقصد البحث عن الأخطاء وتشويه المجتمع، تمامًا كمن يقوم بدارسة أسباب الخلافات بين الدول في الماضي بقصد تجنبها في المستقبل.

كتاب النقد الاجتماعي
كتاب النقد الاجتماعي

ولعل في هذه الكلمات الموجزة ما يبرز أهمية دراسة د. عادل يحيى عبدالمنعم التي صدرت في كتاب يحمل عنوان “النقد الاجتماعي عند المؤرخين والكُتاب الأندلسيين .. من القرن 3-9هـ/ 9-15” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والتي تعتمد على ما قاله المؤرخون والكتاب الأندلسيون في أحداث مجتمعهم، لاسيما ما يتعلق منها بالسلبيات والنقائص التي وجدوها في المجتمع الأندلسي منذ القرن الثالث الهجري وحتى سقوط غرناطة في عام 897 هـ/ 1492؛ وهو ما يعادل القرن التاسع الهجري كما هو موضح في عنوان الدراسة.
نقطة البداية في هذه الدراسة هي ظهور من يؤرخ أو يكتب عن تاريخ الأندلس، ومن المعروف عن عبدالملك بن حبيب أنه أول مؤرخ أندلسي عرفته أرض الأندلس، حيث قام بالكتابة عن التاريخ الأندلسي، ولا أقول كتب تاريخًا عن الأندلس بالمعنى المفهوم كما جاء في كتابات أخرى بعد ذلك، وكان ظهوره يمثل بداية الاستقلال عن الدور المصري في حركة التدوين التاريخي بالأندلس.

ويشير المؤلف إلى أن البقعة الجغرافية التي تنصب عليها انتقادات المؤرخين والكتاب الأندلسيين هي الأندلس، التي تعني شبة الجزيرة الأيبيرية، وهي عمومًا تعني المناطق التي كانت تحت الحكم الإسلامي، وهي متفاوتة، ولعل هذا التفاوت يرجع إلى طبيعة الصراع بين المسلمين والمسيحيين الذي شغل حيزًا كبيرًا من تاريخ شبه الجزيرة الأيبيرية على حد قول المستشرق الإسباني أميريكو كاسترو، وظل لفظ الأندلس يطلق على ما تحت أيدي المسلمين في شبه الجزيرة حتى عندما لم يبق بأيديهم سوى مدينة غرناطة، وفي وقت ضاق فيه “الملك بعد اتساعه وصار تنين العدو يلتقم كل وقت بلدًا أو حصنًا”.

نقد المجتمع

ويرى المؤلف أن بعض الدراسات الأدبية نظرت إلى نقد المجتمع من خلال أقوال الأدباء رابطة بينه وبين الهجاء ونقد أصحاب الوظائف الرسمية كالعمال والمحتسبين والقضاة، وتصوير بعض السلبيات الموجودة لدى بعض من طبقات المجتمع الأندلسي، وشكوى الظلم ومكافحة الفساد عند بعض الولاة، وطبقًا لأرجح الآراء – من وجهة نظر المؤلف – فإن النقد الاجتماعي يعتمد على إبراز العيوب والأخطاء والنقائص الخلقية.
ويؤكد: لم أوفق في العثور على كتابات تاريخية استخدمت هذا المصطلح من قبل؛ وكل ما أفضى إلى البحث به هو كتابات أدبية تعرضت لموضوعات اعتمدت على النقد الاجتماعي، مثل كتاب: “نقد المجتمع في حديث عيسى بن هشام للمويلحي” من تأليف الدكتور أحمد إبراهيم الهواري، وكتاب: “النقد الاجتماعي في آثار أبي العلاء المعري” للدكتور يسري محمد سلامة، وهما من كتب الأدب التي لا حاجة للبحث فيها.
إن جوانب السلبيات ومظاهر الفساد في مجتمع الأندلس قد تم تناولها عرضًا في كثير من الكتابات التاريخية، إن لم يكن في جميعها؛ والجديد في هذا البحث هو اقتصاره على السلبيات من خلال أقوال مؤرخي وكتاب الأندلس. 

ومن الواضح أن تقسيم المؤلف لفصول كتابه اعتمد على عصور الأندلس التاريخية؛ وقد تناول في بداية كل فصل (من الأول وحتى الرابع) الحديث عن سمات تلك الفترة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك في إيجاز؛ فالمؤلف يرى أنه لا يستطيع الفصل بين المؤرخين والكتاب الأندلسيين، وبين الفترة المتصدي لدراستها والتي عاشوا فيها. وعرَّفت بالشخصية صاحبة الانتقادات في هامش الدراسة على مدار فصول البحث.
وقد حرص على البدء بكتابات المؤرخين منهم؛ غير أن هذا لم يتيسر له في العصر المرابطي، حيث فقدت كتابات المؤرخ المرابطي ابن الصيرفي صاحب “الأنوار الجلية”، وهو ما دفع المؤلف إلى البدء بالحديث عن ابن رشد.
أما الفصل الخامس، فقد تناول النقد الاجتماعي في الكتابات المرتبطة بالأندلس؛ فهو لم يستوعب جميع هذه الكتابات، وإنما ذكر أمثلة منها فقط، موضحًا السبب في ذلك، ثم ختم الفصل، بل والدراسة كلها، بالحديث عن “نفح الطيب” للمقري التلمساني (ت 1041هـ / 1631)؛ إذ لم أستطع تجاهل جهوده في الحفاظ على التاريخ والحضارة الأندلسية.
ويختم المؤلف بقوله: طبقًا لما قاله د. حسين مؤنس: إن أحكام هؤلاء المؤرخين ينبغي أن تؤخذ دائمًا على أنها نسبية وشخصية؛ ولعل مرجع ذلك إلى أن الحقيقة في التاريخ نسبية ما لم تؤيد بأدلة، كما أن أحكام المؤرخين الشخصية تبدو واضحة في العصر الموحدي من خلال ما قالوه عن المرابطين.

مقالات ذات علاقة

الكتابة البيضاء

المشرف العام

إبرة الفلسطينية

المشرف العام

ثرثرة لابد منها

المشرف العام

اترك تعليق