النقد

النفسُ الأرسطيُّ والاغـترابُ الوجــدانيُّ

في قصص “شـواطئ الغُـربة” لخالد السحـاتي

محمـد يـونس (كـاتبٌ وناقـدٌ عــراقي)

غلاف المجموعة القصصية شواطئ الغربة.
غلاف المجموعة القصصية شواطئ الغربة.


النَّفسُ الأرسطيُّ وتصعيدُ اللغـة: مرَّت القصَّةُ العربيَّةُ بمراحل كثيرة, ورُغم المُنعطفات والمُنعرجات التي تفرضُ تغيير نسق الكتابة بقيتُ القصَّةُ مُحافظةً على النَّفس الأرسطي, وهذا طبعاً يُعتبرُ من الأُسس المُهمَّة في عالم القص, حيثُ الإطارُ القصصيُّ لا يُخالفُ أبداً منطقهُ الصُّوري, ورُغـم سعي المضامين لمُخالفة ذلك الموقف المُرتبط بوُجُـوديَّة القصَّة, وهُـو يُعيدُنا إلى أركان القصَّة: – حكاية – لُغة – سرد, ونسق الحكاية في القصَّة لا يعني صفة لُغة في بُعـده العُضويِّ, بقدر ما يعني حكاية شفهيَّة، إمَّا مُستعارة من الذَّاكرة العـامَّة التَّاريخيَّة, أو هي مُستعارةٌ من الذَّاكرة الشَّخصيَّة للمُؤلف, وبعد تعميدها بالنَّفس الأرسطيِّ يتمُّ تحويلُها إلى لُغةٍ مسرُودةٍ عبر المُعالجة القصصيَّة, وهُنا نقفُ على النَّكهة القصصيَّة والتمثل الأدبيِّ التَّـامِّ.

تُشكِّلُ المُعالجةُ الأدبيَّة للحكاية وتحويلها من حقيقتها البشريَّة إلى حقيقة أدبيَّة مُفترضة, وهُنا يبدأُ التَّحوُّلُ من “المشهُـود” إلى “المكتُوب”, ويتغيَّرُ النَّسقُ العقليُّ منْ فطرةٍ وذاكرةٍ إلى وَعْيٍ ودِرَايَةٍ, والنَّفسُ الأرسطيُّ هُنا يبقى دُون تغييرٍ، فهُو الحُجَّةُ الجـازمةُ التي يتكأ عليها المُؤلِّفُ, ولدينا هُنا مجمُوعةٌ قصصيَّةٌ نقيسُ ونُطبِّقُ تلك الأفكار عليها، ومجمُوعة خـالد خميس السحاتي القصصيَّة: (شواطئ الغُـربة) تُحيلُنا مُنذُ العنونة إلى نفس مُركبٍ بين نفسيٍّ وأرُسطيٍّ, وكذلك فإنَّها تُؤشِّرُ لوُجُود “اغترابٍ خارجيٍّ”, فيما أغلبُ القصص أكدت أنَّهُ “اغترابٌ داخليٌّ”، وما منْ قصَّةٍ كما نرى قد تخلَّت عن تلك الفكرة بشكلٍ تامٍّ, والتي هي مُتحقِّقةٌ فعليّاً عند كيان المُؤلِّف الشَّخصيِّ.

بدأت القصصُ بقصَّة: “خربشات صبيانيَّة”، والتي هي من المُؤكَّد تمُرُّ بذاكرة المُؤلِّف وتُوقظُها, حيثُ تلك المرحلة كما يرى التحليل النفسي أخطرُ المناطق، والتي مررنا بها صاغرين، فهي منطقةُ “الطُّهْرِ الرُّوحيِّ” التي تسبقُ التغيُّر الذي نمُرُّ به في مرحلة “المُراهقة”, وقد سعى القاصُّ إلى رسم صُورةٍ أدبيَّةٍ لتلك المنطقة تحتجُّ على نَفْسِهَا, فالصِّبْيَةُ فِي أوَّل مراحلهم، لكنَّ الصِّفة الأدبيَّة في القصَّة حوَّلت المسار إلى صفة التندُّر والغـرابة.. والقصَّةُ الثانية لمْ تبتعـد كثيراً، لكنَّها زادت من عُمق الجانب النَّفسيِّ عبر الافتراضات اللغـويَّة, وارتفـع مُؤشِّرُ الحسِّ الأدبيِّ كثيراً في هذه القصَّة لتكُون بين عُمقٍ نفسيٍّ يتكاثفُ، وبين توصيفٍ لواقعٍ غير واضحٍ وبائنٍ كُلِّيّاً، حيثُ النَّفسُ الأرسطيُّ لمْ يكُن ثابتاً، وكذلك اشتملت قصة: “شـواطئ الغُـربة”، والتي ما غادرت العنونة معنويّاً، وبقي المتنُ النَّصيُّ يدُورُ في مـدارهـا. وفي قصَّة: (المحفظة) هُناك جوٌّ نفسيٌّ داخل فضاء مكتبة قـراءةٍ, لكنَّهُ تبدَّد بالتَّدريج بعد وُضُوح الموقف العـامِّ, ويتأسَّفُ الشَّخصيَّةُ القصصيَّةُ على تعجُّله في بناء صُورةٍ مُشوَّهةٍ للموقف..

وفي قصة: “تجلِّيات الأقـدار” يُغيِّرُ البحرُ المشاعر والأحاسيس، لكنْ أيضاً تُغيِّرُ الأقدارُ المواقف, حيثُ يتوفى الشَّخصُ الذي عاد إلى الحياة منْ جديدٍ, ودراميَّةُ هذه القصَّة كان قد تصاعد إيقاعُها فجأةً بَعْدَ تعريف الصبيِّ للصيَّاد بموت الرَّجُـل.. وفي قصَّة: “لعنة الكلمات” هُناك مُوازاةٌ لواقع القصَّة لمقُولة مأثورة: “حاكمٌ ظلُومٌ ولا فتنٌ تدُومُ”. ويبدُو لفلسفة القصَّة التي تُوازي هذه المقُولة في موضُوعها, حيثُ هُناك شيخٌ أو حاكمٌ يظلمُ ناسهُ، ويقتُلُ منْ تآمر عليه, وانتقامُ أخ القتيل حوَّل الحياة إلى جحيمٍ وذُل وهوانٍ, بقتله ذلك الحاكم الظَّالم, وفي القصَّة أفعـالٌ سرديَّةٌ مُتلاحقةٌ، منها معرُوفٌ وغيرُهُ مجهُـولٌ، خُصُوصاً بعد مقتل الحاكم, وصراحة هذه القصص التي تناولناها في هذا القسم هي قصصٌ مُرتبطةٌ شكلاً ومضمُوناً بالإطار العامِّ للكتابة القصصيَّة, وهي تُمثِّلُ جانب القصِّ القصير المعهُود تاريخيّاً في المجمُوعة, والتي كان النَّفسُ الأرسطيُّ فيها مرَّ بعـدَّة أنواعٍ من  التمظهُـرات،  وبالوُضُوح التَّامِّ في أغلب القصص.

القاص خالد السحاتي
القاص خالد السحاتي

* التَّحوُّلاتُ الفنِّيَّةُ وتجريدُ الكتابة:

لقد تغيَّرت الكتابةُ القصصيَّةُ كثيراً، خُصُوصاً بعد انجلاء آخر مراحل “الحداثة”, وتجلي مرحلة “ما بعد الحداثة”, حيثُ انفتح المعنى القصصيُّ على آفاق ما بعد الحداثة, ولامس تلك السُّرعة النافذة التي غيَّرت المعنى الحياتي كثيراً, ومن الطبيعيِّ أنْ يكُون لها التأثيرُ الكبيرُ على الكتابة الأدبيَّة, والقصُّ القصيرُ أكثر من غيره استجابةً، فهُو يزدادُ ألقاً بالتَّطوُّرات الدِّلاليَّة، وتتوسَّعُ مضامينُهُ إلى أقصى الحُدُود، وأكثر أنواع الأدب تميّزاً في التَّطوُّر الدلاليِّ وبُلُوغ أقصى غايات المعنى هُـو: “القصُّ القصيرُ”، والذي هُـو نوعٌ من المُبادرة الأدبيَّة الحثيثة في تقصِّي الدلالة آفاق غير مشهُودةٍ أو معرفة.. والكتابةُ القصصيَّة تتمعَّـنُ كثيراً في تميُّزها الموضُوعيِّ، ولدينا هُنا قسمٌ في مجمُوعة: “شواطئ الغُـربة” انحرف كثيراً عن مسار القسم الذي درسناهُ، حيثُ هُنا يتغيَّر كثيراً النَّفسُ الأرسطيُّ، وتتبدَّلُ ملامحُهُ أيضاً، وهذا القسمُ تميَّز برُوحٍ فنِّيَّةٍ أكثر ممَّا يكُونُ فقط كتابةً أدبيَّةً، وقصصُ هذا القسم هي أشبهُ بحالةٍ من “الكلمات الضَّوئيَّة”، وسُـرعان ما تمُرُّ القصَّةُ بسُـرْعَةِ البَرْقِ، حيثُ لا نلمسُ النَّفس الأرسطيَّ بوُضُوحٍ، خُصُوصاً بعد التَّطوُّرات الفنِّيَّةِ، ويُمكنُ تقسيمُ قصص هذا القسم: إلى قسم أول: القصص التي تنتمي إلى الجانب الأول الذي درسناه سابقا، وقسم آخر: أبدى نوعا من التطورات الفنية حتى في صياغته، فقصص من مثل – أطلال – رحيل – لقاء، تمثل البعد الوجداني لقصص الجانب الأول، إضافة لما طرأ عليه من تغيرات في المضامين، واستحداث في الشكل المناسب لروح العصر، فيما كانت هناك قصص تحال إلى ما تتميز به روح ما بعد الحداثة من انفتاحات كبيرة مضامينيّاً، وتلك القصصُ تنتمي إلى رُوح الفن الأدبيِّ إذا جاز التَّوصيفُ، فهي عبارةٌ عن قصٍّ مُوجزٍ شكلاً يُناسبُ رُوح العصر، لكنَّهُ واسعُ التَّعبير والمُستوى الدِّلاليِّ، وقصصٌ: من مثل: (متاهات التشظي)، والتي هي لعبة أدبيَّة بين الشَّخصيَّة ووحدة الزَّمن, حيثُ تنشغلُ الشَّخصيَّة بمُناورة الزَّمن، والتَّحايُل عليه..  وأقصوصة: (زخَّات)، والتي تحوَّل فيها الواقعُ من البشريِّ إلى واقعٍ مُستعارٍ، حيثُ تكُونُ الغيمةُ رديفاً أو بديلاً نوعيّاً للشَّخصيَّة البشريَّة..

كما أنَّ المجمُوعة تضمَّنت حُضُور شخص الأم في أكثر من قصَّةٍ, وقد عبَّر عنها القاصُّ بصدقٍ فنِّيٍّ نوعيٍّ, حيثُ من المُؤكِّد في اغترابه الخارجيِّ والدَّاخليِّ المُتوضح في عنونة مجمُوعته القصصيَّة، والتَّفاوُت الواضح لمُؤشِّر الحسِّ السيكُولُوجيِّ الذي عبَّرت عنهُ الشَّخصيَّاتُ الأثرُ الكبيرُ في المجمُوعة القصصيَّة ممَّا يـدُلُّ على شُـعُـور المُـؤلِّف وإحسـاســه.

مقالات ذات علاقة

القصيدة النِّسويّة في “ليبيا”.. سهام الدغاري أنموذجًا

المشرف العام

جماليات بناء الحكاية والنص في رواية المولد لأمين مازن

عبدالحكيم المالكي

“الشلطامي”… الشاعرُ القُربان

المشرف العام

اترك تعليق